رسائل هاتفية عن نزع الحجاب، هل هي تجارة جديدة أم إلهاء للرأي العام في إيران؟

ماهر غلام حسين بور- إيران وير

في الأيام القليلة الماضية أفاد كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي في إيران بتلقيهم رسائلَ على هواتفهم من الشرطة تشير إلى خلع الحجاب في السيارات.

ويقول الكثير منهم إنهم لم يقودوا سياراتهم في التاريخ المذكور في الرسالة، أو لم يكونوا في الشارع المذكور، أو إن السيارات تَعود لأشخاص لا تَشملهم رسالة نزع الحجاب مثل رجل الدين الذي كتب على تويتر: “لم أكن أعلم أن نزع العمامة يُعتبر نزعاً للحجاب!”.

فما هي قصة الرسائل القصيرة التي تصل إلى المواطنين الإيرانيين؟

طيلة الأسبوع الماضي، استمرت شرطة الأمن الأخلاقي (ناجا) في طهران في إرسال رسائل قصيرة عن نزع الحجاب في السيارات إلى مواطنين لم يخرجوا من بيوتهم، ولم يَستعملوا سياراتهم بسبب تفشي فيروس كورونا، ووصلت نفس الرسائل إلى نساء يرتدين العباءة/الشادور ورجال دين وحتى مواطنين لم يكونوا في طهران أصلاً في التاريخ المشار إليه، وقد أثار هذا الأمر ردود فعل كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعتقد البعض أن هذه الرسائل تهدف إلى إلهاء الرأي العام عن قصة إعدام “نافيد أفكاري” التي حصلت قبل أيام.

ومن الرسائل المشهورة التي تم تداولها مؤخراً تلك التي تَعود إلى “مرتضى روحاني” المدير المسؤول عن موقع ودار نشر “ترجمان”؛ فقد كتب على تويتر بتاريخ 13 سبتمبر: “لم أكن أعرف أن نزع العمامة يعتبر نزعاً للحجاب! أنا لم أكن أصلا في التاريخ المذكور في الشارع المشار إليه في الرسالة”.

ويُفيد أحد متلقي هذه الرسائل أن حشداً كبيراً من الناس ممن تم استدعاؤهم تحت مسمَّى “خلع الحجاب” تَجمعوا على الرصيف المفضي لبناية الأمن الأخلاقي في “شارع الوزرا”، وأوقفوا أعمالهم ليهدروا الوقت في تشكيل ملف وتسجيل لوحة السيارة والهاتف والعنوان وكتابة تعهُّد أخلاقي بعدم تكرار الأمر ودفع مبلغ باهظ لمرآب شرطة الأمن، وأُبلغوا أن سياراتِهم ستُحجَز في المرة القادمة لمدة شهر، وسيُشكَّل لمُلاكها ملفٌّ في المحكمة وسيكون عليهم متابعته.

في هذا السياق، تقول “برستو نايبي” لـ “إيران وير”: إن شرطة الأمن الأخلاقي ضبطوها وسجّلوا اسمها في “موقع المخالفات”، وأوقفوا سيارتها لمدة أسبوع، وجعلوها توقّع على تعهد وافقت فيه على قضية إذا ما تكررت مخالفتها فستُحرَم من الخدمات العامة.

وتدفع “برستو” عن كل ليلة تبقى فيها سيارتها في مرآب الشرطة ما يعادل 100 دولار أمريكي مع احتساب ضرائب البلدية وبراءة الذمة من المخالفة.

أما “سعيدة قرباني (56 سنة وربة منزل) فتقول لـ “إيران وير” إنها لم تقد السيارة طوال حياتها، بل اشترتها لابنها منذ سنوات ليكسب رزقه منها ، وهي خارجة عن الخدمة منذ سنتين؛ وعندما تذهب إلى المخبز مثلاً ترتدي العباءة العربية، لكنها تلقت رسالة تحذير من نزع الحجاب مع أنها لم تخرج منذ أشهر. 

والغريب أن هذه الرسالة أُرسلت إلى “نافيد” الطالب الجامعي أيضاً والذي قال: “من المرجَّح أن الأمر اختلط عليهم بسبب شعري الطويل فظنوني امرأة”.

ومع هذا، كتب موقع “انتخاب” الإخباري نقلاً عن “حسين رحيمي” مدير شرطة طهران إن نسبة الخطأ في إرسال هذه الرسائل لا تتجاوز 2%.

ويُشير الموقع إلى شجاعة مدير الشرطة في تقبّله احتمالية حدوث الخطأ في تطبيق هذا المشروع، ثم ينقل عنه: “حين يراجعنا شعبنا العزيز بشأن الرسائل المتلقّاة يكون معيارنا هو تصريحاتهم، ولا نصرّ على ارتكابهم مخالفة خلع الحجاب في السيارة كما يروَّج له، وفي معظم الحالات نقرر استناداً إلى ما يُدْلون به في مراكز الشرطة”.

وفي هذا الإطار، طلبت قوى الأمن الداخلي من الشعب في حال رؤيتهم “الحجاب السيء” (مصطلح خاص بطريقة ارتداء الحجاب على غير أصوله من وجهة نظر النظام الإيراني) عليهم تسجيل رقم السيارة وإخبار الشرطة من خلال الاتصال على رقم مخصص لهذا الشأن. وعلى تويتر تساءل أحد المواطنين ويدعى “أمير محمد مرجان” ساخراً من هذا المطلب: “إذا رأينا امرأة غاصت حتى رأسها في حاوية القمامة لتُطعم أولادها، فما هو الرقم المخصص لنتصل عليه فيهتم المسؤولون بالقضية؟”.

ولا يبدو أن هناك آليةً محددة لإرسال هذه الرسائل المهدِّدة، فمن خلال النظر إلى مواقع على الإنترنت لمحامِين يُقدِّمون الاستشارة لمن ابتُلوا بهذه الرسائل، نرى أعداداً هائلة من نساء تَلقَّين بعد أقل من 24 ساعة من التوقيع على التعهد الحضوري ودفع غرامة المرآب رسالةً جديدة تُفيد بعدم الالتزام بالتعهد وأمر باحتجاز سياراتهن لمدة شهر.

يقول المحامي “شروين سلطان زاده”: “ليست المسألة غياب آلية بعينها في هذه القضية، بل عدم وجود مسوِّغ قانوني في الأصل”، ويضيف: “يمكن النظر إلى أكثر من زاوية، وأوّلُها طريقة ضبط النساء، فالسيارة تُضبط من قِبَل ضباط مَخفيين في دوريات الإرشاد والأمن الاجتماعي أو من كاميرات مبثوثة في الشوارع، فتسجل رقم لوحة السيارة والذي بواسطته يتم التعرف على مالكتها، ثم ترسل لها الرسالة. والسؤال هو: ما هي نسبة ارتكاب الخطأ في ظل ازدحام الشوارع وسرعة السيارة على الطرق الرئيسية؟، وإلى أي درجة استطاع الضابط الـمَخفي تسجيل رقم اللوحة بدقة دون أن يخطئ؟ وهل رقم الهاتف المسجَّل باسم صاحبة السيارة تَستعملها هي أو أحد أفراد أسرتها؟ كل هذا يمكن عرضه للنقاش والتشكيك فيه؛ ثم حين نسمع بإعادة إرسال الرسالة بعد يوم لمَن تعهدت بالالتزام، فهذا يعني أن تعهُّدها الأول لم يُسجَّل أصلاً في أرشيف الشرطة”.

ويوضح “شروين” الجانب القانوني للقصة: “إن قيام قوى الأمن التي يقتصر دورها على الضبط العام في السلطة القضائية، ولا يتعدى تقديم مرتكبي المخالفات للجهاز القضائي بتغريم الأشخاص أو حجز سياراتهم هو أمر يُخالف مضمون الدستور، ودون تدخل البرلمان ليس بمقدور قوى الأمن اتخاذ القرارات المتعلقة بحقوق المواطَنة، أما أن تَقوم هي وحدها بإرسال الرسالة، وتدخل على الخط مباشرة، وتحجز السيارة أو تغرمها فهذا كله خارجَ صلاحيات قوى الأمن”.

مع كل ما سبق، يُسوَّغ عملُ قوى الأمن هذا بالمادة 638 من قانون العقوبات الإسلامية، ووفقاً لهذه المادة الدستورية “كلُّ من يتظاهر على رؤوس الأشهاد والأماكن العامة بارتكاب العمل الحرام علناً يُحكَم عليه، فضلاً عن عقاب مرتكب العمل الحرام بالسجن بين 10 أيام إلى شهرين أو 74 جلدة، وفي حال أقدم على ارتكاب عمل لا عقوبة عليه لكنه خدش الحياء العام يُكتفى بالحكم عليه بالسجن بين 10 أيام إلى شهرين أو 74 جلدة”.

واستناداً إلى ملحق المادة نفسها “يحكم على المرأة التي تَظهر بلا حجاب شرعي في المعابر وأمام الأنظار العامة بالسجن بين 10 أيام وشهرين أو بدفع ما بين 50 ألف و500 ألف ريال”.

ويُفصل “شروين سلطان زاده” حيث يقول: “إن الدستور لا يحتوي على تعريف محدد للحجاب الشرعي، ومن هذا المنطلق ما هو تعريف واضع القانون في هذه المادة الدستورية للحجاب الشرعي الذي يُعدّ أمراً نسبياً؟، حيث لا يُوضَّح بصورة صريحة تعريفُ الحجاب السيئ ولا يُعتبر جرماً”.

ويُشدد على أن مثل هذه التدابير والشكاوى تحتاج لإجراءات قانونية وإلى التحقيق والمحكمة والتحقق من الذنب وإثباته وإلى الركيزة القانونية.

ولا يبدو أن شرطة الأمن الأخلاقي تراعي الإجراءات التي يُشير إليها “سلطان زاده”، حيث تكلف أشخاصاً بالوقوف في الأماكن المفتوحة أو أمام مداخل البنايات لتسجيل أرقام السيارات، ثم التحقيق في أمر المراجعة خلال دقائق.

إلا أن إحدى مستخدمات مواقع التواصل الاجتماعي وتُدعى “آنيسا” كتبت في ما يتعلق بهذا التحقيق: “ذهبتُ إلى شارع الوزرا، وكان هناك حوالي 300 شخص وحوالي 12 ضابطاً جالسين وسط الباحة، رأيتهم يُسجّلون أسماء مالكي السيارات وأرقام لوحاتها وأرقام الهواتف ثم يَقولون: اذهبوا الآن هناك ازدحام، سنُعلِمكم في ما بعد”.

لقد مرّت “برستو” هي الأخرى بتجربة مراجعة إدارة الشرطة، وشعرت بالإهانة وغياب الأمان، تقول والألم يعتصر قلبها: “لا تتجرئين حتى على الخروج إلى الأماكن العامة، حيث من الممكن أن تتعرضي للتأنيب والتأديب!”.

وتضيف: “حتى لو تعود الناس على السلوك المهين لأجهزة الأمن فالمؤذي هو قضاء يوم كامل في الأحياء والشوارع أمام عيون رجال الأمن، تخيلي أن عليكِ أن تُمضي وقتك في أماكن كهذه وأن تشرحي لهم، ثم تعودي إلى البيت تالِفة الأعصاب منكسرةَ الروح. وإذا تلقّيت رسالة كهذه حتى لو كان هناك خطأ فإنّ اسمك سيُسجَّل لدى الشرطة، وبالنتيجة أينما تَركنين سيارتك فسيأتون ويحجزونها، ثم عليكِ أن تتابعي روتين القضية المزعج وتدفعي غرامة المرآب، والأنكى إذا كانت هذه  المرة الثانية فستبقى السيارة محجوزة لديهم لمدة شهر كامل، وهذا يعني أن حياتك كلها ستتعطل في مدينة مثل طهران!”

وتعتقد “برستو” أن القائمين على الأمر ليسوا قلقين بشأن الحجاب، بل يُفكِّرون في طريقة جديدة لكسب المال بعد أنْ فرغت خزائنهم، وهذا “نوع جديد من التجارة لتغطية مصاريف الشرطة” حسب تعبيرها.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد