العنصرية الدينية بحق المندائيين في إيران

مريم دهكردي – إيران وير

ينتمي المندائيون في إيران للأقليات الدينية التي قلّما يَعرفها الآخرون، ووفقا لقوانين الجمهورية الإيرانية لا يُعترَف بهم رسمياً ولا يُسمَح لهم بتسجيل أسمائهم الحقيقية ولا يُعيَّنون في مؤسسات الدولة إن أفصحوا عن هويتهم ويَضطرون لكتابة خيار “مسلم” لدخول الجامعات.

وقد سئم أتباع هذه الطائفة من الضغوطات والكذب وازدواج الهوية المفروضة عليهم فاختاروا الهجرة.

والمندائيون هم من أتباع “سام” ابن “نوح” ويدينون بأحد أقدم العقائد ويسكن أغلبهم في جنوب غرب إيران تحديداً في خوزستان وعلى ضفاف نهر كارُون.

ويروي هذا التقرير قصة إيرانيةٍ مندائيةٍ مهاجرة لم يُعترَف بها في بلدها، تقول: “كانت أياماً مليئةً بالقلق حين قررنا الرحيل وترْك كل شيء، كان هناك مَن يَزُنُّ في أذني دائماً: ما الذي حدث حتى قررتِ التخلي عن كل شيء؟ كان الجواب ضبابياً بالنسبة لي، ومَرَدُّه لعدة أسباب بدأتْ من سن التاسعة وحتى الثلاثين عندما قررت الهجرة، لكن أهمها أني مللتُ من التخفّي وراء أقنعة لم يكن أيٌّ منها يعكس حقيقتي”.

قبل 12 عاما، كانت المتحدثة أعلاه زميلتي في العمل، امرأة فارعة الطول قوية ومفوّهة اختِيرت عدة مرات كواحدة من أفضل مدرِّسي برامج الكمبيوتر في محافظة خوزستان وكتابة أسئلة أولمبياد الكمبيوتر، وكانت تُقدِّم أحد أفضل مناهج التدريس في المهارات المتقدمة للخرّيجين الجامعيين.

كانت تَعشق مهنتها فلا ترى على وجهها أيَّ أثر للإرهاق بعد ساعات طويلة من ضغط التدريس، لكنها غابت عن الأنظار فجأة ولم تعد تأتي إلى العمل، وانقطعت علاقتها مع جميع الزملاء. بعد سنوات عثرت عليها في مواقع التواصل الاجتماعي؛ لقد هاجرت من إيران وتعيش الآن في إحدى الولايات الأميركية.

“شيرين” هو الاسم المستعار للكثير من المواطنات الخوزستانيات من أتباع الدين المندائي. أقول “مستعار” لأن اسمها الحقيقي ممنوع في بلدها ولم تُنادَ به رسميا، فاضطر أهلها لاختيار اسم من فهرس الأسماء “المسموح بها” في دائرة السجلات المدنية.

تُصرّح شيرين لـ “إيران وير”: “اسمحي لي أن أبدأ بتسمية المندائيين؛ فالاسم هو بداية التمييز العنصري بحقهم وبحق كثير من الأقليات الدينية، معظمنا له اسمان واحد مسجل في البطاقة الشخصية ويُكرَه أهلنا على اختياره، وآخر يُطلَق علينا في الكتب الدينية وشجرة العائلة وهو غريب لا يُنادينا به أحد خارج أسوار المنزل سوى الأقارب والمعارف”.

توضح شيرين أن الدين المندائي ورد تحت اسم “الصابئين” في كلٍّ من الآية 17 من سورة الحج والآية 69 من سورة المائدة، ومع هذا لم يَعترف به النظام الإيراني، وإن كان يَنظر إلينا من أهل الكتاب. واضطررت أنا وزوجي لإعلان مذهبنا مذهباً شيعياً للتسجيل في الجامعة، حتى أني أعرف القرآن أفضل من أصدقائي المسلمين، لأني كنت خائفة طيلة سنوات أن أحرم من الدراسة بسبب معتقداتي”.

ليس لأتباع الدين المندائي أو “الصابئين” نائب برلماني في “مجلس الشورى الإسلامي”، والسبب عدم الاعتراف بهذا الدين في الدستور، وما أكثرَ ما تُهضَمُ حقوقُهم في إيران.

وفي العام 2002، اعترفت بهم أميركا كأقلية تتعرض للتمييز العنصري، فقرّر كثيرون منهم الهجرة إليها.

تقول شيرين: “زوجي طبيب لكن لم يُسمَح له بفتح عيادة في إيران، وأنا أحمل الإجازة في المعلوماتية لكنني كنتُ طيلة سنوات متعاقدة للعمل بالساعات ولم أكن معيَّنة رسمياً، وكنا نحن وأبناء جيلنا نتستّر على ديننا وإلا استحالت علينا الدراسة”.

المندائيون لا يعيشون الطفولة

تستحضر شيرين ذكريات مريرة عن السنوات التي اضطرت فيها هي وعائلتها لإخفاء معتقداتها وتقول بحزن: “أتذكر حين كنت في الصف الثالث الابتدائي وذهب والدايَ للعزاء في مدينة أخرى، بقيت أفكر كيف سألتقي بجدي عندما يأتي ليأخذني من المدرسة دون أن يرانا أحد بسبب مظهره المندائي ولحيته الطويلة وعمامته وجلبابه، كان شكله يلفت الأنظار”.

في ذلك المساء أصيبت شيرين بالحمى والهذيان من شدة الاضطراب: “بكيت كثيراً وقصصتُ على أمي ما حدث، أخذتني بالأحضان وقالت إن جدك يرتدي الدشداشة التي يرتديها العرب أيضا، لكني على صغر سني كنت أعرف الفرق بين لباس العرب ولباس المندائيين، وفي ما بعدُ أسرّت لي أمي أن هماً آخر أُضيف إلى همومها ذلك اليوم؛ إذ لم تكن تتوقّع أن تَصدر هذه الحساسية من طفلة في التاسعة من عمرها، وقالت أنتم لا تعيشون طفولتكم”.

وتشرح شيرين عن زواجها الذي تم في العام 2005: “يعيش المندائيون في حيٍّ خاص قرب نهر كارون، عائلة زوجي من كبار الطائفة في الأحواز، ترعرع والدي ووالد زوجي معاً وكنا نعرف بعضنا، والزواج بين معتنقي ديننا بسيط، حين ارتبطنا كان زوجي طالباً جامعياً في طهران وأنا بدأتُ العمل المؤقت كمدرِّسة في معاهد الكمبيوتر حتى يُنهي دراسته، وهنا واجهتنا قصة جديدة”.

أحببتُ أن أكون نفسي

كي تَحصل شيرين على بطاقة التدريب الرسمي، أَرسل مدير المعهد اسمها إلى “دائرة المهن والحِرَف”. وتشرح في هذا الموضوع: “لا يمكننا التوظيف رسمياً إلا بشرط التعريف عن أنفسنا كشيعة، وبعد التخرّج لم أرغب في القيام بذلك، كنت أريد أن أكون أنا وكان واضحاً أني سأخسر بعض الامتيازات. كان في امتحان التدريب قسم عملي يتضمن عرض المعلومات وتقديم الدرس، فنالت طريقتي إعجاب المسؤولين في دائرة المهن والحرف كثيراً وطلبوا مني العمل في الدائرة”.

عندما أخبرتْهم شيرين أنها من الأقلية المندائية ألغوا موضوع توظيفها: “مع أني عملت مع هذه الدائرة بالساعات على امتداد أربع سنوات، وكنت أدرّس في مركز للمهارات المتقدمة، كنت مليئة بالحماس ولم يعاملوني بسوء لكن كلُّ شيء كان مؤقتا؛ فلا تأمين صحي ولا امتيازات ولا مكافآت، كان دخْلي حسب ساعات التدريس في حين استفاد زملائي من دورات التعليم لارتقاء نوعية العمل، وتلقوا العيديات والمكافآت السنوية ولم يزعجهم أحد”.

وتضيف أنها استدعيت أكثر من مرّة إلى الرقابة الأمنية في الدائرة أثناء تعاونها مع دائرة المهن والحرف: “كنت أرتدي لباسا عاديا” وبسبب حساسيتي أحاول ألا ألفت الانتباه، لكن الرقابة الأمنية عرفت أني من الأقلية وكانت تستدعيني كل بضعة أشهر بإحدى الذرائع، كانوا يتعاملون معي باحترام ويشجعونني على اعتناق الإسلام، حتى إنهم في إحدى المرات أهدوني مجموعة آثار “مطهري” ونسخة نفيسة من القرآن، فأهديتها لصديقة مسلمة بمناسبة زواجها”.

سأعود إلى إيران حين أستطيع أن أكون نفسي

بعد إنهاء زوج شيرين لدراسة الطب وفترة التدريب أراد أن يختص في قسم الأطفال. تقول: “كان ذلك في 2007، حين كان زوجي يُحضِّر لامتحان الاختصاص، وكنا نتناقش في الموضوع فأخبرته أني متعبة جداً من هذه الظروف وهذه الازدواجية في حياتنا، قلت له تعال نهاجر من إيران قبل تعلّقنا أكثر بالمكان والاضطرار إلى التظاهر أكثر، كان خال زوجي قد هاجر إلى أميركا مع أسرته عن طريق برنامج “الهجرة العشوائية”، فقررنا استشارتهم”.

وهكذا أقدمنا على الخطوة، قال خال زوجي إن باستطاعتنا تقديم الطلب عن طريق اللجوء لأن الأقليات الدينية مثل البهائيين والمندائيين ينتقلون إلى أوروبا وأميركا عن طريق مكاتب الأمم المتحدة في زمن قصير؛ لكن أنا وزوجي قررنا الخروج بطريقة تَسمح لنا بالعودة إلى إيران من أجل عائلاتنا.

بعد ذلك بعام، حصلت شيرين على قبول من “جامعة سان أنطونيو” في تكساس لدراسة الماجستير في المعلوماتية، وبعد أشهر حاز زوجها أيضا على منحة للتخصص في قسم علم الوراثة في جامعة بالولاية نفسها: “في يوم شتويّ من أيام فبراير/ شباط 2009 تركنا وراءنا مسقط رأسنا لفترة غير معلومة، ومنذ ذلك التاريخ عاد زوجي مرة واحدة لإيران لزيارة عائلته والمشاركة في عزاء عمه، أما أنا فلم أرغب بالعودة؛ التقيت بعائلتي أكثر من مرة خارج إيران وأميركا، أما العودة فلن أفكر فيها إلا حين أستطيع أن أكون نفسي تماماً”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد