“إم تي إن” السورية بين صراع الحلفاء وعقوبات “قيصر”

ولات مارديني – إيران وير

في آب/أغسطس الماضي أعلنت “إم تي إن” إحدى أكبر شركات الاتصالات العاملة في إفريقيا أنها ستنسحب من مشاريعها في منطقة الشرق الأوسط بدءاً ببيع حصتها البالغة 75% في “إم.تي.إن سوريا”، وستلغي توزيع الأرباح الذي كان قيد الدراسة بعد الخسائر التي تكبدتها بسبب جائحة كورونا.

وتدير “إم تي إن” التي أسست في العام 1994 عمليات في سوريا، والسودان، واليمن، وإيران، وأفغانستان.

وخلال مؤتمر صحفي للإعلان عن نتائج النصف الأول من العام الحالي، قال روب شوتر الرئيس التنفيذي للمجموعة: “إن المناقشات تتقدم لبيع حصة “إم.تي.إن سوريا” لشركة “تيلي إنفست” المملوكة لرجل الأعمال الروسي علي شير عثمانوف، والتي تملك 25% في الشركة نفسها”.

و”تيلي إنفست” هي أحد مشغلين اثنين أطلقا خدمة الاتصالات الخليوية في سوريا منذ 2002. ودمجت نشاطها مع عمليات “إم تي إن” العالمية في البلاد منذ العام 2007، وهو ما ولد آنذاك نزاعاً قانونياً بين “مؤسسة الاتصالات السورية” والشركة المشغلة، بسبب عدم وضوح العقود إزاء قدرة أي من المشغلين على إتمام صفقات اندماجٍ أو بيعٍ خارج الحدود.

ومع قرارها بالخروج من سوريا، يُرجح أن تعود الشركة المشغلة إلى اسمها القديم “إنفستكوم”، بحسب ما ذكرت وكالة “سبوتنيك” الروسية.

هل تضررت واردات الحكومة من قطاع الاتصالات؟

ومنذ عامين، يشهد قطاع الاتصالات الخليوية في سوريا محاولات حكومية لتنظيمه تقوم عليها “الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات” في البلاد، حيث تؤكد “الهيئة” أن “غبناً” لحق بواردات الدولة جراء العقود التي تم تجديدها مع المشغلين الحاليين “إم تي إن” و”سيريتل” في 2018.

إذ أن العقود التي أبرمتها الحكومة السورية عام 2001 مع شركتي الاتصالات بموجب نظام “البناء والتشغيل ونقل الملكية” المعروف بنظام BOT  مع جواز التمديد لثلاث سنوات، يفترض أن تنقل ملكية الشركات للدولة بعد 15 عاماً.

وفي مطلع العام 2015 صادق مجلس الوزراء السوري على إنهاء العقد، إلا أنه منح ترخيصاً للشركتين لتشغيل شبكات الاتصالات العمومية النقالة ولمدة 20 عاماً، على أن تنتهي في 2034.

وبحسب الباحثة الاقتصادية السورية رشا سيروب، فإن “هذا التحول في صيغة العقد ترافق معه انخفاض في حصة الحكومة من الإيرادات، حيث أصبحت تحصل على 20% بدلاً من 60%”.

وأضافت الباحثة في منشور على “فيسبوك” أن حصة الحكومة السورية انخفضت إثر التحول في صيغة العقد، فبحسب التقارير المالية لشركتي “سيرياتيل” و “إم تي إن” التي تبين أن “حصة الحكومة من الإيرادات عن السنوات 2015- 2019 تجاوزت 320 مليار ليرة”، فإن حصة الحكومة خلال نفس المدة ، لو افترضنا بقاء العقد بصيغة BOT مع الموافقة بالتمديد ثلاث سنوات كانت ستتجاوز 660 مليار ليرة سورية”، وهو ما يعني أن “الترخيص الجديد” بدل “تمديد العقد” فوت على الخزينة السورية أكثر من 338 مليار ليرة.

من هي “المافيا” التي تتنافس على “إم تي إن”؟

يرى الباحث الاقتصادي يونس كريم أن قوى “المافيا الاقتصادية” تتصارع للاستحواذ على “إم تي إن” في ضوء استعدادها لبيع حصتها في سوريا، إذ “تحتد المنافسة بين تيار أسماء الأسد الذي يسعى لالتهام الاقتصاد السوري، الذي استحوذ عليه في وقت مبكر رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد لسنوات طويلة خلفاً لوالده محمد مخلوف رجل حافظ الأسد وشقيق زوجته”.

ويرى كريم، في حديث لموقع “إيران وير” أن مخلوف وأسماء الأسد عقدا تسوية حول قطاع الاتصالات، تتضمن بقاء شركة “سيريتل” لرامي  فيما يتنازل عن حصته في “أم تي إن سوريا” لشركة “إيماتيل” التي تتبع لأسماء الأسد بطريقة غير مباشرة.

ويضيف كريم أن “فشل” أسماء الأسد في تقليص نفوذ مخلوف أو تنازله عن “سيريتل” اضطرها لعقد تسوية معه حول شركتي الاتصالات في سوريا، وبالتالي إقالة مجلس إدارة “إم تي إن سوريا” التي يقودها بشير المنجد وبسام التاجي المعينان من طرف مخلوف ثم تعيين نسرين إبراهيم.

ويشير كريم إلى أن الخلاف بين أسماء ورامي أثار تكهنات وأنباء حول إمكانية إشراك مشغل ثالث لصالح إيران، لكن الأمر توقف نتيجة العقوبات الاقتصادية الأميركية، وهو ما دفع إيران للسعي إلى امتلاك حصص في “إم تي إن” التي قد تؤول في النهاية إلى أسماء الأسد عبر شركة “إيماتيل”.

وقد أصبحت “إم تي إن” الآن أمام احتمالين: الانتقال لصالح أسماء الأسد عبر شركة “إيماتيل”، أو لصالح شركة “تيلي إنفست” التي يمتلك الإيرانيون حصة فيها، وفقاً للمحلل الاقتصادي.

وهو ما قاد واشنطن إلى فرض عقوبات جديدة على رجل الأعمال السوري يسار إبراهيم شقيق نسرين إبراهيم نائبة رئيس “إم تي إن” ورئيسة مجلس إدارة “تيلي إنفست”.

وسعت الإدارة الأمريكية إلى قطع الطريق أمام يسار إبراهيم و”تيلي إنفيست” في التحول باتجاه إيران، من خلال بيع أسهم في الشركة للإيرانيين، وهو ما شكل إنذاراً مباشراً بأن “إم تي إن” ستكون هدفاً للعقوبات الأمريكية في حال استحوذت عليها إيران.

ويقول يونس كريم: “إن أي تحول تجاري أو تغير في بنية الشركات لصالح إيران سيكون هدفاً لقانون قيصر، وسيدمر هذه الأنشطة من خلال العقوبات”.

من جانب آخر يرى الكاتب الصحفي مالك الحافظ أن هناك مساع لسيطرة التيار الاقتصادي لأسماء الأسد على “إم تي إن” عبر شراكات مع رجال أعمال روس.

وأضاف في حديث لموقع “إيران وير” أن التضييق الذي مارسه تيار أسماء على شركتي “سيريتل” و “إم تي إن”، دفع الوكلاء الأصليين لبيع الشركة، وهذا ما كانت تريده زوجة بشار الأسد.

ويقول الحافظ إن هناك معلومات بشأن شراء “تيلي إنفست” المملوكة لرجل الأعمال الروسي علي شير عثمانوف حصصاً مملوكة لرجال أعمال موالين لمخلوف في الشركة الثانية “إنفستكوم” (إحدى الشركات المكونة لـ “إم تي إن سوريا”)، والتي ستكون نطاقاً تجارياً ينشط فيه رجال أعمال روس وسوريون ينتمون إلى التيار الاقتصادي لأسماء الأسد.

وقد تقدمت “تيلي إنفست” بطلب استبدال ممثلها في “إم تي إن” ليتم تعيين نسرين إبراهيم المقربة من أسماء الأسد، وشقيقة يسار إبراهيم مستشار بشار الأسد في القصر الجمهوري.

ويعتقد الحافظ بوجود ترابط وثيق بين أزمة مخلوف وبيع “إم تي إن”، فمخلوف لديه نسبة جيدة في الشركة، وحملات التضييق التي استهدفته هي لضرب نفوذه الاقتصادي في سوريا والسيطرة على سوق الاتصالات وغيرها من القطاعات التي يحتكرها، ويرى أن أسماء الأسد تريد أن توحي للغرب بحصول تغيير كامل لمظاهر الاقتصاد السوري الذي كان يسيطر عليه مخلوف.

ومع ذلك يستبعد الحافظ حدوث تأثير على الاقتصاد السوري سواء بالسلب أو الإيجاب نتيجة بيع “إم تي إن”، مشيراً إلى أن العملية كانت مخططة مسبقاً من قبل تيار أسماء الأسد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد