نزع سلطة البرلمان الإيراني عبر “الطاعة” و”الرقابة الاستصوابية”

بجمان تهوري – إيران وير

سلسلة من التقارير تتطرق لأداء “علي خامنئي” كمرشد أعلى لإيران على امتداد 31 سنة، وهي تتعرض لشخصيته كواحدة من الشخصيات القيادية العالمية المليئة بالأسرار، واليوم ننشر واحداً من هذه التقارير سعياً لحلّ بعض الألغاز، إذ لم يُعرف عن حياته الخاصة إلا القليل، وباستثناء ابنه “مجتبى” الذي يُطرح اسمه في السنوات الأخيرة، قلّما نرى في الإعلام صورة أو قولاً لفرد من عائلته.

ولا يخص هذا الغموض حياته الشخصية والعائلية فحسب، ففي العام 2017 وبعد 28 سنة من تبوُّئِه أعلى سلطة في إيران، نُشِرت مقاطع مصوَّرة كَشفت النقاب عن أحد الأسرار، وبيّنت أن اختياره كمرشد كان مؤقتاً، إلى جانب انعدام الشفافية في المنشآت الاقتصادية الـمُدارة تحت إشرافه، والتي تُشكّل أكثر القطاعات غموضاً في إيران، حيث لم يعلن عن أدائها أو أرباحها أو خسائرها، فضلاً عن أن “خامنئي” لم يَتّخذ منهجاً واضحاً في السياسة، وكلما سنحت له الفرصة تنصّل من تحمل المسؤولية.

***

ما هي علاقة خامنئي بالبرلمان؟ وهل النواب الذين يعتلون مقاعده هم نواب حقيقيون للشعب ويسعون وراء مطالبهم، أم أنهم أشخاص مؤيدون من المرشد وأعوانه؟ في هذا التقرير، نحاول الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بعلاقة خامنئي بالبرلمان.

“في النظام السابق، جُمعت كل سلطات الدولة في مكان واحد، وكانت السلطة التشريعية عبارة عن مفتي، ولم يكن مجلس الأمة يفعل أي شيء، ناهيك عن عدم استقلاله، ومصادقته على القوانين من أجل المصلحة، وعدم قيامه بأية أمور على النحو الصحيح؛ لقد دخل أشخاص إلى البرلمان وفقًا لإرادة الحكومة، وتمت هذه الأمور بالرشاوى، وكانوا ينفذون ما يريده البلاط وترغب فيه السلطة المطلقة، لقد مررنا بهذه التجربة ولا زلنا ندفع ثمنها ورأينا ما سببته من مشاكل للبلاد”.

قبل سنوات طويلة، أدلى خامنئي بهذه التصريحات واصفاً مجلس الأمة في خطبة للجمعة بطهران؛ وتلك التصريحات تمثل أدق وصف للبرلمان الحالي الذي هو حصيلة “الرقابة الاستصوابية” و”هندسة الانتخابات” على يد المرشد.

إن لم نعتبر عبثية انتخابات البرلمان وإفراغه من النواب الحقيقيين للشعب، استراتيجية مُعدة سلفًا، فإنها قد حولته إلى مؤسسة مطيعة للمرشد تتلقى التعليمات وتُنفذ الأوامر فحسب، وذلك بعد فرض “مجلس صيانة الدستور” لوصايا المرشد فيما يتعلق بتحديد أهلية المرشحين.

وفي المجتمعات الديموقراطية، تتمثل مصداقية مجلس النواب في تمثيله لأغلبية الشعب، وحصول النواب على المقاعد عبر التصويت المباشر من خلال انتخابات حرة ونزيهة. أما في النظام الإيراني، فإن النواب لا يمثلون أغلبية الشعب، بل يختارهم مجلس صيانة الدستور.

انظروا إلى هذين الرسمين البيانيين:

هذه هي الجماعات المؤهلة والأحزاب المحرومة من المشاركة في انتخابات البرلمان الأول

هذه هي الجماعات المؤهلة والأحزاب المحرومة من المشاركة في انتخابات البرلمان الحادي عشر

في انتخابات البرلمان الأول، كان هناك تنافس بين جميع التيارات السياسية باستثناء التيار الملكي و”حزب توده”، أي أن الإقصاء من الانتخابات انحصر على هذين التيارين، وأُضيفت إليهما “منظمة مجاهدي خلق” في الانتخابات التكميلية.

ولكن أن تُجرى الانتخابات اليوم دون مشاركة “الجبهة الوطنية” و”التيارات القومية الدينية”، و”حركة الحرية” و”منظمة مجاهدي خلق”، والعلمانيين، والتكنوقراط، والطلاب المناضلين أو أتباع الإمام وأغلبية التيار اليساري وأقلية التيار اليميني في الحكومة، هو أمر لم يحدث بين عشية وضحاها.

إن النهج الذي حدده خامنئي لمجلس صيانة الدستور، قد تسبب بمرور الوقت في تضييق دائرة الرقابة الاستصوابية حتى أنه لم يعد من الممكن المشاركة في الانتخابات سوى لأغلبية التيار اليميني للحكومة (الأصوليون) وأقلية من التيار اليساري (أطياف من الإصلاحيين) أي أن ساحة الانتخابات ليست مفتوحة أمام مشاركة جميع أعضاء هذين التيارين من داخل الحكومة.

لقد لعب المرشد الأعلى الدور الأكبر في هذا الصدد، وكانت أول انتخابات أُجريت في عهد خامنئي، هي الانتخابات البرلمانية الرابعة، والتي قام فيها مجلس صيانة الدستور بإقصاء التيار اليساري بالكامل عبر رفض الأهلية، بينما كانوا يمثلون الأغلبية في عهد الخميني.

أما عن الرفض الواسع للأهليات والذي تم في الانتخابات البرلمانية الرابعة، فقد كشف الرئيس الإيراني آنذاك “أكبر هاشمي رفسنجاني” عن مساعيه لإقناع المرشد بإعادة عدد من المرشحين إلى ساحة الانتخابات. وكتب في مذكراته حول هذا الأمر: “لقد جاءني وزير الداخلية “عبد الله نوري”، وأعرب عن قلقه إزاء إقصاء مجلس صيانة الدستور للقوات الراديكالية، وقلتُ إن عليهم التحدث إلى قادة “جمعية رجال الدين المناضلين”، وأن يقترحوا أشخاصاً أكثر اعتدالًا وأن نطلب من المرشد الإبقاء عليهم؛ وقد اجتمع المجلس المركزي لجمعية رجال الدين المناضلين، وقدموا تقريراً عن الدعاية الانتخابية، أعربوا فيه عن رضاهم عن عملية إقصاء منافسيهم. واليوم تلقيتُ مكالمات من أشخاص تم رفض أهليتهم ويطلبون الشفاعة. وعندما تحدثتُ إلى خامنئي عبر الهاتف لم يكن مستعداً لقبولهم كقائمة بل قبول عدد منهم، وقد أخبرتُ وزير الداخلية بذلك”.

دور المرشد الأعلى في تحديد أهلية المرشحين

عين المرشد الأعلى أعضاء مجلس صيانة الدستور بشكل مباشر وغير مباشر (6 فقهاء بتعيين مباشر و6 حقوقيين بتعيين غير مباشر) ليتولوا مسؤولية الرقابة على الانتخابات البرلمانية وتحديد أهلية المرشحين، وكلفهم بمراعاة هذه المبادىء وأوضح معايير أهلية المرشحين لعضوية مجلس صيانة الدستور كالتالي:

1-أن يكون صالحاً
“على النائب الذي ينضم للبرلمان أن يكون إنساناً صالحاً؛ وبما أنكم وسيلة الطمأنينة، فلا تسمحوا لا قدر الله بحدوث خلل في هذا الأمر.” (خامنئي خلال لقائه أعضاء الهيئة المركزية للرقابة على الانتخابات البرلمانية، 23 فبراير 1992)

2-ألا يكون فاسداً ومثيراً للفتن
“يضعف النظام إذا كان هناك أشخاص مثيرون للفتن وفاسدون ماليًا أو أخلاقيًا أو سياسيًا، حيث تعتمد كفاءة الأجهزة عليهم، وبالتعبير الرائج، فإنه “يضع عصا في عجلة الجهاز” (يعرقل العمل) ولا يمكنه أن يتواجد في منصة بهذه العظمة، ومن ثم لا ينبغي له الانضمام للبرلمان.” (خامنئي خلال لقائه أعضاء الهيئة المركزية للرقابة على الانتخابات البرلمانية، 23 فبراير 1992)

3- ألا يعارض النظام
“لا ينبغي أن يدخل البرلمان كل من تشير سلوكياته وأنشطته وتصريحاته إلى معارضته للنظام تحت أي دافع، سواء كانت دوافع سياسية أو شخصية.” (خامنئي خلال لقائه أعضاء الهيئة المركزية للرقابة على الانتخابات البرلمانية، 23 فبراير 1992.)

4-أن يؤمن بالإسلام والثورة والنظام
“الأمر الرئيسي الذي ينبغي أن يكون في أي نائب، هو الإيمان بهذا النظام والإيمان بالإسلام والثورة ومحاولة الوفاء بالمسؤولية. وهذا هو المعيار الرئيسي لمن يرغب في الانضمام للبرلمان والذي إذا وُجد يمكن التغاضي عن باقي الأمور، إلا إن كان هناك ما يتعارض مع القانون.” (خامنئي خلال لقائه أعضاء الهيئات الرقابية بمجلس صيانة الدستور، 3 فبراير 1996.)

5- ألا يكون استغلالياً
“يجب الحرص على ألا يدخل إلى البرلمان الاستغلاليون وغير المؤمنين بالرسالة الثورية ومسؤولية التمثيل البرلماني وكل من يرغب في الدخول للاستغلال أو التخريبه فقط لا قدر الله. وينبغي ملاحظة أن كل الشروط التي تم وضعها، ستسفر عن هذه النتيجة.” (خامنئي خلال لقائه أعضاء الهيئات الرقابية بمجلس صيانة الدستور، 3 فبراير 1996.)

6-ألا يسيء للشعب والثورة والخميني
“على مجلس صيانة الدستور ألا يسمح للمسيئين للأمة، بالوصول إلى السلطة التشريعية وهذا من حق الشعب. وعلى المجلس الوفاء بهذا الحق ومنع المسيئين للأمة والثورة والخميني من الوصول إلى السلطة التشريعية”. (علي خامنئي خلال لقائه أطياف مختلفة من الشعب، 2 فبراير 2000م)

7-أن يلتزم بالنظام والدستور
“على كل من يدخل هذا المجال، أن يكون قادراً على تحمل هذا العبء، وأن يرى في نفسه الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور والتي سيعتمد عليها مجلس الصيانة، وأن يلتزم بالنظام والدستور ويكون راغبًا في تنفيذهما.” (علي خامنئي خلال لقائه أهالي قم، 8 يناير 2013م.)

إن توصيات المرشد الأعلى العلنية وغير العلنية لمجلس صيانة الدستور بوصفه المراقب للانتخابات، هي ما استبعدت آلاف المرشحين من التنافس عبر رفض أهليتهم في كل دورة، وساهمت في إجراء انتخابات غير نزيهة ودون رقابة، ويمكن تلخيص السبب الوحيد وراء استمرار هذا الوضع في جملة واحدة: “دعم المرشد الأعلى المطلق لمجلس صيانة الدستور.”

ونادرًا ما ينتقد خامنئي هذا المجلس بل ويعتبر مهاجمته أكبر خطأ يمكن ارتكابه، ويقول: “الانتخابات في إيران واحدة من أنزه الانتخابات في العالم، الناس يحبطون حينما تكذبون وتقولون إنه جرى هندستها وإنها تعيينات وليست انتخابات. على كل من لديهم منصات ويمكنهم التحدث في الإعلام والإنترنت، ألا يقولوا ما يجعل العدو يستغله لإحباط الشعب عبر تضخيم هذه التصريحات.”

ويعتبر أن المرشح المؤهل لدخول البرلمان هو “المؤمن، والثوري، والشجاع، وصاحب الروح الجهادية، والكفء بالمعنى الحقيقي لكلمة مؤيد العدل.” ومثل هذا الاختيار خلق برلماناً مطيعاً، يتلقى التعليمات وينفذها لكنه فاسد.

وينبغي اعتبار المرشد الأعلى محور “نزع سلطة البرلمان”، وهذا ما ذكره “جلال الدين طاهري أصفهاني” في نص استقالته من إمامة جمعة أصفهان في 8 يوليو 2002: “إن عدم الالتزام بالقانون ومشاركة المؤسسات اللامسوؤلة وغير المدنية، وعصابات المافيا، ونزع سلطة البرلمان، ووجود التسلسل المطلق اللامتناهي وغير المحدود مدى الحياة، ووجود سلطات لا يتم استجوابها، وسياسات خارجية غير ناجحة، ومؤسسات غير اقتصادية مرئية وغير مرئية، ومنصات غير حكومية وغير متعارف عليها، والتربح، وهروب العقول، والاعتقالات غير المألوفة، ومعاداة الشعب، والتهرب من القوانين، وعزل ذوي الفكر، واعتقال النقاد، والقضاء على الصحافة، وسجن أصحاب المجلات، والرقابة الفئوية والاستصوابية، ومحكمة رجال الدين غير المقبولة، وشل الحكومة، والنسج غير المواتي لمجلس مصلحة النظام، كل هذا قد وضع البلاد في مهب الريح وستكون عاقبته غير ميمونة ونعوذ بالله العظيم من شقائه وقسوته.”

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد