ما السبب في كون السلطة القضائية مؤسسة ذكورية بالكامل في إيران؟

ماهرخ غلام حسين بور – إيران وير

لماذا عجزت السلطة القضائية عن كسب ثقة العامة طيلة الأربعين عاماً الماضية؟ أين تكمن المشاكل الرئيسية لهذا الهيكل الضخم الذي تتمثل أهدافه في تسوية الدعاوى وحماية الحقوق العامة وإقرار العدالة لدعم حقوق الفرد والمجتمع؟

يتناول موقع “إيران وير” في هذا التقرير بعض الإشكالات الهيكلية للسلطة القضائية استناداً على أمثلة عينية وتصريحات لخبراء قانونيين.

ونتطرق لموضوع ذكورية هذه المؤسسة، إذ لا يوجد لدى نصف سكان إيران -أي النساء- ممثل محدد وقوي في المناصب الإدارية العليا بالسلطة القضائية، حيث تتشكل من الذكور فقط، وحتى الحاصلات على شهادات علمية في القضاء مثل الرجال، هن غير قادرات على تولي رئاسة شعبة أو الحكم في قضية ما.

***

في العصر البهلوي، كان هناك “اتحاد للقاضيات” يضم نحو 35 قاضية. وبعد الثورة، فوجئوا بحكم يحظر تولي المرأة لمهام القضاء.

ومنذ الأيام الأولى التي تلت ثورة 1979، امتنع “أسد الله مبشري” وزير العدل في الحكومة المؤقتة (خريج القانون من جامعة فرنسية) عن التوقيع على الأحكام النهائية للقاضيات المتدربات، وحال دون عقد المراسم الثالثة والعشرين لأداء الخريجات لليمين، وقيل لهن إنهن لن يصبحن قاضيات لأسباب إدارية، وتم تكليفهن بمناصب معاونة وإشراف. وعارض هذا المطلب أيضا “أحمد صدر حاج سيد جوادي” وزير العدل الذي خلف “مبشري”.

ومنذ ذلك الوقت، لم تتوقف اعتصامات النساء المتكررة، والتجمعات، وإصدار البيانات والاحتجاجات أمام قصر العدالة.

ومنذ الأيام الأولى للثورة، تم تجاهل مشاركة النساء في القضاء، واستمر هذا النهج طيلة 42 عاماً الماضية، والآن رغم وجود أكثر من 1900 قاضية في إيران ممن مررن بجميع المراحل العلمية والانتقائية لقاض عادي، لم تتول أي منهن إدارة شعبة بالمحكمة، ولم يتم اعتبار أي حكم يصدرنه حكماً نهائياً.

لماذا لا يمكن للنساء العمل في القضاء؟

يقول “محسن قرائتي” والذي كان لسنوات طويلة ممثلًا للولي الفقيه وداعيًا للشؤون الدينية في التلفزيون الحكومي الإيراني: “القضاء ليس حقًا تم سلبه من المرأة، وإنما مسؤولية تم رفعها عن كاهلها، لأن هذا المنصب لا يمثل امتيازًا للرجل، لكن الله خلق المرأة لتربية الأجيال التي تحتاج إلى المحبة والعاطفة، وهذه المشاعر أمر خطير في القضاء”.

ولا تتوفر إحصاءات محددة عن النساء العاملات في مؤسسة السلطة القضائية، وعلى مر السنوات الماضية كان أقل من 30% من المشاركين في اختبارات القضاء من النساء.

لقد شاركت أستاذة القانون العام “مهرناز منصوري” في اختبار مساعد المدعي العام لدورات متتالية، وتم رفضها في مرحلة اختبار الشخصية وفشلت بالمشاركة في اختبار المستشار القضائي. تقول: ” التمييز متفش للغاية، أنتِ لن تصبحي قاضية حتى وإن كانت إمكانياتِك أعلى من الرجل، والنسبة المحدودة التي يتم اختيارها لمنصب مساعد المدعي العام، غير متساوية مع الرجال؛ من ناحية أخرى فإن المتطوع العادي ذو الميول الطبيعية لا يتساوى مع المتطوع المتشدد دينيًا وبالتالي فتقلدك للمنصب مستحيل؛ ثم يجب عليكِ اجتياز اختبار مساعد المدعي العام وفي السنوات الماضية، كانت نسبة النساء المشاركات فيه هذا الاختبار تمثل 1/3 أو 1 / 4 من الرجال. وفي مرحلة المقابلة الشخصية يتم رفض النساء بسبب الحجاب والزينة وما شابه، وهذا يعني أنكِ إذا حصلت على شهادة الإجازة، وتخطيت مرحلة المقابلة التي لا يمكن إلا لأشخاص معينين تخطيها، حينئذ سيتم توظيفك كمساعد للمدعي العام بإعلان قضائي”.

ويشمل هذا التمييز المحاميات والموظفات العاديات وحتى المترددات على مباني وزارة العدل.

تقول “مهناز براكند” المحامية والناشطة في حقوق الإنسان المقيمة في النرويج والتي تولت قضية بعض نشطاء حقوق الإنسان، إنه خلال توليها قضية موكلها “عبد الفتاح سلطاني” كانت بحاجة لتصريح القاضي “مرتضوي” للزيارة ، فسألها: أنتِ امرأة، لماذا تريدين لقاء رجل في السجن؟” وبالطبع يوجه هذا السؤال أيضًا للمحامين الذين يتولون قضايا لمتهمات، بحسب مهناز.

وتضيف المحامية لموقع “إيران وير”: “لقد تم تحديد مكانة المرأة في القوانين الإيرانية وفقًا لمكانتها في الأسرة ودورها كأم. في القوانين المدنية والجنائية، لا تحظى المرأة بالمساواة مع الرجل، وتعتبر نصف الرجل، ولا تحظى بنفس مكانته ليس في السلطة القضائية فحسب بل في كافة أركان النظام.” 

وتشير مهناز إلى المساعي الدؤوبة للنشطاء المطالبين بالمساواة في إيران، قائلة: “لسنوات طويلة، حاول نشطاء الحقوق المدنية وحقوق الإنسان من أجل إعادة مكان النساء الإيرانيات اللائي كن يلعبن دورًا في السلطة القضائية قبل الثورة، وربما نتيجة هذه الجهود أننا نرى الآن النساء في السلطة القضائية، وإن لم يكن قاضيات وصانعات قرار أو رئيسات شعب، ولكن كمستشارات ومساعدات للمدعي العام إلى جانب القضاة الرجال”.  

وتقول إنه خلال الفترة التي عملت فيها كمحامية في إيران، لم تر عنصرية خاصة إلا ما واجهته للحصول على رخصة مزاولة المحاماة بسبب معارضة وزارة الاستخبارات نتيجة سجنها سياسيًا في السابق، كما أجبرت على ارتداء الشادور (زي إيراني عبارة عن قطعة قماش كبيرة تغطي جسد المرأة بالكامل من رأسها حتى أخمص قدميها) عند دخول بعض المجمعات القضائية أو السجون، بصفتها محامية كانت تتردد على هذه الأماكن، وتؤكد: ” لم يكن لدى المحامين أو المترددين من الرجال هذه المشكلة، لكنني لا أعتبر ذلك ضمن ذكورية السلطة القضائية، فهذا يتعلق بهيكل النظام ككل والعنصرية الممنهجة ضد النساء، فهو لا يقتصر على مؤسسة واحدة أو اثنتين. بالنسبة لي، لم يتم منعي مطلقًا من أن أمثل رجلاً أو أشارك في محاكمة ما لكوني امرأة.”

تقول “زهرا روان آرام” وهي محامية مقيمة في خوزستان، إن الكثيرين داخل مبنى وزارة العدل، شعروا بعدم الارتياح لكونها امرأة لكن أسوأ ما مرت به، هو حينما حذر رئيس المحكمة العليا “أحمد مرتضوي مقدم” القضاة من لطف المحاميات ودلالهن، وأن بعضهن يحاولن جذب القضاة لرغباتهن الخاصة، وتضيف: “نحن المحاميات في إيران نستطيع الصبر على الإهانات وعدم المساواة في الأجور، وحتى حينما يحكمون علينا ويقولون لوكلائنا: هل وكلت محامية في قضيتك؟ هل جننت؟ أو حينما يبتسم القاضي بخبث ويكتب رقم الهاتف الشخصي على غلاف ملف القضية، وأنتِ تعرفين ماذا يقصد، وما إلى ذلك من أمور مزعجة؛ لكن أكثر الأمور الصادمة بالنسبة لي هو أن يقوم مسؤول قضائي كبير بإهانة المحاميات والتحرش بهن.”

تعتقد “مهري جعفري” المحامية والناشطة في حقوق الإنسان والمقيمة في بريطانيا، أن هناك عدة جوانب بشأن العنصرية ضد النساء، منها التاريخية المتعلقة بتقسيم السلطة بين الرجل والمرأة في المجتمعات البشرية. وتقول: “في المجتمعات الذكورية يكون هذا الاختلال شديداً للغاية، ومن الطبيعي أن يُشاهد على نحو أكبر في السلطة القضائية التي يتم داخلها اتخاذ القرارات الجادة؛ ومع تقييم دور المرأة فيها يمكن تحديد حصتها في تقسيم السلطة بالمجتمع ككل.”

وتقول: “لقد بدأ العالم أجمع بالقضاء على العنصرية ضد النساء، حتى أن بعض المجتمعات أقرت نوعاً من التمييز الإيجابي للنساء، في إيران الأمر معكوس تمامًا، حيث لم يُتخذ أي إجراء للقضاء على هذا الاختلال، بل تم تعزيز سيادة السلطة المطلقة للرجال منذ بداية الثورة وحتى يومنا هذا، وإذا كانت هناك مشاركة للنساء في بعض المناصب يكون ذلك نتيجة سعيهن للالتحاق بمجالات الدراسة مثل المحاماة رغم المساعي الرادعة، والمقاومة القانونية لوقف تحركهن، وحظرهن قانونيًا من الانضمام لمجالات مثل القضاء، لكن النساء لا يتراجعن عن مطالبهن.”

وتعتقد أنه إن لم تكن إيران هي الدولة الوحيدة التي لا تقبل القاضيات، فإنها بلا شك واحدة من الدول المحدودة التي حرمت النساء من هذا الحق.

تقول مهري جعفري بشأن تجاربها الشخصية المريرة طيلة عملها كمحامية في إيران: “أنتن تتعرضن للهجوم والمضايقات منذ دخولكن مبنى المحكمة، لطالما يشتكون من لباسكن حتى أن بعض المحاكم لا تسمح بالدخول دون الشادور. أذكر ذات مرة أنني كنت في أردبيل بسبب قضية شيك، فقال القاضي: هل قل الرجال لتدخلن أنتن النساء في هذا المجال؟ ثم قال لي بلهجة مهينة، بدلًا من البدء بالدفاع، اسحبي حجابك إلى الأمام أولًا، كما أن الأجواء تكون حقًا مهينة حينما تقدمين الدفاع عن موكلك ولا ينظر القاضي إلى وجهك مطلقًا.”

وفي نهاية تصريحاتها، أشارت جعفري إلى خاطرة طيبة تبعث الأمل في كل النساء، حيث تقول: “كانت رئيسة القطاع التنفيذي لأحد المحاكم امرأة، وكانت تتصرف بشكل مختلف، وفي كل مرة كنت أذهب هناك من أجل قضية ما، كانت معنوياتي ترتفع للغاية، وجودها وأسلوب مقابلتها المهذب، يلطف الأجواء، كلما رأيتها كنت أتمنى أن تتكاثر النساء ليحدثن تغييرات إيجابية في أجواء المحكمة الذكورية القاسية.”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد