“بيعة ثانية” لإلغاء عقوبة الاعدام في إيران

آيدا قجر- إيران وير

على امتداد سنوات طويلة، تتصدر إيران دول العالم في تنفيذ عقوبة الإعدام على المئات من المواطنين وبأحكام قضائية.  

ومنذ بداية هذا العام وحتى الذكرى 14 لليوم العالمي لمناهضة هذه العقوبة، تم قتل ما لا يقل عن 209 أشخاص في إيران بهذا الحكم “غير الإنساني”، ولم ينته هذا العام بعد ولا زالت المشانق جاهزة لرقاب الإيرانيين.

فقد كان عاماً مليئًا بالموت لهم سواء المحتجون الذين قتلوا في الشارع، أو 176 شخصًا الذين قتلوا خلال إطلاق صاروخ على الطائرة، أو المئات ممن اُعدموا بأحكام القضاء، أو المواطنون الذين لقوا حتفهم بسبب جائحة كورونا.

وفي اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، دعا نشطاء المجتمع المدني، الإيرانيين المهتمين بحقوق الإنسان، إلى إبداء احتجاجهم على هذه العقوبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

***

“كان نافيد أفكاري رياضيًا شابًا يطمح إلى مستقبل أفضل، لكنهم أعدموه وسط ذهول وغضب العالم أجمع، ولم يكن أول من أدين وأُعدم على أساس الاعترافات القسرية، لقد وثقتُ إعدام آلاف الأشخاص بنفسي، وأشهد أنهم طيلة العقود الأربعة الماضية، استجوبوا مئات الآلاف دون محام وعذبوهم حتى اعترفوا كذبا، وأعدموا العشرات منهم، عليكم أن تتأكدوا أن نافيد لن يكون آخر الأبرياء الذي يرسلون إلى المشنقة، فلا قيمة لأرواحكم وحياتكم التي هي أبسط حقوقكم، عند قادة الجمهورية الإيرانية.”

هذه تصريحات “رويا برومند” المديرة التنفيذية لمؤسسة “عبد الرحمن برومند” والتي تم تداولها في اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام؛ وقد طالبت الإيرانيين بإبداء احتجاجهم على إصدار هذا الحكم اللاإنساني: “طالما عقوبة الإعدام قائمة، لن يكون هناك أحد في مأمن.” وهذا يذكرنا بجملة نافيد التاريخية: “إنهم يبحثون عن رقاب لمشانقهم.”

خلال 9 أشهر من عام 2020 أعدمت حكومة إيران ما لا يقل عن 209 شخصاً بأحكام قانونية. مصدر الصورة: إيران وير فارسي

في الذكرى العالمية الثامنة عشر لمناهضة عقوبة الإعدام، قدمت منظمة حقوق الإنسان في إيران إحصائية عن تنفيذ هذا الحكم.

ووفق تقرير المنظمة، منذ بداية هذا العام وحتى العاشر من أكتوبر الجاري، أُعدم ما لا يقل عن 209 أشخاص في إيران بأحكام قانونية. وفي هذا الصدد، قال مدير المنظمة “محمود أميري مقدم” إن إيران باتت إحدى “الساحات الرئيسية للمواجهة بين الشعب المعارض للعقوبة وبين المنفذين لها”.

 وأضاف: “خلال الأشهر الماضية، دشن الشعب حملة #لا_تعدموهم وشارك فيها الملايين وباتت أكبر حملة معارضة للإعدام في العالم أجمع، في حين تصدر مسؤولو الجمهورية، قائمة منفذي الإعدام في العالم.”

وعقب تأييد أحكام الإعدام الصادرة في حق ثلاثة من محتجي نوفمبر 2019 وهم “أمير حسين مرادي”، و”سعيد تمجيدي”، و”محمد رجبي”، تحول هاشتاغ “لا تعدموهم” إلى حملة على تويتر تنديداً بالحكم، وغرد المستخدمون بهذا الهاشتاغ أكثر من 11 مليون مرة.

ورغم إيقاف تنفيذ الحكم بالنشطاء الثلاثة، أعدم “مصطفى صالحي” أحد محتجي 2017 بعد فترة قصيرة، ثم نافيد أفكاري أحد محتجي 2018، لتظهر قوة الجهاز القضائي، التي تبث العنف والقتل؛ وانتحر والد أمير حسين مرادي من شدة الضغط باحتمال إعدام ابنه.

ويعتبر نشطاء حقوق الإنسان الحكم بالإعدام على المحتجين “اغتيالا سياسيا”، فيما تنفذ هذه العقوبة أيضًا على حالات الاتهام السياسي، والقصاص، وشرب الكحوليات والمخدرات.

وبحسب تقرير منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، أعدم خلال آخر تسعة أشهر، سجين في ساحة عامة، و 209 آخرون بينهم 202 رجلا و7 نساء، وأعدم طفلان بعد اعتقالهما ومحاكمتهما قبل بلوغ 18 عاما؛ فيما لم تذكر المصادر الرسمية والإعلام المحلي، إعدام سوى 67 شخصًا خلال هذه الفترة، بحسب المنظمة.

كان “هدايت عبد الله بور”، و”دياكو رسول زاده”، و”صابر شيخ عبد الله”، و”محمود موسوي مجد”، و”مصطفى صالحي”، و”نافيد أفكاري” ممن أعدموا باتهامات سياسية. أما السجين “دانيال زين العابديني” فقد نقل إلى زنزانة انفرادية عقب تمرد السجناء بسجن مهاباد في مارس الماضي، وتعرض للضرب والإهانة، ونفي إلى “سجن مياندفاب”، وضرب مرة أخرى، حتى أبلغت أسرته بوفاته في أبريل الماضي.

وتتمثل أحد حالات الإعدام المثيرة للجدل خلال هذه الفترة، في رجل أُعدم في مدينة “مشهد” بسبب شربه الكحوليات، وأكدت المصادر الرسمية خبر إعدامه. وصرح محاميه “حسين حبيبي شهري” أنه موكله أُعدم في يوليو المنصرم بسبب شربه الكحوليات ست مرات.

أما أغلب حالات الإعدام فتخص الحكم بالقصاص. في هذه الفترة، أُدين وأُعدم ما لا يقل عن 162 شخصًا بتهمة “القتل العمد”. وهذه الإحصائية هي نفسها إحصائية العام الماضي عن نفس الفترة. ورغم تأكيد الجهاز القضائي على حكم القصاص فيما يتعلق بقضية نافيد افكاري، إلا أن ثغرات القضية وغياب المحاكمة العادلة والاعتراف تحت التعذيب، خلقت الاعتقاد بأن إعدامه كان اغتيالا سياسيا وليس قصاصًا.

لطالما اعترض مجتمع حقوق الإنسان والمجتمع المدني الإيراني على الحكم بالقصاص، بعبارة أخرى، فإنه يعني الحكم على روح إنسان على عهدة أسرة المقتول. ووفق هذا الحكم، إذا اقتصت أسرة المقتول لفقيدها، يُفرج عن القاتل المحكوم بالإعدام، وبخلاف ذلك، تأمر العائلة الثكلى بموت إنسان آخر.

ويُعَّد حكم القصاص أحد السبل الإيرانية في الرد على المؤسسات الدولية بشأن ارتفاع إحصائية الإعدام. ففي الاجتماعات الدورية التي تعقدها منظمة الأمم المتحدة كل عام لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان في إيران، يطرح مندوب إيران القصاص على أنه “جزء من القوانين الإسلامية” وكأنه لا مفر منه.

وتأتي في المرتبة الثانية بعد القصاص، الاتهامات المتعلقة بتعاطي المخدرات، والتي تسجل أعلى الإحصائيات بإعدام ما لا يقل عن 18 شخصًا.

ورغم أن مؤسسات حقوق الإنسان تُعِّد هذه الإحصائيات بمساعدة النشطاء المدنيين ونشطاء حقوق الإنسان، إلا أنه بشهادة أغلب السجناء الذين دخلوا زنزانات الإعدام، فإن عمليات الإعدام داخل السجون تتم بشكل يومي.

في مايو الماضي، اعتبرت منظمة العفو الدولية، إيران هي المسؤولة عن ثُلث حالات الإعدام في العالم أجمع، وأعلنت في تقرير لها عن إعدام ما لا يقل عن 251 شخصًا في إيران خلال العام 2019. وتشير الإحصائية الدولية إلى إعدام 657 شخصًا حول العالم خلال العام الماضي، وكانت أعلى الإحصائيات من نصيب الصين.

وجاءت السعودية في المرتبة الثالثة بعد إيران بـ 184 حالة إعدام.

ووفق تقرير منظمة الأمم المتحدة، أعدمت إيران خلال العام الماضي 13 شخصًا في الساحات العامة.

يجري إعدام مئات الإيرانيين كل عام، بينما أعلنت نقابة المحامين مرارًا أن المحاكمة العادلة هي مجرد تعبير وهمي في النظام القضائي. وصرحوا مرارًا بأن الجهاز القضائي ينتهك حقوق المحامين، فما بالك بالمتهمين لا سيما السياسيين.

إن عدم تواصل المحامين مع المتهمين، وصعوبة وصولهم لقضايا موكليهم، هو مثال على انتهاك حقوق المحامين في إيران. وما أكثر عمليات الإعدام التي جرت خلال هذه العقود الأربعة، واتضحت بعدها براءة المتهمين.

إن والإعدام السياسي أكثر ما أثار مخاوف المجتمع الحقوقي والمدني الإيراني لا سيما خلال العام الأخير، فمع تصاعد الاستياء بين الإيرانيين من هيكل الجمهورية ووصول الاحتجاجات إلى الفئات المنخفضة الدخل، وتأزم الاقتصاد، عبر النشطاء الحقوقيون مرارًا عن مخاوفهم من إعدام المتهمين السياسيين لتضييق الخناق على الاحتجاجات، مثلما حدث مع مصطفى صالحي ونافيد أفكاري.

ورغم إعدام الجمهورية الإيرانية، المواطنين منذ توليها زمام الأمور، إلا أنها لا زالت تُصر على هذه السياسة. إن تنفيذ الإعدام في الشوارع خلال الأيام الأولى من الحكم ، وقتل معارضين ومحتجين في الثمانينات، وصيف 1988 الدموي، ومذبحة أبناء إيران الجماعية، وإعدام البهائيين وقتل المعارضين والمنتقدين من الأقليات القومية مثل الكُرد والعرب، هي مجرد إشارة إلى استخدام الجمهورية لهذا الحكم في سياق قمع المعارضة.

ومن بين حالات الإعدام السياسي التي صدر الحكم بها خلال العام الحالي، حالة الناشط السياسي “روح الله زم” الذي خدعته إيران، وتم جره إلى العراق حيث خُطف وأجبر على الاعتراف أمام الكاميرات. وينتظر روح الله زم حاليًا تنفيذ عقوبة الإعدام، وقد عبر مجتمع حقوق الإنسان عن اعتراضه على هذا الحكم، لكن الاعتراض مكلف أيضًا؛ حيث لا زالت الناشطة الحقوقية “نرجس محمدي” تقبع في السجن منذ ما يزيد عن ثمانية أعوام ونصف لمعارضتها لهذا الحكم.

لقد زادت الأزمات السياسية والاقتصادية والمدنية التي تعرضت لها إيران، من الخوف على أرواح المحتجين. مثل رد الفعل الذي أثاره المطالبون بالحرية إزاء اغتيال نافيد أفكاري سياسيًا، أولئك الذين كتبوا مرارًا بأن حياتهم في خطر، ولهذا السبب يعارضون النظام وقد تلتف المشانق حول رقابهم المرة المقبلة.

ما حدث لوالد أمير حسين مرادي كان صدمة أخرى للمحتجين. حيث انتحر تحت ضغط إصدار حكم بالإعدام في حق ابنه، أحد أسباب معارضة عقوبة الإعدام، هو أنه ليس مجرد قتل إنسان واحد بل هو تدمير للأسرة والرأي العام.

إن وجود عقوبة الإعدام في الهيكل القضائي الإيراني إلى جانب الاغتيالات السياسية، هو سلب لحياة البشر الذين يواجهون العنف باتهامات المخدرات والقتل والاعتداء. في حين أن معارضة هذه العقوبة هو حق في الحياة الذي هو أهم حقوق البشر، وما لا تعرفه أي حكومة بينما يتعين عليها معرفته هو أنه ليس لها الحق في سلب هذا الحق من الناس.

ورغم هذا، يتم إعدام العديدين كل يوم. وتخيم ظلال الموت بقوة على الإيرانيين، فإن لم يتم إعدامهم، فإنهم قد يُقتلون بأوامر حاكمي البلاد خلال الاحتجاج في الشوارع. إن تأمين الحياة هو الأمر الذي حُرم منه الإيرانيين.

وقد اعتبر مجتمع حقوق الإنسان والحقوق المدنية في إيران، اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، موعدًا لبيعة ثانية لمعارضة هذه العقوبة، إلى أن يأتي اليوم الذي لا يبحث فيه حكام إيران عن مشانق لرقاب المواطنين الإيرانيين.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد