ما هو حجم “إمبرطورية” خامنئي من اقتصاد إيران؟

إحسان مهرابي – إيران وير

khamenei.com سلسلة من التقارير تتطرق لأداء “علي خامنئي” كمرشد أعلى لإيران على امتداد 31 سنة، وهي تتعرض لشخصيته كواحدة من الشخصيات القيادية العالمية المليئة بالأسرار، واليوم ننشر واحداً من هذه التقارير سعياً لحلّ بعض الألغاز،إذ لم يُعرف عن حياته الخاصة إلا القليل، وباستثناء ابنه “مجتبى” الذي يُطرح اسمه في السنوات الأخيرة، قلّما نرى في الإعلام صورة أو قولاً لفرد من عائلته.

ولا يخص هذا الغموض حياته الشخصية والعائلية فحسب، ففي العام 2017 وبعد 28 سنة من تبوُّئِه أعلى سلطة في إيران، نُشِرت مقاطع مصوَّرة كَشفت النقاب عن أحد الأسرار، وبيّنت أن اختياره كمرشد كان مؤقتاً، إلى جانب انعدام الشفافية في المنشآت الاقتصادية الـمُدارة تحت إشرافه، والتي تُشكّل أكثر القطاعات غموضاً في إيران، حيث لم يعلن عن أدائها أو أرباحها أوخسائرها، فضلاً عن أن “خامنئي” لم يَتّخذ منهجاً واضحاً في السياسة، وكلما سنحت له الفرصة تنصّل من تحمل المسؤولية.

حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم على اطلاع بمكونات البنية الاقتصادية الخاضعة لخامنئي فإنهم يجهلون التفاصيل المتعلقة بأرقامها وأحجامها، لكن ما هو مصدر هذه الإمبراطورية؟

الجواب في كلمة واحدة: المصادرة، مصادرة أموال وممتلكات “الطواغيت” والمقصود بهم أسرة “بهلوي” والمرتبطون ببلاطه والأثرياء الذين فضّلوا بعد ثورة 1979 ألا يُغامروا بالبقاء، فتركوا أموالهم وممتلكاتهم، ولاذوا بالفِرار خارج إيران.

في عهد “روح الله الخميني” مؤسس الجمهورية الإسلامية، كانت هذه المصادرات تُدار ضمن مؤسسات مختلفة، وتُصرف عائداتها لحل مشاكل “المضطهدين والمقهورين” بحسب زعم المسؤولين.

لكن قبل وفاة الخميني في 1989، أُمر بتشكيل لبنةِ “لجنة تنفيذ أمر الإمام” التي تجاوزت نشاطاتها حدودَ مصادرة ثروات النظام السابق والسيطرة على أملاك لا وريث لها وأموال الأقليات الدينية، وشكلت أكبر قطاعات الاقتصاد الإيراني.

ولم تقتصر البنية الاقتصادية الخاضعة للمرشد على اللجنة فحسب، بل شملت مجموعات أخرى هي: العتبة الرضوية المقدسة، مؤسسة الشهداء (مؤسسة كوثر الاقتصادية)، مؤسسة البركة، مؤسسة المضطهدين والمقهورين، المؤسسة العلوية، مؤسسة 15 خُرْداد (على ذكرى مظاهرات 5 حزيران/يونيو 1963)، مؤسسة الإسكان، لجنة الإمام الخميني للإغاثة.

وتشرف المجموعة الاقتصادية لخامنئي أيضاً على إدارة العتباتِ الدينية، ومنها عتبة فاطمة المعصومة في قُم، عتبة عبد العظيم حسني في مدينة الري، عتبة أحمد بن موسى المعروفة بــ “شاهجراغ” في شيراز، وكلها مجموعات عملاقة تُشكل إمبراطورية ذات بنية معقدة وغير شفافة، لدرجة عدم توفر أي رقم واضح عن ممتلكاتها وأرباحها، وكلُّ ما هنالك إحصاءاتٌ وتقديرات حَصلت عليها مصادرُ مختلفة بالارتكاز على حسابات تقريبية.

ولا ترى هذه المجموعات حاجةً لكتابة تقارير ورفعها لأي جهة، حيث تستمد صمتها وابتعادها عن الإعلام والرقابة، من توجيهات المرشد.

وفي 2008 مرر مجلس الشورى الإسلامي قانوناً رَفع من خلاله يده عن هذه المجموعات؛ كما صوّت البرلمان على ملحق لا يسمح بالتحقيق أو دراسة الأجهزة الخاضعة للمرشد إلا بإذن شخصي منه.

كما لا يحق لأجهزة مثل هيئة التفتيش العام وإدارة الضرائب والديوان العام للمحاسبة التدخل في شؤون هذه المجموعات.

ولفصلها عن الاقتصاد، سُلِّمت محاسبة القسم الأكبر منها لمؤسسة “محاسبة مفيد راهبر” التي تأسست في 1992 لخدمة المؤسسات التابعة للمرشد بما فيها حوالي 200 شركة.

لقد تحولت البنية الاقتصادية بإشراف خامنئي من نموذج الإدارة التقليدية  في عهد الخميني إلى بنية قائمة على البيروقراطية الإدارية، حتى تجاوز عدد الموظفين في المجموعة 500 موظف بحسب تقرير لوكالة رويترز في 2013.

وفي 2014 تسارع تشكيلها مع تأويل خامنئي للبند 44 من الدستور، وبلاغ السياسات العامة للمادة 44، واستناداً عليهما، أُعِدّت أرضية القطاع الخاص وأُطلِقت يدُه ليستولي على الأنشطة الرئيسية، لكن التأويل الجديد تحوَّل واقعياً إلى ترخيص لعمل منشآت خاضعة للمرشد، ومنها لجنة تنفيذ أمر الإمام.

وفي تقرير رويترز المستنِد لإحصائيات وأرقام بورصة طهران للأوراق المالية وبيانات الخزانة الأميركية، قُدِّرت ممتلكات “لجنة تنفيذ أمر الإمام” في 2013 بحوالي 380 ألف مليار تومان، أو ما يعادل 95 مليار دولار.

وإذا اعتبرنا نشاطات هذه اللجنة ثابتةً في السنوات السبع الماضية ينبغي أن تكون قد زادت مع احتساب التضخم لأكثر من 831 ألف مليار تومان في 2019، لكن هذا الرقم بعيد عن حجم اقتصاد اللَجنة التي زادت نشاطاتها المعلنة والخفية لأن بنيتها التنفيذية مصمَّمة لتنمية هذه النشاطات.

ويُعدّ إطلاق مجموعة “تدبير” للتنمية الاقتصادية و”مؤسسة البركة” جزءاً من استراتيجية تنمية الأنشطة الاقتصادية للجنة التنفيذ وحضورها في الساحات الجديدة.

وقد ساعد دخولها لسوق الأسهم الإيرانية خلال هذه السنوات في جعل مؤسسة البركة أحد المؤثرين فيها، إلى جانب أنها أتاحت لهذه المجموعات الاقتصادية فرصة الحضور في حقول أخرى كصناعة الأدوية، والخدمات المالية، والمصرفية، والمواصلات، والاتصالات.

وفي 2013 عندما أرادت الخزانة الأميركية معاقبة الشركات الخاضعة للمرشد أعلنت أنها شملت 37 شركة تابعة للجنة تنفيذ أمر الإمام.

وقد ذكر تقرير رويترز ارتباط  تلك الشركات بلجنة التنفيذ وتصرفها بأكثر من 50% من أسهمها، وأشار إلى وجود 24 شركة فيها أسهمٌ للجنة بأقل من 50%، ومع ذلك تملك صلاحية إدراتها واتخاذ قراراتها.

وقدر التقرير قيمة المجموعة بأكثر من نصف مليار دولار في ذلك الوقت.

وحتى إنْ لم تحدث أي تنمية في هذه الشركات فإن قيمتها البالغة تريليوني تومان في 2013 زادت في 2019 لأكثر من 5 تريليون تومان مع احتساب التضخم.

وأشار التقرير إلى 14 شركة استَثمرت فيها لجنةُ التنفيذ بشكل مباشر وغير مباشر، لكن لأنها غير عمومية فلم يتمّ العثور على معلومات بشأنها.

 وتحيل “مجموعة تدبير للتنمية الاقتصادية” مهام تنظيم هذه الاستثمارات للَجنة التنفيذ، وهي ذراعها في مجال الطاقة من خلال أسهمها ومشاركتها في عدة شركات منها بارس للبترول، برشيا لتنمية صناعة البترول والغاز، قائد بصير للنتاجات البتروكيميائية، بارسيان تدبير للتصفية، وشركات أخرى في مجال النفط والغاز والبتروكيمياويات.

 وتختص شركة “مبين إيران للنشر الإلكتروني” بإدارة فرع المواصلات والاتصالات من أنشطة اللجنة، وكانت في 2009 قد اشترت 51% من أسهم شركة الاتصالات الإيرانية بقيمة 7 تريليون و800 مليار تومان.

وإضافة لشركة الاتصالات الإيرانية فإن كلاً من “تاليا لنشر الاتصالات”، و”آسمان مديا”، و”رايمون مديا”، و”مبين وان كيش”، و”رهكام لاتصالات الإيرانيين”، و”مبين خاور للتقانة”، هي غيض من فيض للشركات الخاضعة للجنة تنفيذ أمر الإمام في حقل الصناعة التقنية للمواصلات والاتصالات.

وتقوم شركة “نوأنديشان للزراعة والصناعة” في “تدبير” بتنظيم المجالات الأخرى من أنشطة اللجنة، حيث تغطي هذه الشركة القابضة شركات منها: “زرين للزراعة الدائمة” في زرندية، و”زرين لتربية المواشي الدائمة” في “تدبير”، و”تدبير الزراعة” في طوس، و”شركة السكر” في بلدية دزفول.

وقد دخلت اللجنة أيضا مجال الصناعة والتعدين، وتتولى شركة “تنمية الصناعة والتعدين” في “تدبير” القابضة مسؤولية تنظيم هذا النشاط. ومن الشركات المدرجة تحتها “مجمّع منتجات الفوسفات” في كارُون و”شركة المستقبليِّين لصناعة وتعدين الغد”.

ومن المجالات التي اهتمت بها لجنة التنفيذ في السنوات الأخيرة، مجال الاستثمار والخدمات المالية حيث تقوم شركة “تدبير للاستثمار” بهذه المهمّة، وقد أدرجت ضمن المجموعة شركاتِ “استثمار برديس”، و”ليزينغ إيران والشرق”، و”ممثلية مدبّري الغد”.

وفي تقرير لوزارة الخزانة الأميركية قبل عشر سنوات قالت إن شركة الري للاستثمار انضمت لمجموعة شركات اللجنة، وفي فترة قصيرة بلغت قيمتها 40 مليار دولار.

وأخيرا هناك شركة مجموعة البركة الدوائية القابضة التابعة للجنة، وتعمل في الأنشطة الدوائية، وتضم تحت جناحيها أكثر من 20 شركة، منها: “آتي فارمد للصيادلة”، “سبحان للدواء”، “ألبرز للدواء”، “الصيدلة لإنتاج الدواء”، “ألبرز للتوزيع” وغيرها.

واستنادا لتقرير رويترز في 2011، كان لقطاع الأنشطة الدوائية والصحية للجنة ميزانيةٌ تعادل مليار دولار.

وإضافة لما سبق هناك مجموعة “تدبير لمستشاري الإدارة والدراسات الاستراتيجية”، ومجموعة “تدبير لتنمية الأبنية”، وهما شركتان قابضتان من شركات اللجنة تقومان بتنظيم أنشطة اللجنة وقطاعات أخرى.

وقبل 12 عاماً قَدّر المدير التنفيذي لمؤسسة أموال وممتلكات العائدة لـ ” لجنة تنفيذ أمر الإمام ”  قيمة عقاراتها بــ 52 مليار دولار، وفي تقرير لمجلة “دراسات شرقية” الدولية في 1989، بلغ عدد العقارات 2786 في 1982. ولسنوات طويلة اختصت الصحافة الإيرانية بإعلانات بيع هذه العقارات .

إن “لجنة تنفيذ أمر الإمام” هي أهمّ مجموعة اقتصادية خاضعة للمرشد الأعلى، ولا تَكمن أهميتها في القيمة المالية للممتلكات، بل في المَهمّة المستقبلية لهذه الإمبراطورية؛ أما من حيث الممتلكات واتساع الأنشطة فلا تقل العتبة الرضوية المقدسة عنها، لكنّ لها آليةً مستقلة إلى حدٍّ ما.

العتبة الرضوية تقليدية، تملك أوقافاً وأملاكاً كثيرة ومداخيلها تأتي من النذور والزيارات الدينية، وتعيش الازدهار في جميع الظروف. وصحيح أن تحت يدها شركة الزراعة والصناعة وصناعات أخرى إلا أن سمتها الاقتصادية أيضا هي اللاشفافية والغموض في أدائها الضريبي.

يقال إن العتبة الرضوية تُدير وتملك 89 شركة ومؤسسة، وقد أُعيد ترميم بنيتها الاقتصادية منذ 2004، ومع إطلاق المؤسسة الرضوية الاقتصادية عُهِدت إليها مهامُّ التنمية والاستثمار، كما أنها تشبه “لجنةَ تنفيذ أمر الإمام” في ثمانية مجالات اقتصادية محددة.

لكنْ القسم الأكبر من ثروات العتبة يتضمن أموالها غير المنقولة من أملاك وعقارات وأراض موزعة في إيران تُقدَّر قيمتها بأكثر من 150 مليار دولار.

وتنشط في مجالات العمران والبناء، وصناعة السيارات، والطاقة، وتقانة المعلومات، والصناعات الغذائية والدوائية، والأمور المالية والتجارية، والزراعة، وتربية المواشي.

المؤسسة الاقتصادية الأخرى الخاضعة للمرشد الأعلى هي “مؤسسة المضطهدين والمستضعفين” التي بدأت أعمالها مع ثورة شباط/ فبراير 1979 بمصادرة أموال وممتلكات وعقارات المرتبطين والمقربين من بلاط الشاه وأسرته.

كانت المؤسسة تملك في 1989 أكثر من 800 منشأة اقتصادية، لكن العدد انخفض لأقل من 140 في 2009 بسبب تسليم شركات أو إفلاسها.

وفي 2017 اعترف “محمد سعيدي كيا” رئيس المؤسسة حينها في إحدى المقابلات بغياب إحصائية لممتلكات مؤسسة المضطهدين بسبب التعقيد في تحديد قيمتها والدعاوى والقضايا القانونية.

وتأسيساً على تقرير مالي صادر عن مؤسسة المضطهدين في 2016 تم الإعلان عن ممتلكات بما يزيد عن 56 مليار تومان. وباحتساب التضخم ودون الالتفات لأداء شركات المؤسسة ستكون ممتلكاتها قد بلغت في 2019 أكثر من 103 آلاف مليار تومان.

“برويز فتاح”، رئيس مؤسسة المضطهدين الحالي، أعلن في آب/ أغسطس 2020 أثناء شرحه أداءَ المؤسسة عن العام 2019 أن المداخيل الجارية بلغت 36 ألف مليار تومان، وكان إجمالي الأرباح الجارية قبل احتساب الضرائب هو 7 مليار تومان.

ناهيك عن أن مؤسسة الإسكان ومؤسسة كوثر الاقتصادية ومؤسسة 15 خُرْداد والمؤسسة العلوية هي مجموعات اقتصادية أخرى تدار تحت إشراف مكتب المرشد الأعلى، لكن يتعيّن أن نضيف مؤسسةً عسكرية تُدار إدارةً غير مباشِرة تحت نفس المجموعة؛ فرؤساؤها يُعيَّنون برأي المرشد، وهي مؤسسة كمثيلاتها من مؤسسات خامنئي بدون شفافية أو رقابة أو تفتيش، وهي خارج القيود.

“بهزاد نبوي”، من النشطاء السياسيين الإصلاحيين الذي له خبرة عمل وزارية وقانونية أعلن في إحدى المقابلات أثناء شرحه الحجمَ الاقتصادي للمؤسسات والشركات الخاضعة للمرشد الأعلى أنها تمثل 60% من إجمالي الناتج المحلي في إيران.

“محسن صفائي فراهاني” ناشط سياسي إصلاحي آخر ونائب برلماني،  وكان قائم مقام وزير الاقتصاد في حكومة “خاتمي”، يُقيّم حصة هذه المؤسسات والمجموعات التابعة للخامنئي بــ 65% من إجمالي الناتج المحلي في إيران. لكن الرقم الذي يعلنه “محمد جواد إيرواني” معاون الرقابة والمحاسبة في مكتب خامنئي بشأن حصة هذه المؤسسات في الاقتصاد مختلف تماماً؛ فهو يقدرها بأقل من 0.8% من اقتصاد إيران، وإن كان يعترف مباشرة أنها تؤثر في الاقتصاد من الناحية المؤسساتية

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد