النفط والدولار والتضخم.. أزمة إيران الاقتصادية إلى أين؟

علي رنجي بور- إيران وير

في 23 سبتمبر/ أيلول الجاري، تـمّ تداول كل دولار أميركي في سوق طهران بحوالي 28 ألف تومان، وتزايد الطلب على الدولار في وقت تناقص فيه المعروض، ولا حديث عن مشروع الدولار مقابل النفط الذي اقترحته الحكومة سابقاً، في وقت يبدو أن كل مخزونها من الدولار قد تآكل.

وقد هبطت صادرات إيران غير النفطية إلى درجة ملفتة متأثرة بالعقوبات وبجائحة كورونا، ولا يُبدي أحد حتى المصدِّرون التابعون للحكومة استعداداً لعرض العملة الأجنبية في السوق، وبات الأمر دراماتيكياً، وكأنك تضع الثلج تحت أشعة الشمس، ما إن يُستبدل الدولار بالتومان حتى يَفقد الأخير قيمته مقابل طلب كبير على شراء العملة الأجنبية.

وبغض النظر عن دوافع الاستثمار، فالطلب على امتلاك العملة الصعبة لاستيراد الاحتياجات الأساسية يتزايد، مثل علف الماشية الذي أدى نقصه إلى تأجيج سوق المواد الغذائية في إيران.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كانت إيران بحاجة لاستيراد علف الماشية والطيور بحكم القيود الطبيعية والجغرافية فلأي سبب تدخل في مغامرات مع القوى العظمى، وتتناطح مع أميركا، وتتحدث بثقة عن وهْمٍ تسمِّيه “الاقتصاد المقاوم؟”.

لقد وصل سعر الدولار اليوم في سوق طهران إلى أربعة أضعاف عن اليوم الذي أَعلنت فيه أميركا انسحابها من الاتفاق النووي، وبدأت سوق العملة الصعبة تتأجج قبل 8 مايو/أيار 2018 (يوم خروج أميركا من الاتفاق النووي) حيث كانت الاحتجاجات الشاملة في ديسمبر/كانون الأول 2017 صاعقة لحكومة “حسن روحاني” التي ظنت أنها سترضي الشعب بلجم التضخم وتثبيت سعر الدولار، وهي تُواجَه باستياء عارم من كل المجتمع.

الأزمة الاجتماعية من ناحية وخطأ حسابات الحكومة في الرضوخ لمطلب خامنئي بطباعة العملة ودفع خسائر المؤسسات المالية والقطاعات الخاصة من ناحية ثانية تسبّبَا في إشعال سوق العملة الأجنبية في شتاء 2017، لكن هذا الاشتعال لا يُقارن بما حصل في مارس/ آذار 2018، حيث كان سوق طهران يتعرض لهزة عنيفة مع كل حركة يُقْدِم عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لدرجة أن سعر الدولار تضاعف في السوق الحرة من أواخر مارس إلى يوم إعلان أميركا الانسحابَ من الاتفاق النووي، وبعد ذلك بدأ بالتصاعد يوماً بعد يوم.

والآن مرّ أكثر من سنتين وأربعة أشهر على انسحاب أميركا، شَهِد فيها الاقتصاد الإيراني أزمة مروّعة لا سابقة لها، حتى أنها تبدو أكثرَ عُمقاً وإضراراً مقارنة مع حرب العراق.

في بداية الأمر، قَلّل كثيرون من تأثير الانسحاب الأميركي، وقالوا إن بلداً تحمّل العقوبات الأممية لأربع سنوات (من 2011 إلى 2015) سيقاوم عقوبات أميركا أحادية الجانب، غير أن ما نال إيرانَ بعد سنتين من العقوبات الأميركية أقسى بأضعاف مضاعفة من عقوبات الأمم المتحدة.

وفي ذِروة العقوبات بين 2013 و2014 لم تهبط صادرات إيران النفطية إلى أقل من مليون برميل يومياً، ولم يقلّ إنتاجها عن 2.7 مليون برميل يومياً.

ويشير أرشيف “أوبك” إلى أن النفط الإيراني سَجّل أقل مقدار له في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، في حين أن الإنتاج هبط منذ أشهر إلى أقل من مليوني برميل يومياً، وانخفضت الصادرات لأقل من 100 ألف برميل يومياً.

ولا شك أن هذا الأمر كارثة لاقتصاد إيران الذي يقوم ربعه على النفط بشكل مباشِر، ويتأثر القسم الأكبر منه بالنفط بشكل غير مباشر.

واستناداً لتقديرات صندوق النقد الدولي، فقد كان نمو السنوات الثلاث الأخيرة في إيران على الترتيب ناقص 4,5% وناقص 6,7% وناقص 6% (توقعات السنة الحالية)، وهكذا تجاوز النمو ناقص 18% ما يعني أن حجم الاقتصاد تضاءل إلى الـخُمس بعد عودة العقوبات.

وزادت خسارة المداخيل النفطية من عجز ميزانية الحكومة التي لا تملك المال لتأمين مصاريفها.

وقد يتساءل البعض: وما أهمية ذلك؟ الأهمية في أن القسم الأكبر من ميزانيتها يذهب لرواتب الموظفين والمتقاعدين ودفع فواتير الماء والكهرباء، فإذا لم يتم تأمين هذه الأموال فنحن أمام كارثة بشرية.

وحين لا يكون للحكومة دخل نفطي فلن يكون لديها دخل من الضرائب أيضاً، فمن أين ستأتي بالمال لدفع الرواتب؟ قد يدعو البعض إلى طباعة العملة لكن التضخم سيتزايد، والجدير بالإشارة أن عجز الميزانية كان من الأسباب الرئيسية للتضخم في الظروف العادية، فما بالك بهذه الظروف التي خرجت فيها الأمور عن السيطرة أو تكاد!

بالطبع تسعى الحكومة لتعويض عجز الميزانية من خلال بيع ممتلكاتها واستثماراتها، لكن أوضاع الأسواق المالية والاستثمارية غير مستقرة إلى درجة لا ضمان فيها لنجاح هذا الحل.

آخر تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني قبل أيام يُشير إلى تسارع معدل التضخم مرة ثانية، وقد فاق متوسط معدل التضخم الشهري في الأشهر الستة الأولى من السنة الحالية متوسط معدل التضخم الشهري في ربع القرن الأخير.

وسجل معدل التضخم الشهري في أغسطس/آب الماضي 6,3%، ومعدل التضخم الشهري في الأشهر الستة الأولى من السنة الحالية 4,3%.

وفي 2018 كان معدل التضخم الشهري 3,3%، وكان في 2012 أقل من 3%.

وهذا يدل على أن موجة التضخم المرتفعة في الأشهر الستة الماضية، خاصة في الصيف، ستكون أكثر ارتفاعاً وتدميراً من جميع موجات السنوات الأخيرة، وستُصيب بنية الاقتصاد والمجتمع بأضرار لا تُعوَّض.

حالياً تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن مستوى الأسعار زاد بشكل وسطي أكثر من الضعفين منذ انسحاب أميركا من الاتفاق النووي؛ فارتفع سعر الدولار أربعة أضعاف، وتضاءل حجم الاقتصاد إلى الـخُمس، وقلّت القدرة الاقتصادية لكل إيراني إلى الربع.

وتسود فوضى غير مسبوقة في جميع قطاعات الاقتصاد، وليس هناك أية آفاق عن المستقبل، وكل شيء مختل، وحتى إذا قُورِنت هذه الأوضاع بمثيلاتها في الأربعين سنة من عمر الجمهورية الإسلامية وبالأيام الأولى بعد الثورة وبالحرب مع العراق فإنها ستبدو فريدة من نوعها.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد