السوريون في مهب أزمات لا تنتهي.. لقمة العيش بين الفساد وصراع طبقات الاقتصاد الجديدة

إيران وير – أصلان إسماعيل – ولات مارديني – تيم الأحمد

تواجه سوريا مشكلات متلاحقة ومستمرة لتوفير المواد والخدمات الأساسية، نتيجة أسباب تتعلق بالعقوبات الدولية، وبنية الاقتصاد المنهار والفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة، إضافة إلى سنوات الحرب الطويلة.

هذا التخبط في عمل الحكومة السورية، كشف الغطاء عن التناقض في تصريحات مسؤوليها بشأن الأزمات التي تعصف بالبلاد مثل أزمة الخبز، والبنزين، ونقص السلع المدعومة من الحكومة.

وفي أغسطس/ آب الماضي، قال طلال البرازي، وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إنه “لا داعي للخوف، فالطحين متوفر، بينما الزيت في مرحلة التوريد، وإن 30 مليون عبوة من الزيت قيد الوصول؛ وأضاف أن العمل جار لتأمين الشاي والسكر، لتكون المواد الأربع مؤمنة وبالسعر المقنن للجميع.

لكن بعد أيام من ذلك، كشف مدير المؤسسة السورية للتجارة أحمد نجم، لصحيفة “الوطن”، عن وجود صعوبات تعرقل عمل الشركات المستوردة للمواد المدعومة، دون أن يوضح الأسباب، وأشار إلى أن العقود المبرمة لم تسر على ما يرام، وأن المواد لم تصل بعد.

وتعيش مناطق النظام أزمات حادة من حيث توفير الخبز، والبنزين والغاز والمواد الأساسية، إضافة إلى الارتفاع الجنوني في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لليرة.

أزمة الخبز

طوابير طويلة من النساء والرجال تصطف بشكل منتظم انتظارا للسلع، وأمام “المعتمد” صاحب المحل المسؤول عن توزيع الخبز الحكومي في الحي، تُنزل السيارة حمولتها لتحصل “أم أحمد” على حصصهم من الخبز (7 أرغفة) “ربطة الخٌبر” والتي بالكاد تسد جوعهم.

لقد أجبر قرار الحكومة المتعلق بتقنين مخصصات الخبز أم أحمد والعديدين على الاستيقاظ يوميًا عند الخامسة والنصف صباحًا، لتحصيل ربطة واحدة بعد أن كانت الكمية التي تحصل عليها تكفيها لخمسة أيام.

ربما تبدو 7 أرغفة خبز لكل 24 ساعة كافية نوعًا ما لعائلة مكونة من شخصين، لكنها لم تعد كذلك بعد أن بات الخبز مصدر غذاءٍ رئيسي لأغلب الأسر بل والمخلّص الأخير من الجوع حسب وصف صحيفة البعث، بسبب تراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية، واختفاء كثير من المواد الغذائية الأساسية عن موائد السوريين. وهو ما اعترف به مدير عام المؤسسة السورية للمخابز زياد هزاع، في تصريح لإذاعة محلية قال فيه: “إن أبرز أسباب نقص الخبز هو زيادة الطلب كونه أصبح القوت الأساسي للمواطن نتيجة ارتفاع الأسعار”.

ويبيع المعتمدون والأفران الحكومية الخبز عبر “البطاقة الذكية”، وهي خدمة حكومية إلكترونية يتم من خلالها تقديم بعض المواد التموينية والمشتقات النفطية بأسعار مدعومة من الدولة. فمثلًا يبلغ سعر ربطة خبز الدولة 50 ليرة، بينما يصل سعر ربطة الخبز السياحي إلى 1200 ليرة، لذلك يكافح ذوو الدخل المحدود في سبيل تأمين الخبز الحكومي يوميًا.

وقد أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قرار تقنين كمية الخبز حسب أفراد العائلة بعد أيامٍ من تصريحات هزاع حول حاجة السوريين الملحة للمادة، وهو أول قرار للحكومة التي شُكلت بمرسوم رئاسي أواخر أغسطس/آب الماضي.

يقول ماهر، موظف في القطاع العام: “حتى الخبز نضطر لبذل الجهد والوقت الطويل للحصول عليه مع الازدحام الشديد على الأفران وتحديد كمية الشراء اليومية، وصار البعض يستعيرون بطاقات أقاربهم أو جيرانهم للحصول على كمية أكبر”.

وفي تعليقه على قرار التقنين يقول مدير المخابز لصحيفة البعث إنّ “قرار توزيع الخبز بمعدل 3.5 رغيف لكل فرد ليس بسبب عدم توفّر مستلزمات صناعة المادة أو التوفير فيها، بل بهدف خفض الازدحام على الأفران والحد من الهدر وإيصال الدعم إلى مستحقيه”.

ويتابع : “لاحظنا هدوءاً على مستوى العمل، وتراجعًا في حالات الزحام، وحصول المواطنين على المادة بيسر وأريحية”. وهو الأمر الذي نفاه استطلاع قام به موقع إخباري محلّي رصدَ ردود الفعل على آلية التوزيع الجديدة، والتي جاءت كلها سلبية ومنددة بتصريحات هزاع، حسب الموقع.

ويرى الباحث الاقتصادي كرم شعار، أنّ السبب الرئيسي في أزمة الخبز هو ماليّ بحت، لأنّ النظام كان قادرًا في السابق على شراء القمح من مناطق سيطرة المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وكان يدفع علاوة ويحفّز المزارعين على بيع محصولهم.

ويضيف “شعار” في تصريح لتلفزيون سوريا: “الآن تمنع قسد الفلاحين من بيع محصولهم للنظام، وبالتالي لم يبق بيده سوى ما تنتجه مناطق سهل الغاب ودرعا، وهو لا يكفي لاستهلاك سوريا من القمح”.

وتظهر دراسة للمركز العربي للأبحاث أنّ أداء الاقتصاد السوري في السنوات العشر الأخيرة كشف عن خسائر فادحة في قطاع الزراعة، أكثر القطاعات حساسية لارتباطه بالأمن الغذائي، وعلى رأسها القمح الذي بلغ إنتاجه عام 2019 نحو 2170 مليون طن، وهو نصف إنتاج العام 2011؛ فتحولت دمشق إلى الاستيراد من روسيا.

ويؤكد تقرير برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة الصادر في يوليو/حزيران الماضي أنّ “السوريين يواجهون أزمة جوع غير مسبوقة، وأنّ ملايين الناس ينحدرون أكثر فأكثر نحو الفقر”.

تقول أم أحمد: “صرنا نحلم بأطباق اللحم والدجاج وما شابه، حتى الأرز يصعب تأمينه بشكل يومي بسبب ارتفاع سعره، لم يعد أمامنا سوى خبز الدولة”.

وفي آخر التجارب التي تخوضها الحكومة ضمن ملف تأمين الخبز للمواطن، أعلن مدير المؤسسة السورية للمخابز زياد هزاع عن آلية جديدة لتوزيع الخبز بداية أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تتضمن حصول المواطن على وصلٍ بعدد ربطات الخبز المستحقة، ثم التوجه إلى نافذة البيع للاستلام والدفع.

وأوضح هزاع في تصريح صحفي أنّ الهدف من هذه الآلية هو تسريع البيع، بتقسيم العملية إلى مرحلتين أولها تمرير البطاقة الذكية على الجهاز لمعرفة مخصصات المواطن وتسليمه الوصل، والثانية التوجه إلى النافذة للاستلام.

لقمة العيش بين الفساد وصراع طبقات الاقتصاد الجديدة. كاريكاتير: جواد مراد

أزمة البنزين

في أوائل شهر يوليو/تموز الماضي أكّد مدير فرع دمشق لشركة “محروقات” إبراهيم أسعد، أن قرار إيقاف تزويد بعض أنواع السيارات الخاصة بالبنزين المدعوم حقق وفورات في المادة غطت استهلاك العاصمة ودعمت احتياجات الفترات القادمة.

وتم وقف الدعم عن السيارات ذات سعة محرك 2000 سي سي وما فوق، وعن كل سيارة إضافية باسم مالك واحد بما في ذلك الشركات.

وأضاف أسعد في تصريحه لصحيفة البعث أن وزارة النفط والثروة المعدنية وإدارة شركة “محروقات” وضعتا خططاً مدروسة لتوريدات مستقبلية من البنزين.

وبعد شهر على تصريحات أسعد، شهدت مدن الساحل السوري بداية أزمة في هذه المادة، وطلبت “محروقات” من المواطنين عدم الانجرار وراء الشائعات حول وجود اختناقات تموينية أو تغيير في السعر، مشيرة الى أنّ “زيادة حركة التنقل بين المحافظات والسياحة الداخلية التي تركزت بشكل أساسي نحو طرطوس واللاذقية أدت إلى زيادة الطلب على البنزين، وأنّ المخزونات المتوفرة من المشتقات النفطية جيدة وتكفي لحاجيات كافة القطاعات في الفترات القادمة”.

ومع بداية سبتمبر/أيلول الماضي عمّت أزمة الوقود جميع مناطق سيطرة النظام ووصلت إلى دمشق وريفها حيث الكثافة السكانية الأكبر في البلاد، فاضطرت وزارة النفط والثروة المعدنية إلى الإقرار بوجود نقص في المادة، مشيرة الى أن “سوريا بلد مستورد للنفط، ومحاصر بعقوبات اقتصادية ظالمة”.

وقد برر وزير النفط والثروة المعدنية بسام طعمة أزمة البنزين بوجود أعمال صيانة شاملة تسمّى “العَمرة” لمصفاة بانياس، رغم أن الأزمة بدأت قبل الإعلان عن الصيانة بكثير. وقال طعمة إن الأعمال ستستمر عشرين يومًا، بينما صرّح مدير المصفاة بسام سلامة أنها ستستمر شهر، بعد 7 سنوات على آخر صيانة شاملة؛ ما طرح التساؤلات حول هذا التوقيت الذي خلق أزمة الوقود.

يقول النائب السابق في مجلس الشعب فارس الشهابي: “إذا كانت صيانة المصافي هي السبب، فلماذا لم تقم الحكومة السابقة بها خلال فترة الحظر الطويلة التي فرضتها على التنقل في شهري نيسان وأيار عندما كان الطلب على البنزين في حده الأدنى؟”.

ويضيف الشهابي عبر فيسبوك: “هل كانت المصافي وقتها في وضع ممتاز لا يدل على أي خلل؟ هل سيتحمل أحد مسؤولية هذا التقصير الكبير؟ أكيد أننا لا نعرف السبب، ولا ننتقص من عمل أحد، لكننا بحاجة للتوضيح”.

ويوجد في سوريا مصفاتان لتكرير النفط، الأولى في محافظة حمص تديرها الشركة العامة لمصفاة حمص، والثانية في بانياس التابعة لمحافظة طرطوس وتديرها شركة مصفاة بانياس، وتوفر ثُلثي احتياجات البنزين.

واكتظت محطات الوقود في العاصمة دمشق إلى درجة غير مسبوقة منذ عام 2011، بحسب شهادات من سكان المدينة، حيث امتدت صفوف السيارات على طول كيلومترات، ليصل زمن الانتظار في الطابور إلى 24 ساعة أو أكثر في بعض الأحيان. ولجأ البعض إلى ترك السيارة ليلًا، والعودة في اليوم التالي لاستئناف التقدم نحو المحطة التي تكون قد استقبلت كمية إضافية من مستحقات البنزين.

يقول أبو ماجد، سائق سيارة أجرة، إنه لا يهتم بالتصريحات الحكومية ولا يثق بها: “أضطر لتخصيص يوم كامل في طابور المحطة تحت أشعة الشمس، لأعمل في اليومين التاليين حتى يفرغ الوقود، أنا على هذه الحال منذ شهر تقريبًا، تعبت نفسيًا وجسديًا، وأفكر بتسليم السيارة لصاحبها والبحث عن عمل آخر إذا استمرت الأزمة لفترة أطول”.

ويتابع: “بينما ننتظر دورنا لساعات طويلة، تدخل المحطة سيارات يقولون إنها تتبع لجهات أمنية بكل أريحية، وكأننا مجرد دمى لا قيمة لها ولا صوت”.

ويباع سعر ليتر البنزين المدعوم من الدولة مقابل 250 ليرة، وغير المدعوم ب 450 ليرة، لذلك يضطر أصحاب السيارات للانتظار في طوابير المحطات للحصول على كميات محددة: 30 ليترًا للسيارات الخاصة، و40 ليترًا لسيارات الأجرة. بينما يبلغ سعر ليتر البنزين في السوق السوداء 1000 ليرة ، يتم بيعه من قبل سماسرة خارج المحطات.

يقول مصدر خاص لـ”إيران وير” “يصل البنزين لأيدي السماسرة عبر عناصر وضباط الأمن والشرطة الذين يتواجدون في المحطات بحجة تنظيم عمليات التعبئة في حالات الاختناقات الحادة، حيث تنتشر الحواجز الأمنية على المداخل والمخارج”.

ويتابع: “يتلاعب بعض أصحاب المحطات بالعدادات، حيث تتم سرقة جزء بسيط من كل عملية تعبئة، وفي نهاية اليوم تتوفر كمية فائضة تباع لتجار السوق السوداء بأسعار مضاعفة”.

ما هو دور الحكومة؟

تبرر الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد منذ بدء الأزمة عام 2011 العجز والتقصير في أي قطاع خدمي بتأثيرات الحرب والإرهاب وتردي الأمن والعقوبات الدولية.

وفيما يخص أزمة البنزين، تضاربت تصريحات المسؤولين حول أسباب تشغيلية تتعلق بصيانة المصفاة، وخارجية تتعلق بالسياسة والعقوبات الدولية.

وقد نفى وزير النفط والثروة المعدنية بسام طعمة في بداية الأزمة الإشاعات حول نية رفع أسعار البنزين، ولم يمض شهر على حديثه حتى أعلن وزير التجارة وحماية المستهلك طلال برازي في الرابع من الشهر الجاري تأييده لفكرة تحرير الأسعار، ليتحمل من وصفهم بـ”طبقة أصحاب السيارات” الزيادة مقابل مساعدة المواطن محدود الدخل.

وبعد أيام من حديث “برازي” تم رفع سعر ليتر البنزين غير المدعوم “أوكتان 95” من 450 ليرة إلى 850 ليرة.

كما أعلنت الحكومة 19 تشرين أول/أكتوبر رفع سعر لتر المازوت الصناعي والتجاري الحر أكثر من الضعف، ليصبح 650 ليرة ارتفاعًا عن 296 ليرة. وارتقع سعر لتر البنزين “أوكتان 95” للمرة الثانية خلال شهر، ليصبح 1050 ليرة سورية.

ويشارك بتغذية الأزمة أشخاص فاسدون يعتمدون على عناصر الأمن المنتشرة في محطات الوقود “بحجة تنظيم دور السيارات وضبط الأمن”.

تقول “أم النور” لـ”إيران وير” إنّ علاقتها برئيس الحاجز الأمني المجاور لمنزلها جيدة، حتى إنه يسهّل لها الحصول على البنزين مقابل إكرامية 5000 آلاف ليرة، وليس عليها سوى الاتصال به عند اللزوم ليدخل سيارتها إلى المحطة متجاوزة مئات السيارات في الطابور.

وحول التعاطي مع أزمة الخبز، ركزت تصريحات المسؤولين المعنيين بالملف منذ البداية على الأسباب التي ساهمت في تفاقمها، وهي:

  • زيادة الطلب على الخبز المدعوم، كونه أصبح جزءًا أساسيًا من قوت المواطن بعد ارتفاع أسعار جميع المواد الغذائية.
  • توقف عمل بعض الأفران بسبب أعمال الصيانة.
  • الهدر واستخدام مادة الخبز بديلاً عن العلف.

وعلى أرض الواقع، تشارك في تأجيج أزمة الخبز والاختناقات الشديدة على الأفران منظومة ترتبط ببعض المتنفذين داخل الأفران الحكومية والذين يسهلون بيع الخبز لبائعين بسعر أعلى وبغض النظر عن الكمية المحددة في البطاقة الذكية، ليقوم أولئك ببيعه خارج الأفران بسعر يصل إلى 500 ليرة للربطة الواحدة، رغم أن السعر الرسمي هو 50 ليرة فقط.

يقول عنصر من قوات الدفاع الوطني لـ”إيران وير” إنّ “تلك العملية تتم في الغالب بتغطية من عناصر أمنية تشارك في الأرباح الموزعة على الجميع، ويتم كل هذا في وضح النهار دون حسيب أو رقيب؛ فأين أجهزة الدولة والحكومة من تلك الممارسات؟”.

ويقول مدير المركز السوري للدراسات الدكتور رضوان زيادة، في تصريح صحفي: “لا قيمة للحكومات في سوريا، كون النظام رئاسي بالمطلق، وليس لرئيس الحكومة أدوار سياسية، وإنما دوره خدميّ بحت، ويمكن تشبيهه بدور رئيس البلدية”.

انخفاض في الموازنة ونقص في الواردات

أوضح وزير المالية في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة، الدكتور عبد الحكيم المصري، لـ”إيران وير” أن أسباب الأزمة الحالية هو أن “الموازنة المالية لحكومة النظام في 2019 كانت أكثر من 4 ترليون ليرة ما يعادل 8 مليار دولار، بقيمة صرف 437 ليرة للدولار الواحد في البنك المركزي”.

أما في 2020، “وصلت الموازنة إلى 8 ترليون ليرة أو ما يعادل 7 مليار دولار  بانخفاض كبير بسعر الصرف حيث وصل إلى 1250 ليرة للدولار الواحد، ما انعكس سلبا على الأسعار والأجور ، فيما لم تتناسب زيادة الرواتب في القطاع العام مع ارتفاع الأسعار”.

وأضاف المصري، “لم يعد للنظام واردات تكفي، إذ سخر أغلبها للعمليات العسكرية والتسليح، في حين يلجأ للاتجار بالمخدرات والحشيش بالشراكة مع حليفه العسكري حزب الله، وقد ضبطت عدة شحنات مهربة من سوريا إلى إيطاليا والأردن ومصر”.

وأشار المصري لأسباب أخرى منها “قانون قيصر”، إذ يتوقع ازدياد الفقر وارتفاع الأسعار لأن النظام بات شبه عاجز عن الصمود أمام زيادة العمليات العسكرية وقيود الحصار وقلة الموارد.

كيف يواجه المواطن ارتفاع الأسعار؟

في جنوب سوريا أسوة بباقي المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام تعرف الأسعار ارتفاعاً جنونياً، لاسيما إذا قورنت بدخل الموظف في القطاع العام والذي يتراوح بين 60 ألف و 80 ألف ليرة.

يقول علاء لـ”إيران وير” (دون الكشف عن كامل اسمه لأسباب أمنية): ” بعد  قضاء 26 عاماً في قطاع التربية لا يصل راتبي التقاعدي سوى إلى 48 ألف ليرة وهو لا يكفي أمام الغلاء المتصاعد، لذا أعمل في مركز لبيع الأدوات المنزلية براتب 60 ألف ليرة رغم ساعات العمل الطويلة والتعب الذي أشعر به لكبر سني فأنا وغيري كثيرون ممن يقومون بأعمال إضافية نحاول التعايش مع الضائقة”.

ويقول أبو عماد، موظف متقاعد من مؤسسة المياه : ” سافر ولداي إلى ألمانيا منذ خمسة أعوام ويعملان في ترميم المنازل، ويرسلان لي 200$ شهرياً لكن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية مصاريف العائلة المكونة من ستة أشخاص، ثلاثة منهم يذهبون إلى المدرسة والرابعة طالبة في جامعة دمشق وهي بحاجة لمصاريف إضافية بالكاد أستطيع تغطيتها مما أحصل عليه”.

تأثير عقوبات “قيصر”

ساهم دخول قانون قيصر، حيز التنفيذ في 17 حزيران الماضي، في تعميق أزمة الاقتصاد السوري، لاسيما بعد أن أصبحت عمليات الاستيراد محدودة، وبالتالي شحت البضائع والسلع والخدمات في الأسواق.

وقد شدد القانون الرقابة على العمليات المصرفية للنظام والمتعاملين معه من السوريين وغير السوريين، وملاحقتهم بالعقوبات، ما جعل الكثير من الأفراد والشركات والدول تقطع التعاملات والعلاقات التجارية مع النظام.

يقول محمد عبد الحميد، صحفي اقتصادي مقيم في دمشق، إن “قانون قيصر تسبب في تجميد القطع الأجنبي لدى التجار، وخلق حالة من العزلة لدى الحكومة، وبالتالي صعب عقد صفقات الاستيراد الخارجية”.

وأضاف ، لـ”إيران وير”: “التحديث الدائم لقائمة المعاقبين بقيصر تسبب بتفاقم الأزمة لدى الحكومة، حيث طالت العقوبات كل رجال الأعمال السوريين المحسوبين على الدولة، وتلاحق رجال الأعمال الجدد الذين تسعى الدولة إلى خلقهم لتلافي العقوبات”.

وإلى جانب كل ما سبق يقول الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي، إن “النظام يواجه مشكلة تجفيف الموارد المالية في الداخل والخارج” بفعل العقوبات الدولية.

ونتيجة لذلك، تلقي الحكومة باللوم في جميع الأزمات على العقوبات الدولية التي أصبحت، حسب عبد الحميد، “شماعة تتخذها الحكومتان الحالية والسابقة لتبرير فشلهما، وعدم قدرتهما على إدارة الأزمة التي تمر بها البلاد”.

الاقتصاد السوري والأزمات اللبنانية

 في أغسطس/ آب الماضي، اعتبرت وزيرة الاقتصاد السابقة في الحكومة السورية لمياء عاصي، أن “الاقتصاد السوري سيتأثر حتماً وبشكل مضاعف بتداعيات الانفجار، لأنه من خلال هذا المرفأ الحيوي يتم استيراد البضائع إلى لبنان وإعادة تصديرها براً إلى سوريا، وقد كان بمثابة الرئة في ظل حصار خانق”.

لكن مدير عام المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب يوسف قاسم، نفى أن يكون للانفجار أي تأثير على حركة استيراد القمح إلى سوريا.

وتعليقاً على ذلك قال الصحفي محمد عبد الحميد، إن “انفجار مرفأ بيروت خلق مشاكل جديدة للاقتصاد السوري، فقد كان التجار السوريين يعتمدون على المرفأ لإتمام صفقات الاستيراد والتصدير عبر وسطاء لبنانين، وبالالتفاف على العقوبات الدولية، لكن ذلك توقف…وحتى مع وجود قيصر استمرت عمليات استخدام مرفأ بيروت لكن بوتيرة أقل مع زيادة حذر التجار ورجال الأعمال”.

مع ذلك، فإن تأثر الاقتصاد السوري بمشاكل لبنان سبق انفجار بيروت، وبحسب ما قال بربندي، لـ”إيران وير”، فإن “الأزمة الاقتصادية في لبنان أضرت بالتجار المتعاملين مع النظام والذين يتهربون من العقوبات”.

واعتمد النظام السوري على التجار من خلال “قيامهم بعمليات الاستيراد لا سيما المواد الغذائية والأساسية من دول مختلفة، ثم إدخالها لسوريا بصفتها قطاعاً خاصاً لتفادي العقوبات، وبعدها يقوم النظام بالدفع للتجار ورجال الأعمال بالليرة مع وضع هامش كبير للربح”، إلا أن الأزمة المالية في لبنان وتوقف البنك المركزي اللبناني عن منح الدولار لعملائه “أضر بالتجار وخسر جزء كبير منهم أمواله، وبذلك فإن الطبقة الوسيطة تأثرت بالأزمة وزيادة العقوبات الدولية”.

نقص العملة الأجنبية

نتيجة للنقص الحاد في العملة الأجنبية لدى البنك المركزي السوري، تعثرت صفقات الاستيراد. لذا لجأت الحكومة للاعتماد على القطاع الخاص مرة أخرى من خلال “التحرير الاقتصادي” للسلع والخدمات.

وفتحت دمشق باب استيراد الغاز أمام القطاع الخاص في تشرين الأول 2019، حين منحت الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية “محروقات” خمسة عقود للاستيراد لصالح القطاع الخاص.

وأصدر رئيس الوزراء السوري السابق عماد خميس، في آذار الماضي، قراراً سمح بموجبه لغرف الصناعة والصناعيين باستيراد مادتي الوقود والمازوت براً وبحراً لمدة ثلاثة أشهر. ولاحقاً، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، في أواخر آذار الماضي، قراراً يسمح باستيراد مادة الطحين لجميع الراغبين في ذلك، لمواجهة أزمة الخبز.

صعود المتنفذين

اتضحت مؤخراً معالم سيطرة التجار ورجال الأعمال المقربين من النظام بشكل أكبر على الاقتصاد، إضافة إلى الصراع الداخلي بين مكونات هذه الطبقة في سوريا، لاسيما تياري أسماء الأسد زوجة بشار الأسد، وتيار رجل الأعمال السوري رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد.

وقام التجار ورجال الأعمال، المقربون من النظام والمنوطون باستيراد المواد الأساسية، بتوفيرها في السوق السوداء على حساب توفرها في مؤسسات الدولة.

وأشعلت “البطاقة الذكية” الخلاف بين رامي وأسماء حول ملكية هذه الشركة، التي تستحوذ على عمليات توزيع المواد المدعومة، قبل أن ينتهي بها المطاف لصالح أسماء.

وتقوم شركة “تكامل” الوسيطة بين الحكومة والمواطن، بتشغيل “البطاقة الذكية” وتتقاضى مبلغا ماليا على كل حركة بيع، ويدير الشركة فارس كلاس، الذي يعد واجهة أسماء الأسد، حسبما قال بسام بربندي.

ويوضح: “هناك فساد داخلي ومنافسة حادة بين تيار رامي وتيار أسماء، لكن النظام التابع لأسماء خلق طبقة جديدة من التجار والوسطاء ورجال الأعمال الذين يريدون الثراء والصعود، وهو ما كان السبب في توفر مواد البطاقة الذكية بالأسواق بأسعار مضاعفة، بينما هي مفقودة في مؤسسات النظام المعنية بالتوزيع عبر البطاقة، لكون الطبقة الجديدة هي من تقوم بالفساد”.

وقال بربندي “وضع الأسد مؤخراً يده بشكل قوي على شركة “ويسترن يونيون” المصرفية في سوريا ولبنان، وأصبح يتحكم بعمليات التحويل المالي ويعرف من يحول ولمن وكم، وقام بفرض سعر البنك المركزي على الحوالات المالية، وهو بذلك، يقوم بسلب أموال السوريين في الداخل والتي يحصلون عليها من الخارج، مثلاً لو أرسلت 100 دولار سيستلم الشخص في الداخل 70 دولار، بينما فرق 30 دولار سيذهب للبنك المركزي وبشار الأسد وويسترن يونيون”.

مستقبل الأزمات

بحسب ما أكد بربندي “تصر أميركا وأوروبا أنها لو خففت الخناق قليلاً سيعتبر النظام نفسه قد انتصر وأنهم يقومون بمكافئته، بينما وجهة نظرهم أن يفهم أنه لن ينتصر ولن يحصل على مكافئة، وبالتالي العقوبات لن تتوقف”.

وأكد بربندي “أصبحت العملية هي شراء وقت، ومن سيكون له نفس أطول، لكن الناس من يدفعون الثمن في ظل غياب حل سياسي واضح”.

وعن دور الروس والإيرانيين في الأزمات السورية، قال بربندي، “إيران وروسيا غير معنيتين بالأزمة المعيشية في سوريا، بل معنيتان بتزويد الحرب، حيث كل الميلشيات التابعة لهما تصلها الأموال، وتعيش بشكل جيد ولم تتأثر بغلاء المعيشة”.

وقال بربندي “استمرار الوضع الحالي على ماهو عليه يخدم الروس في شراء الولاءات والإيرانيين في التشيع.. ولدى الأسد وعائلته ثروات كبيرة في الخارج لو كانوا مهتمين بعيش الناس لكانوا استثمروا جزءاً من أموالهم في الداخل، لكن هم يعتبرون أن هذه أموالهم ولا علاقة لها بالدولة”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد