معاناة الصاغة المَندائيين في إيران بين العنصرية والاتهامات الباطلة

مريم دهكردي – إيران وير

أحد الأساليب التي تنتهجها الحكومات الإيديولوجية في الضغط على “مَن ليسوا من مِلّتهم” فرضُ القيود الاقتصادية عليهم؛ بدءاً من مصادرة أموال اليهود في بواكير الحكم النازي في ثلاثينيات القرن العشرين إلى فصل البهائيين من الإدارات الحكومية في بدايات الجمهورية بإيران؛ وجذر هذه الرؤية واحد لا يَتغير: السعي لإضعاف الأقليات وتركيعها.

غير أن هذه المساعي لا تقتصر على الإجراءات الممنهجة التي تفرضها الحكومات وحسب، ففي فضاء “محاربة الآخر” تُمهَّد الأرضيةُ أمام انتهاز الموظفين الصغار بالضغط على الأقليات لمصالحهم الشخصية دون تعرُّضهم للمساءلة والملاحقة القانونية.

وفي مقابلة مع “إيران وير” تحدث بعض الإيرانيين المندائيين ممن يزاولون بعض الأعمال الحرة عن هذه الضغوطات.

في ظل الجمهورية الإيرانية، يُطلَق على أتباع الأقليات الدينية والمذهبية “النجسون” حيناً و“غير الطاهرين” حيناً آخر، وتُغلَق محلات أعمالهم بالشمع الأحمر، ويتعرّضون للعنصرية وهم يحاولون الحصول على أبسط حقوقهم، ويُحال دون دخولهم إلى دائرة السلطة، ويُحرمون من العمل في الدوائر الرسمية أو الذهاب في المدارس والجامعات.

حتى إن بعضهم ممن يزاولون أعمالاً خاصة يواجَهون بالضغوطات والقيود. وأحد الصابئين المندائيين الساكن في مدينة “ماهشهر” في محافظة خوزستان يؤكّد ذلك لـ “إيران وير”: “يعمل المندائيون في صياغة الذهب والفضة أباً عن جد. لدينا أسلوب فريد في المينا المزجَّج على وجه الذهب والفضة مع صورة النخيل والجَمَل المشهورة في العالَم. حتى هذا العمل الذي نعمل فيه بصعوبة بالغة وبرأسمالنا لا يُتاح لنا إلا بشقّ الأنفس. يُذيقنا رجال الأمن ألواناً من الأذى كي يَحصلوا على رشوة من بضعة ملايين من التومان”.

تأسيساً على كلام هذا المواطن، ومن منطلق أن بعض رجال الأمن يعلمون بحرمان المندائيين من حقوق المواطَنة ويُكرِهونهم على دفع الرشوة، وبحصولهم على عدة ملايين يُفرجون عنهم صباح أول أيام الدوام الرسمي من الأسبوع، أي يوم السبت، دون تشكيل ملف، ويحدث نفس الشيء لشخص آخر بعد أشهر: “في السنتين الأخيرتين تكرر هذا الأمر كثيراً إلى درجة قيام الصاغة المندائيين في سوق ماهشهر بالكتابة لمحافظ خوزستان شارحين له القضية. ومنذ مدة لم نَشهد هذه الظاهرة وكلُّنا أمل أن تكون قد لاقت اهتمام وعناية أُولي الأمر”.

معاناة الصاغة المندائيون في إيران. مصدر الصورة إيران وير فارسي

كثيراً ما يُوصَف الصاغة كشركاء للصوص الذهب. فبحسب مواطن فَضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، حدث هذا الأمر في ماهشهر مرات ومرات. ويضيف: “يأتي رجال الأمن إلى السوق ومعهم لصوص الذهب، وعادة ما يشير اللصوص إلى المندائيين كمشترين للمال المسروق. ولا جدوى لإصرارنا على أن في محلاتنا كاميرات مراقبة للتحقق من الصور، ولدينا دفاتر الشراء والفواتير، لكن لا أذن تصغي. يُغلقون المحل بالشمع الأحمر ويأخذون صاحبه. وعادة ما يحدث هذا في اليوم الأخير من الأسبوع، أي يوم الأربعاء، وبعد الدوام الرسمي للدوائر الحكومية. فيتعطل محل الصائغ ليوم أو يومين وتكسد تجارته. وكثيرا ما يقول رجال الأمن إذا لم تكن ترغب في الذهاب إلى المحكمة والقضاء فتعال وادفع الغرامة وأَنْهِ القضية هنا”.

في حوار مع “إيران وير” أفاد مصدر مطلع بمثل هذا التعامل من قِبل قوى الأمن وأقر أن جزءاً منه ناجم عن الفساد المالي والإداري الممنهج في إيران، إضافة إلى كون هؤلاء أقليةً وإلى المعتقدات الخاطئة عن أتباع الدين المندائي.

ويفصّل أكثر: “قد يتساءل بعض المخاطَبين الذين يقرؤون كلامي هذا أنهم يَعرضون الرشوة على الجميع فلماذا تقبلون بها أنتم؟ هنا تَكشف قضية حقوق المواطَنة عن نفسها. فالكثير من المندائيين يَبذلون جهدهم في الاستمرار بأعمالهم ساكتين دون ضوضاء. ويسعون ألا يتصرفوا بما قد يُحدِث حساسية لتجارتهم، لأنهم يعلمون مسبقاً أنه إذا تقررت متابعة القضية قانونياً فأمامهم ألف مشكلة ومشكلة. فهُم مقارنةً مع المسلمين – حتى لو كانوا مرتشين أو لصوصاً – يتمتعون بحقوق أقل. وإذا لم يتسنَّ لهم إثباتُ زعمهم فأمامهم طريق طويل لا آخِر له. ولذلك يتخلَّون عن المحكمة والمحاكمة والشكوى وتشكيل ملف”.

في السنوات الأخيرة تؤكد السلطات العليا في النظام الإيراني على محاربة الفساد في مستوياته المختلفة. ووفقاً للمسؤولين في القضاء، الاعتقال والمحاكمة وعقوبة الإعدام من نصيب من تُلطَّخ أسماؤهم بالفساد المالي أو بالارتشاء. لكن المواطنين المندائيين الذين يقعون ضحايا الفساد لا يُصدّقون مزاعم النظام “أتساءل دوماً” ألم يأتِ هذا النظام إلى الحكم ضارباً وعوداً بالقضاء على الفساد؟ ليتكم تعلمون ما لقيناه من عذاب في دهاليز الدوائر الرسمية طيلة عام من الركض وراء استرجاع أموال كنا اكتسبناها بشق الأنفس. وما اقتراحُ الرشوة من قِبل هؤلاء لقاءَ الإفراج عن تاجر لم يرتكب أيَّ مخالفة سوى غيض من فيض ما يحدث لنا”.

وارتباطا بهذا الشأن يقول مواطن مندائي: “في سوق صاغة الذهب في ماهشهر عدد من الصاغة المندائيين، أحدهم من أقربائي. وفي شباط/ فبراير الماضي حدثت عملية سطو مسلحة في هذه السوق ونهبت عدة محلات، وبعد فترة اعتُقل اللصوص وعُثِر على ذهب المسلمين وأموالهم المنهوبة أما ذهب وأموال قريبي المندائي فلا! طوال هذه المدة راجع المخفر مرات ومرات وتابع قضيته لكنْ لم يُقدّموا له أي تعاون ولم يحصل على أي نتيجة”.

ويعتقد هذا المندائي أن الجهات المسؤولة تشعر بمسؤولية ضئيلة تجاه غير المسلمين حتى حين يَلقَون الظلم على أيدي الآخرين.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد