“خامنئي” يواصل التكتم على أسرار انتخابه مرشداً أعلى

إحسان مهرابي- إيران وير

khamenei.com سلسلة من التقارير تتطرق لأداء “علي خامنئي” كمرشد أعلى لإيران على امتداد 31 سنة، وهي تتعرض لشخصيته كواحدة من الشخصيات القيادية العالمية المليئة بالأسرار، واليوم ننشر واحداً من هذه التقارير سعياً لحلّ بعض الألغاز، إذ لم يُعرف عن حياته الخاصة إلا القليل، وباستثناء ابنه “مجتبى” الذي يُطرح اسمه في السنوات الأخيرة، قلّما نرى في الإعلام صورة أو قولاً لفرد من عائلته.

ولا يخص هذا الغموض حياته الشخصية والعائلية فحسب، ففي عام 2017 وبعد 28 سنة من تبوُّئِه أعلى سلطة في إيران، نُشِرت مقاطع مصوَّرة كَشفت النقاب عن أحد الأسرار، وبيّنت أن اختياره كمرشد كان مؤقتاً، إلى جانب انعدام الشفافية في المنشآت الاقتصادية الـمُدارة تحت إشرافه، والتي تُشكّل أكثر القطاعات غموضاً في إيران، حيث لم يعلن عن أدائها أو أرباحها أوخسائرها، فضلاً عن أن “خامنئي” لم يَتّخذ منهجاً واضحاً في السياسة، وكلما سنحت له الفرصة تنصّل من تحمل المسؤولية.

مرّت أكثر من 30 سنة على تسلم خامنئي مقاليد القيادة، ولا تزال السريةُ تخيم على تفاصيل المفاوضات التي دارت في اجتماعَي “مجلس خبراء القيادة” لانتخابه، وقد منحت هذه السرّية الفرصة حينها لوسائل الإعلام والمراكز المرتبطة بخامنئي لتُقدِّم الروايات المقبولة لديها.

“رواية القيادة” و”وثيقة الانتخاب” كتابان صدرا في هذا الصدد، الأول من تأليف ناشط سياسي محافظ، والثاني دُوِّن في “مركز وثائق الثورة الإسلامية” المُدار بإشراف المرشد الأعلى.

يعتقد “محسن كديور” الباحث الديني أن هذين الكتابين يقدمان الجواب عن الأسئلة المطروحة بعد انتشار مقاطع فيديو لاجتماع مجلس خبراء القيادة نَشرها “شاهد علوي” الصحفي المقيم في واشنطن بعد 28 سنة من تقلد خامنئي منصب المرشد الأعلى.

ويعترف خامنئي في أحدها بعدم امتلاكه شروط القيادة، ويوضح أن في المسألة إشكالاً “فنياً وجوهرياً”، ثم يقول: “في الحقيقة علينا أن نبكي دماً على مجتمع إسلامي بمجرد أن تُطرَح في أوساطه احتماليةُ قيادةِ أمثالي له”.

كذلك يَتجلى في الشريط أن انتخاب خامنئي كمرشد أعلى كان مؤقتاً، وتَقرّر إجراء استفتاء على الدستور أولاً يليه اتخاذ مجلس خبراء القيادة قراراً بهذا الشأن، غير أنّ الشعب لم يُبلَّغ وقتها بأنه انتخابٌ مؤقت.

انتقد أنصار المرشد تلك المقاطع المنشورة، ووصف “مرتضى مقتدائي” أحد أعضاء مجلس الخبراء نشرها بالخيانة، وقال: “لا بد من بقاء هذه الاجتماعات سرّيةً، وإظهارُها إلى العلن يُسيء إلى المصلحة العامة”.

من جهته رأى “محسن كديور” أن انتشار ما طرِح في اجتماعات انتخاب بديل للخميني لا يزال مضرّاً لخامنئي الذي “أمر بمنع انتشارها، ولو كان محدوداً”.

ويبدو أن منع وصول أعضاء مجلس خبراء القيادة إلى تفاصيل مفاوضات الاجتماعَين بلغ حدّاً لم يَتسنَّ فيه لـ “أكبر هاشمي رفسنجاني” نائب رئيس المجلس أيضا الحصولُ عليها على حد زعمه.

وفي كتاب “بصراحة مع هاشمي رفسنجاني” يقول الأخير لمحاوره “قدرت الله رحماني”: “مفاوضات مجلس الخبراء سرية، ولهيئة الرئاسة الحق في نشرها، وحتى الآن نشرنا منها بعض الأجزاء بين الأعضاء ما عدا الاجتماعين المعروفَين (بتاريخ يونيو/حزيران وأغسطس/آب 1989)”.

بدوره صرّح “فصيل الحكومة الإسلامية” في مقابلة مع “إبراهيم أميني” نائب رئيس مجلس الخبراء أن تفاصيل مفاوضات تلك الاجتماعات سرية، ويبدو أنها في حوزة خامنئي وحده.

وتأسيساً على تصريحات “كديور” فشلت مساعي الحصول على تفاصيل هذه المفاوضات، وفي الوقت ذاته يَكشف عن وصوله لوثائق عن هذه الاجتماعات تُفشي سرَّ توجيه خامنئي بمنع انتشارها.

ستُنشر هذه الوثائق والأبحاث في أقسام من كتابه الـمُعَنْون بــ “سحب الثقة من مجلس الخبراء وقيادات الجمهورية الإسلامية (1982-1991): إلقاء الضوء على غرفة مجلس الخبراء المظلمة”.

ومن بين الموضوعات التي قد لا يُسرُّ خامنئي والمقرَّبون منه بطرحها موضوعُ عدم امتلاكه شرطَ المرجعية وغيره من شروط القيادة، فقد انتُخب كمرشد أعلى في وقت “لم يكن فيه فقيهاً ومجتهداً، ولا مرجع تقليد بالفعل أو بالقوة”، ولذلك فمكانته عملياً كانت بحسب عبارته هي “ولايةَ عدول المؤمنين لا ولاية الفقيه”. ومع أن المرجعية كانت شرطاً للقيادة في الدستور وقتها، فقد تم انتخاب رجل ليس مَرجعاً، بالاستناد إلى رسالة للخميني، ثم حُذف هذا الشرط في الدستور اللاحق.

وقد صرح خامنئي بتاريخ 5 تموز/يوليو 1986 قبل انتخابه كمرشد مُحذِّراً من ألا يكونَ مرشدو إيران القادمون مراجعَ تقليد. وهكذا، وإن تم انتخابه مؤقتاً فإن مجلس خبراء القيادة أصدر بيانا أُعلن فيه خامنئي مرشداً دائماً، و”بايعتْه” الشخصيات والمؤسسات الإيرانية.

الموضوع الآخر الذي يُرجَّح أن خامنئي لن يبدي رغبة في إلقاء الضوء عليه هو موضوعُ مَن لم يُصوِّتوا له في البداية، ثم قُدِّمت لهم مطامع معيّنة في ما بعد، وأحد هؤلاء هو “محمد باقر باقري كَني” أخو “محمد رضا مهدوي كني” الذي خرج من الاجتماع كي لا يُشارك في التصويت، وللإشارة فإن ابنه “مصباح الهدى باقري كني” هو صهر لخامنئي.

لقد كان عدد أعضاء مجلس خبراء القيادة في ذلك الوقت 80 عضواً، يُقال إن 74 فقط حضروا الجلسة، وحين عُرِض انتخاب خامنئي مؤقتاً على التصويت في الجلسة الأولى صَوّت له 56 فقط، وأُنجزت عملية التصويت على شكل قيام الأعضاء وجلوسهم، لكن الأصوات لم تُعدّ على نحو دقيق، فأعلن “هاشمي رفسنجاني” أن عدد الموافقين 60 عضواً.

وبعد التعديل في الدستور وإلغاء شرط المرجعية للقيادة، اجتمع مجلس خبراء القيادة مرة أخرى في 6 أغسطس/آب 1989، وحضر 64 عضواً فقط، ولم يُصوِّت لخامنئي 4 منهم، ما يَعني أن الذين عارضوه في الاجتماع الأول لم يَحضروا في الثاني، ولا يزال سبب غيابهم غامضاً.

لقد كانت إحدى أهم دعائم التصويت لخامنئي كلام الخميني عنه، فمؤيدو خامنئي يَنقلون روايات متعددة عن مصادقة الخميني على جدارة خامنئي للقيادة، لكنْ استناداً لكلام كلٍّ من “زهرا مصطفوي” ابنة الخميني، و”عبد الكريم موسوي أردبيلي”، أطلق الخميني هذه الجملة بشأن علماء الدين الثلاثة قادة السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وهم أكبر “هاشمي رفسنجاني”، و”عبد الكريم موسوي أردبيلي”، و”علي خامنئي”.

كما صرّح “محمد هاشمي” أخو “هاشمي رفسنجاني” في وقت سابق من العام أن الخميني كان ينوي بعد عزل “منتظري” أن يطلب من مجلس خبراء القيادة انتخابَ “رفسنجاني” كقائم مقام للمرشد.

وتابع أخوه بالقول: “بعد عزل منتظري كان رفسنجاني في غاية الانزعاج، واقترح عليه الخميني أن يَطرح مجلسُ الخبراء اسمه كقائم مقام، يعني أن يُوجِّه هو بذلك ويصادق المجلس على اقتراحه… وبقي رفسنجاني يبكي لأسبوع تقريباً، وتَرجّى الخميني ألا يُقدِم على هذه الخطوة، والسبب في رأيه أنه لو قَبِل بالمنصب لظنَّ الآخرون أنه هو من قام بعزل منتظري لا الخميني”.

ولم يَنفِ حتى الآن أحد من المحيطين بخامنئي تصريحات محمد هاشمي.

وهكذا، فمن الموضوعات الحساسة في هذا الصدد قضية إلغاء القرار السابق الصادر عن مجلس خبراء القيادة المتعلق بانتخاب “آية الله منتظري” كقائم مقام، واستناداً إلى دستور الجمهورية الإسلامية لم يكن يحق للخميني عزلُ منتظري، الأمر الذي أكّده آية الله “سيد محمد حسيني كاشاني” ممثل محافظة أصفهان في مجلس الخبراء أيضاً، وأعلن أن “منتظري” هو المرشد قانونياً، لأن مجلس الخبراء لم يُطبِّق في شأنه البند 111 من الدستور.

وفي هذا السياق، يقول “أحمد منتظري” ابنُ آية الله منتظري” “إن “هاشمي رفسنجاني” احتج على مداخلة “حسيني كاشاني” وأهانه، ولم يَسمح له بالاستمرار في التحدث”.

وقد وردَت بعض هذه الوقائع في كتاب “رواية القيادة”، لكن على نحو مغاير. ويحسب الكتاب، يطالب ” كاشاني” بوجوب التصويت في البداية على عدم جدارة “منتظري”، فإذا لم يُصوَّتْ على جدارته فلا بد أن يكون هو المرشد الأعلى، ويكون إلى جانبه كلٌّ من آية الله “مشكيني” وآية الله “كلبايغاني”.

والجدير بالذكر أن آية الله “حسيني كاشاني” هو والد زوجة “محمود علوي” وزير الاستخبارات الحالي، وبعد عزل منتظري رفض مجلس صيانة الدستور جدارته كعضو في مجلس خبراء القيادة، وأُزيح عن المشهد السياسي في البلاد، ولم ينشر مذكراته حتى الآن.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد