التحقق من ادعاء محمد جواد ظريف ؛هل القضاء في إيران والقضاة مستقلون؟

خلال اجتماع افتراضي حديث لمجلس العلاقات الخارجية في أميركا زعم محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني أن السلطة القضائية في إيران مستقلة، وأن القضاة مستقلون، وحين سُئل عن إعدام “نافيد أفكاري” أجاب مقدماً أربعة أدلة:

1. لم تتدخل الحكومة في حكم الإعدام، فالسلطة القضائية مستقلة، والقضاة في المحاكم يتمتعون باستقلال الرأي، بل هم مستقلون عن رئاسة السلطة القضائية.

2. قانون العقاب بالإعدام موجود في أميركا وإيران وأماكن كثيرة، وشئنا أم أبينا فهذا القانون موجود في إيران، وحالنا حال كثير من الولايات الأميركية التي تُصدر أحكاماً بالإعدام. ومؤخراً صدر في ولاية تكساس حكم بإعدام رجل كان قد ارتكب جريمة حين كان في الثامنة عشرة من عمره، لكن أحداً هنا لا يطالب وزير الخارجية الأميركي بتقديم إيضاحات في هذا الشأن.

3. لست في موقع يسمح لي بإبداء الرأي في حكم صادر عن المحكمة، فالمحكمة محكمة، والبعض يَفرحون لقرار المحكمة، والبعض الآخر يستاؤون من قراراتها.

4. نافيد أفكاري الذي أتأسف لعائلته لم يُعدَم لمشاركته في المظاهرات، بل أُعدم لارتكابه جريمة قتل، ولوجود مدّعٍ عليه، كثيرون يتظاهرون في إيران لكن لا يُعدم أيٌّ منهم لهذا السبب.

اعتقل المصارع الإيراني “أفكاري” في احتجاجات أغسطس/ آب 2018، وأُدين بقتل أحد عناصر الباسيج، وأُعدم في سبتمبر/ أيلول 2020.

واعتَبر نفسه بريئاً، وأن اعترافه بالقتل كان تحت التعذيب، وخلق إسراع السلطة القضائية في تنفيذ حكم إعدامه تساؤلات كثيرة بشأن عدالة الحكم.

وفي أدلة ظريف مزاعم كبرى يحتاج كلٌّ منها إلى التدقيق، وسيتناول هذا التقرير التدقيق في صحة ادّعاء أن السلطة القضائية وقضاة المحاكم مستقلون في إيران.

هل القضاة مستقلون في إيران؟

هذا ليس سؤالا جديداً، فمنذ سنوات طويلة يُنظَر بعين الريبة إلى استقلالية القضاء، حتى خامنئي الذي يُسمِّي رئيسَ السلطة القضائية ويَعزله لا يثق بها كثيراً، وقد صرّح في أحد خطاباته عام 2015 قائلاً: “لا بد من الوقوف في وجه الأسباب المسيئة لاستقلالية القضاء كالتهديد، والتطميع، والخجل، والضغط العام، والاعتماد على سلوك القضاء ونهجه الصحيح”.

لكن ما المقصود باستقلالية القضاء؟ يكتب “حسن محسني” الأستاذ في القانون الخاص في “كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة طهران” في هذا الصدد فيقول: “يمكن دراسة استقلال القضاء في مجالَـي السلطة القضائية واستقلال القاضي، أما الأول فجذوره في الفصل بين السلطات، وأما الثاني فمعناه عدم تبعية القاضي لأصحاب الدعاوى ومُحاميهم، وكذلك استقلاله داخل السلطة القضائية، ما يوفِّر الأمان له في عمله، ومنع نقله من مكان خدمته”.

ويكتب “باقر شاملو” الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة الشهيد بهشتي في مقال مشترك مع “شهرام محمدي” الحائز على الدكتوراه في القانون الجنائي وعلم الجرائم فيقول: “استقلال القضاء ثلاثة أنواع: الاستقلال بالفصل النسبي بين السلطات، الاستقلال الشخصي والفردي للقاضي، الاستقلال عن الحكومة والدولة.

النوعان الأول والثاني نسبيان أما الثالث فمطلق، وبمقدار ما يكون استقلال القضاء قوياً في مجتمعٍ ما فإن مراعاة حقوق وحريات الشعب المشروعة تكون ممكنة بنحو أفضل”.

وفضلاً عن استقلالية القضاء يكون تحقُّق الاستقلالية القضائية مرهوناً باستقلال شخص القاضي، لا سيما قضاة المحكمة أو اصطلاحاً “القضاة الجالسون”، واستنادا لهذه الأوصاف هل القضاة والقضاء الإيراني مستقلون؟

للإجابة يمكن عرض عدّة عناصر:

أ) استقلال السلطة القضائية

يعني المراعاة التامة لمادة فصل السلطات التي ترتكز في الأنظمة الديمقراطية على الحيلولة دون جمع السلطة وتمركزها في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة، لأن ذلك يتسبب في الفساد والاستبداد. فهل تُراعى مادة فصل السلطات في إيران؟

يتطرق الدستور الإيراني في المادة الثانية إلى نوعية نظام الجمهورية الإسلامية، ولا يشير مطلقاً إلى فصل السلطات، وفي المادة الخامسة يتناول مسألة الإمامة والقيادة المستمرة، ودورها الأساسي في استمرار الثورة الإسلامية، كما يؤكد على أن “ولاية الأمر وإمامة الأمة في غياب المهدي تقع على عاتق الفقيه العادل، والمتقي، والمطّلع على عصره، والجَسور، والمدير، والمدبّر، وهو من يَضطلع بها بموجب المادة 107”. في الواقع، خلافاً لمادة فصل السلطات، تتمركز السلطة في المرشد الأعلى كولي الأمر، وتلتفت المادة 57 إلى فصل السلطات، لكن اشتراط هذا الفصل بالعمل تحت إشراف الولي الفقيه يُخلّ بماهية فصل السلطات.

ويَرِد في هذه المادة أن “السلطات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية هي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية التي تَعمل تحت إشراف الولي المطلق للأمر وإمام الأمة، وهذه السلطات مستقلة عن بعضها، لكن جميعها مسؤولة أمام شخص واحد هو المرشد الأعلى”.

زِد على ذلك أن ارتباط المؤسسات العسكرية والاستخباراتية بمؤسسة المرشد (حتى وزير الاستخبارات التابع للحكومة يُعيَّن برأي المرشد)، وهيمنتها على المحاكم القضائية ومحكمة الثورة بشكل خاص كل ذلك أفرغ مسألة فصل السلطات من محتواها، ذلك أن أيّا من تلك السلطات لا اعتبار ولا صلاحية لها على نحو منفصل عن المرشد، وعليها كافةً العملُ تحت إشراف المرشد والمؤسسات الخاضعة له.

وبموجب البند 6 من المادة 110 الدستورية فالمرشد هو الذي يُسمّي ويعزل رئيس السلطة القضائية، ما يعني أن ارتباط رئيسها بمؤسسة المرشد والإلزام الدستوري قد أفرغ عملياً استقلالَ القضاء من مضمونه، فإذا كان على مسؤول أن يعمل وفق رأي رئيسه، ولهذا الرئيس مكانةُ الولي الفقيه، ويُعتبر أعلى سلطة في البلاد فهذا معناه أن على السلطة القضائية تنظيمَ نفسها وفقاً لإرادة المرشد، وفي مثل هذا النظام لا معنى لاستقلالية القضاء.

ب) استقلال القضاة

هناك تساؤلات جادة عن “استقلال القاضي” في نظام لا استقلالية فيه لقضاءٍ يُدار بإشراف أعلى سلطة في البلاد.

 ويكتب الخبيران القانونيان باقر شاملو وشهرام محمدي فيقولان: “إن استقلال القاضي يعني أن يتسنى له من موقعه في العدالة التحقيقُ واتخاذ القرار في الموضوع المبثوث فيه بحرية تامة وعلى أساس الدستور، ودون أي تدخّل أو ضغط أو نفوذ من أي جهة”، ويؤمن الخبيران أن حيادية القاضي أيضاً شرط واجب في تطبيق العدالة فيقولان: “الحيادية هي عدم الانحياز للشخص أو لشيء كالعقيدة أو الرأي أو الحكم، والمقصود بها في المحاكمات القضائية التحقيقُ غير المنحاز، وعدم إصدار الحكم مسبقاً”.

ويمكن مقاربة استقلال القاضي في إيران من ناحيتي الشكل والمضمون.

1. الناحية الشكلية: تعيين القضاة وعزلهم

الشعور بالأمان كشرط واجب في مجال القضاء يتضمن استقلال القاضي، ولهذا السبب ورد في المادة الدستورية 164: “لا يمكن فصل القاضي فصلاً مؤقتاً أو دائماً عن منصبه دون محاكمة وإثبات جريمة أو مخالفة تستوجب الفصل، كما لا يمكن تغيير مكان خدمته أو منصبه دون رضاه”، لكن القانون نفسه يشترط هذا المنع بما تقتضيه المصلحة العامة، فمن يُحدِّدها؟ رئيس السلطة القضائية ورئيس المحكمة العليا والمدعي العام، فإذا لم يُصغِ القاضي لوصايا السلطات العليا فبإمكانهم إرسالُه إلى مدينة أخرى دون رضاه.

2. الناحية الضمنية:

لا بد أن يتمتع القاضي بالحرية التامة في إصدار الحكم، وأن يؤدي وظيفته على أساس الدستور، ولكن هذه المبادئ غير ممكنة في الملفات السياسية الأمنية والملفات الخاصة في إيران للأسباب التالية:

  • القضاء يعمل بإشراف المرشد بوصفه وليَّ أمر المسلمين، والحصول على موافقته أساس لجميع المسؤولين دون استثناء، لأن الولي الفقيه في مكانة نائب الإمام المهدي المعصوم، وحين يُصرِّح أو يلمّح المرشد برأيه في إحدى القضايا لا يستطيع أيُّ قاض أو مدع عام إبداء رأي خلاف رأيه، ويمكن الإشارة إلى تصريحات خامنئي الذي طالما وضع القاضي في موقع إصدار الحكم دون تحقيق أو اكتشاف للحقيقة. وفي مثل هذه الحالات لا يستند القاضي لعلمه أو للدلائل القانونية، بل هو ملزَم بإصدار الحكم بموجب حكم الدولة. وأبرز مثال هو “إيقافُ محكمة موظفي الحكومة للصحافة إيقافاً شاملاً” إثر اعتبار المرشد لها “قواعدَ العدو”.
  • في بعض الحالات لا تترك قرارات وآراء رئيس السلطة القضائية مجالاً لاستقلال القاضي، فحديثه مع القضاة بطريقة آمرة يدل على أن القاضي محكوم بالقيود، ولنقرأْ هذه التصريحات والقرارات مثلاً:
  • على المدعي العام ألا يرحم محتكري الأدوات الطبية والدوائية.
  • لا ترحموا اللصوص.
  • أعمال المخلّين بالاقتصاد خيانة للشعب والنظام، فكونوا على موعد مع إعدام المخلّين بالاقتصاد.
  • على القاضي قراءة تقرير الموظف الشرعي بدقة، والتعامل معه بحساسية.
  • قائمة تنظيم شؤون السجناء وتقليص العقوبات الجنائية في السجون.
  • هناك علاقة مباشِرة بين استقلال القاضي وبين عدم حيادية الموظفين الشرعيين والمدعي العام، فإذا لم يكونوا مستقلين وحياديين ففي استطاعتهم إحداث الإخلال في استقلالية القاضي أيضاً، ذلك أن لهم الدورَ الأكبر في كشف الحقيقة، كما أن تعيين باسيج الحرس الثوري كموظفين شرعيين، وارتباط كيانات القوات المسلحة بالمرشد لا يترك مجالاً لاستقلالية القاضي.
  • حضور هيئة المحلفين في المحاكم السياسية والصحافية أحدُ العناصر الأخرى المنطوية على استقلالية القاضي، ويُعترَف به رسمياً في المادة الدستورية 168، فعندما يُحقَّق علناً في ملف سياسي أو صحافي بحضور هيئة المحلفين تَقلُّ إمكانية تجاوز القاضي للقانون، ويقل تأثرُّه بالمؤسسات الحكومية، لكن في إيران وبعد 40 سنة من عمر الجمهورية تقرّرت مؤخّراً إقامةُ محكمة الجرم السياسي بحضور هيئة المحلفين، ثم لا تُنتخب من بين الشعب، بل تُعيَّنها سلطات الدولة، لذلك قبل أن تكون الهيئة ممثلة للشعب فهي مُنصَّبة من الحكومة وممثِّلة لها، وفي ظروف كهذه يُفرَغ حضور الهيئة في المحاكم السياسية والصحافية من محتواه.
  • حق الحرية بتوكيل محامٍ، والتحقيق في الاتهامات بحضوره في جميع مراحل المحاكمة هو عنصر آخر للاستقلال القضائي، لكن وجود ثلة من المحامين في السجن بتهمة الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المدَّعى عليهم، ومنهم “نسرين ستوده”، “محمد نجفي”، “أميرسالار داودي”، “فرهاد محمدي”، “مصطفى دانشجو”، من الدلائل الأخرى على غياب استقلالية القضاء في إيران، فحين لا يتمتع المحامون بالحرية في الدفاع عن المدَّعى عليهم يمكن الشكُّ في استقلالية أحكام القضاة أيضاً.

تصريحات قاضٍ معروف

“سيامك مديرخراساني” الذي كان رئيس الفرع 76 للمحكمة الجنائية في طهران , واشتهر بمعالجته لقضايا مهمة مثل ملف “معتقَل كهريزك” وهو يتكلم عن القضاء الإيراني  في مقابلة نشرتْها وكالة “مشرق”, ويشير إلى قضايا شكلت مرجعية على افتقاد القضاء الإيراني للاستقلالية.

 ويقول عن علاقته بــ “مرتضوي” المدعي العام السابق في طهران: “لم تكن لي أي علاقة معه بالنظر إلى علاقاته مع القضاة في العدلية، وقد توصلت إلى نتيجة عدم إقامة أي صداقة معه، فقد بدا لي أن ذلك سيكون لمصلحتي ولمصلحة الملف”. وجواباً عن طبيعة علاقات مرتضوي مع القضاة يوضح: “كانت له آراء يُوصلها إلى القضاة عبر الملفات، لهذا السبب آثرتُ الابتعاد عنه”. وتشير هذه التصريحات إلى أن القضاة كانوا يُصدرون أحكامهم متأثرين بآراء ذوي المنصب الأعلى، وأنهم مكلَّفون بتأكيد رأيه في هذه الأحكام.

وفي قسم آخر من المقابلة يثير خراساني  الشكوك في استقلالية المدعي العام مرتضوي، وفي نفوذ الموظفين الشرعيين.

وفي ملف كهريزك كان هو القاضي المسؤول وأوضح كيف تنازل والد الضحية المدعو “جوادي فر” عن حقه، وسامح المتهم الذي كان المدعي العام في طهران حينها.

وفيما يتعلق بهذا التنازل يشرح قائلاً: “شعرت أن هذا التنازل قد أخذ قبل ذلك، ثم أُعلن عنه أثناء المحاكمة، هذا استنتاجي الشخصي لأن “جوادي فر” أُغمي عليه أكثر من مرة في المحكمة، وكنا نضطر لإسعافه، وقد استنتجتُ من طريقة كتابة ورقة التنازل أنها أُعدّت من قبل”، وهذا يعني أن القاضي تأكد أن تنازُلَ عائلة الضحية حدث تحت الضغط والإجبار. في نهاية المطاف وخلافاً لرأي القاضي تم رفض اتهام مشاركة المدعي العام في القتل.

يقول مديرخراساني في هذا الموضوع: “كنت أعتقد بمشاركة المدعي العام في القتل، وكتبنا ذلك في ورقة الحكم أيضاً لكنْ من خمسة قضاة كنا اثنين فقط نعتقد بمشاركته في القتل وبسجنه 15 عاماً، في حين أن الزملاء الآخرين كان لهم رأي آخر، كما صادقتِ المحكمة العليا بدورها على براءته من المشاركة في القتل”.

وبحسب القاضي مديرخراساني فإن الظروف الآن سيئة للغاية، بحيث إذا مَنحت السلطة القضائية مهلة 6 أشهر لكل قاض يريد الخروج منها، سواءٌ عن طريق التقاعد أو طريقة أخرى، فأنا أؤكد لكم أن شخصاً واحداً لن يبقى وسيخرج، وأنا مستعد لمراهنة كل من يعارض كلامي”. وقد جاء هذا جواباً عن سؤال يتعلق بالظروف المعيشية للقضاة، وهو زعْم يشير إلى أن القضاة لا يحصلون على التأمين المالي، وهي معضلة قد تُخلّ بالاستقلال القضائي.

حكم المراسلين الدوليين على استقلالية القضاء في إيران

“أحمد شهيد” و“عاصمة جهانغير” المراسلان الخاصان لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة في الشؤون الإيرانية أكّدا في تقاريرهما على أمرين جوهريين هما “عدم استقلالية القضاء في إيران” و“هيمنة القوى الأمنية على محكمة الثورة”.

تقول جهانغير في هذا الشأن: “فقدان قضاء مستقل لا سيما في محاكم الثورة أسفر عن أوضاع وخيمة في إيران، ولا يمكن إصلاح أوضاع حقوق الإنسان دون إصلاح النظام القضائي”.

وبناء على ما تقدم فإن “إيران وير” يعطي ادعاء وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف “كذبة بينوكيو” حول  أن “القضاء وقضاة القضاء مستقلون” ، لأن هذا الادعاء تم دحضه مرارًا وتكرارًا بأدلة موثوقة.

كذبة بينوكيو: التصريح الذي ثبت عدم صحته قبل ذلك، أو اتضح أنه كذب بناء على التحقيقات والوثائق الموجودة.

يمكنك معرفة المزيد حول منهجية التحقق من صحة البيانات  لدينا من خلال النقر على هذا الرابط

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد