ما السبب وراء حذف صور فتيات من غلاف كتاب مدرسي في إيران؟

بويان خوشحال-إيران وير

بدأ الأمر عندما قارن مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بين غلاف كتاب الرياضيات للصف الثالث الابتدائي والذي طبع في العام الدراسي الماضي وبين الغلاف الحالي؛ فقد حُذفت صورة فتاتين منه وكأنها لم تكن موجودة من الأساس.

يظهر البحث في موقع “قاعدة الكتب الدراسية” أن غلاف الكتاب كان يُنشر طيلة سبع سنوات بتصميم لثلاث فتيان وفتاتين وشجرة بها بعض أشكال الرياضيات، بينما لم تتغير صفحة المؤلفين والناشرين في طبعتي كتاب الرياضيات للصف الثالث الابتدائي للعام الدراسي الماضي والحالي، ولا يظهر ما سبب التغيير ولأي هدف سواءً في هذا الكتاب أو كتب أخرى.

ولم يكن حذف صور الفتيات هو التغيير الوحيد، فقد كشف مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة لحية لصورة رب أسرة في درسٍ بعنوان “شعر المدرسة” في كتاب الفارسي للصف الأول الابتدائي بعد أن كان لديه “شارب” فقط في صورة كتاب العام الماضي.

وخلال السنوات الأخيرة، اكتشف أولياء الأمور والطلاب تغييرات أخرى نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل حذف غلاف “القرآن” من صورة منزل بإحدى الدروس مما أثار ردود فعل عديدة.

لقد وصلت غرابة هذه التغييرات إلى حد قيام بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بتشبيه المسؤولين عن نظام التعليم بـ”دوريات الإرشاد”، وقارن البعض الحكومة الإيرانية بحركة “طالبان” في أفغانستان.

وفي هذا الصدد، أصدرت وزارة التربية والتعليم بياناً لتبرير الأمر و”تفسير الغموض” بشأن الانتقادات، إلا أن البيان كان بمثابة سكب البنزين على النار.

فقد جاء فيه أن سبب حذف صور الفتيات هو ازدحام الغلاف وتعدد المفاهيم الموجودة عليه، ولذلك “اقترح المعنيون بالمنظور الفني والجمالي والنفسي للكتب جعل الصورة أقل ازدحاماً”.

وأوضحت دائرة البحوث والدراسات التربوية في بيانها رداً على التساؤل بشأن حذف الصورة، “أنه كان من منطلق حمل الفتاتين لبعض الأشكال الهندسية، وتم استنتاج بعض الانطباعات مثل تعليمات بحذف صور الفتيات؛ إلا أنه ومع تصفح الكتاب وكتب الرياضيات الأخرى، سنجد صوراً لفتيات وطالبات، ومن ثم فلا صحة لوجود تعليمات بحذف صور الفتيات”.

وبعد هذا التصريح، تدخل “محسن حاجي ميرزائي” وزير التربية والتعليم وكتب  في العاشر من سبتمبر على تويتر: “تجري التغييرات على الكتب الدراسية كل عام وفق تقييم المؤلفين، وقد كلفتُ رئيس دائرة البحوث والدراسات التربوية برصد وتعديل التغييرات التي طرأت على شكل ومحتوى الكتب الدراسية بحساسية تامة، نحن نهتم بمخاوف الشعب وفتيات الوطن يستحققن الاحترام”.

نظام تعليمي شيعي التوجه

على نحو ما سبق، بات يُتداول اسم “علي ذو علم” مساعد قسم التحقيق في “مكتب حفظ آثار ومؤلفات الخميني” والرئيس السابق لدائرة البحوث والدراسات التربوية في إيران، حيث يعتقد النقاد أنه لعب دوراً رئيسياً في التغييرات التي طرأت على الكتب الدراسية خلال السنوات الأخيرة.

ورغم عدم تولي “ذو علم” هذا المنصب إلا في مايو المنصرم، يرى بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أنه إلى جانب مؤسسة أخرى بخلاف التربية والتعليم، هما المسؤولان عن هذه التغييرات.

وفي هذا الصدد، يصرح خبير علم الاجتماع التربوي “سعيد بيوندي” في رد على سؤال “الصحافة ليست جريمة” بشأن ما إذا جرت هذه التغييرات في الكتب الدراسية من قبل وزارة التربية والتعليم أم أن مؤسسة أخرى شاركت فيها، قائلًا: ” حتى الآن لا نعرف ما إذا كانت هناك أي منظمة أخرى بخلاف دائرة البحوث والدراسات التربوية قد لعبت دوراً في هذا الأمر، لكن علينا أن نعرف أن هذه المنظمة كانت ولا تزال متأثرة بالقوى الدينية المتطرفة منذ السنوات الأولى للثورة، وبالطبع تتأثر وزارة التربية والتعليم بأكملها لا سيما فيما يتعلق بقطاعات وضع السياسات بهذه القوى الدينية المتشددة؛ ولطالما كانت لهم اليد العليا في المؤسسات التعليمية، فلم يكن بإمكان رؤساء الحكومة تعيين وزراء التربية والتعليم مباشرة، وكان يتم انتخابهم دائماً وفق رأي السيد علي خامنئي”.

ويشير “بيوندي” إلى أن النظام التعليمي الإيراني هو نظام ديني وشيعي التوجه، قائلًا: “في سياق مشروع الهندسة الثقافية العامة الذي يتبعه خامنئي بكل إصرار، فإن المدارس والجامعات ووسائل الإعلام مثل الإذاعة والتلفزيون تحتل المكانة الرئيسية، وإذا عدنا إلى التغييرات العديدة التي طرأت على الكتب على مدار الأربعين عاماً الماضية، سنرى أنها جاءت من جهات عليا حيث كانوا مهتمين بتقريب المناهج الدراسية من السياسات الدينية للحكومة والنظام؛ ومن ثم علينا ألا ننسى أن النظام التعليمي الإسلامي في إيران قد خصص أغلب برامجه في المناهج الأسبوعية لموضوعات دينية إسلامية مقارنةً بالأنظمة التعليمية في العالم، كما تشبَّع محتوى العديد من الكتب مثل اللغة الفارسية والدراسات الاجتماعية والتاريخ واللغة العربية بالمفاهيم الدينية”.

ويؤكد “بيوندي” على أن وزارة التربية والتعليم لم تكن مؤسسة مستقلة مطلقاً: “من غير المعروف من المسؤول عن هذه التغييرات، وما إذا كانت تتم من قبل الحكومة أم هيئة الدعاية الإسلامية أم مجلس الثورة الثقافية أم ربما من قبل خامنئي مباشرة، لكن الواضح هو أن وزارة التربية والتعليم لم تكن مستقلة، حتى أنه لم يكن بإمكان الإصلاحيين السيطرة عليها على مر العصور؛ ونتذكر جميعاً كيف أعرب خامنئي عن معارضته لوثيقة اليونسكو 2030 التي ترسم أفق التعليم المستقبلي والتي وافقت عليها دول العالم؛ وتشير لضرورة التعليم دون عنصرية، والمساواة بين الرجل والمرأة، وأهمية تعليم ثقافة السلام والصداقة، والتأكيد على العدالة التعليمية، والتعليم لخدمة التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، لكنه عارض هذا التوجه بشدة، لأن فلسفة نظام التعليم الإيراني تعتمد على الهوية الإسلامية الشيعية والعنصرية وإنكار الهويات الأخرى”.

عنصرية أم فصل بين الجنسين؟

بالتزامن مع نشر صور التغييرات التي طرأت على شكل ومحتوى الكتب المدرسية في إيران، يعتقد البعض أن الأمر لا يتعلق فقط بالعنصرية ضد المرأة، بل يتعلق أيضاً بالفصل بين الجنسين في النظام الإيراني.

وقد نشرت نائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة “معصومة ابتكار” على تويتر صورة من غلاف كتابين: أحدهما فيه فتيان فقط والآخر فيه فتيات فقط، وكتبت: “رغم أنه ينبغي وضع غلافي كتابي الرياضيات والعلوم للعام الدراسي الجديد إلى جانب بعضهما لفهم الأمر على نحو صحيح، إلا أن وزير التربية والتعليم المحترم يضع على جدول أعماله فحص وتعديل الكتب الدراسية من زوايا مختلفة بما في ذلك العدالة بين الجنسين، وعلى كل حال فإن حساسية الناس في محلها، ولا يمكن تجاهل الفتيات”.

وإلى جانب طرح قضية العنصرية ضد المرأة، أثار هذا الادعاء طرح قضية الفصل بين الجنسين والذي تسعى إيران وراء تحقيقه حتى في كتب المدرسة.

يوضح “سعيد بيوندي” هذا الأمر في حواره مع “الصحافة ليست جريمة”، ويقول: “إن أحد الأضرار في نظام التعليم الإيراني يتمثل في الفصل والتمييز بين الجنسين الواضح في الكتب الدراسية سواء في النصوص أو الصور أو الحياة التربوية لجيل الشباب والتي تبتعد كلياً عن واقعهم وعن روح العصر، وهذه الازدواجية تمثل إحدى التوترات القائمة داخل المجتمع؛ إذا لم يتعلم الأطفال العيش مع الجنس الآخر في سن مبكرة، فإنهم إنهم لن يستطيعوا تعلمه في أي وقت آخر لأن الفصل بين الجنسين يخترق كل أجواء المجتمع، ومن ثم لا يمكن القضاء جذرياً على هذه المشكلة في المجتمع الإيراني في ظل النظام المتشدد؛ وقد طلب خامنئي تدخل الحكومة حتى في رياض الأطفال ودور الحضانة ما يعني فرض الفصل بين الجنسين والتشدد حيثما يتعلم الأطفال دون الخامسة”.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، تم إدراج العديد من الأسماء والمؤلفات الإيرانية البارزة ضمن قائمة تصفية للنظام التعليمي.

ومنذ عام 2016، تم حذف أشعار “رهي معيري” و”هوشنج ابتهاج” و”إخوان ثالث” و”نيما يوشيج” و”الخيام” و”محمد رضا شفيعي كدكني” و”إيرج ميرزا” من الكتب الدراسية، وكذلك تم حذف قصص “غلام حسين ساعدي” و”بزرج علوي” وكتاب “سياحت نامه” لـ”إبراهيم بيك”، وقصة “موسي وشبان” لمولانا، وأجزاء من مذكرات “محمد علي إسلامي ندوشن” وبعض الجمل من قصة “قاضي بست” لـ”أبو الفضل بيهقي”.

كما شطبت السلطات التربوية أسماءً مثل “صادق هدايت” و”محمود دولت آبادي” و”ايرج ميرزا” و”مرتضى مشفق كاظمي” و”أحمد شاملو” و”فروغ فرخزاد”.

وبالتزامن من تصاعد الانتقادات حول هذا الأمر، صرح “حسين قاسم بور مقدم” مدير قسم الآداب الفارسية بمكتب تأليف الكتب الدراسية في وزارة التربية والتعليم الإيرانية : “لقد تم حذف بعض النصوص الأدبية الجميلة لأنها لا تتماشى مع نظام الحكومة”. ويبدو أن حذف صور الفتيات من غلاف كتاب الرياضيات للصف الثالث الابتدائي، قد جرى في نفس السياق.

يرى “سعيد بيوندي” أن زيادة وعي المجتمع هو السبيل لمواجهة هذه الثقافة، ويقول: “لقد شهدنا مقاومة واسعة لا سيما من قبل الشباب على مدار أربعين عاماً، ورغم اختفاء صور الفتيات من الكتب الدراسية أو تخصيص مساحات صغيرة لهن، فإننا نرى أمراً آخر في المدارس كشكل حجاب الفتيات والذي يمثل مقاومة مختلفة من المجتمع أمام الحكومة التي ترغب في فرض ثقافة محددة على الأطفال وبالقوة؛ وإن التقدم المذهل الذي حققته المرأة وإنجازاتها العلمية رغم القيود والعنصرية، هي علامات رئيسية على هذه المقاومة”.

ويضيف الخبير في علم الاجتماع التربوي: “لقد وضعت الحكومة نظاماً تعليمياً يخدم أهدافها السياسية والأيديولوجية، ومن الصعب التعامل مع هذا النظام الذي لا مكان فيه للقوى المدنية ونقابات المعلمين والباحثين والأكاديميين، لأن الحكومة ترغب في انتهاج هندسة ثقافية عبر الكتب والبرامج بشكل متعمد وبأوامر من جهات عليا، ومن ثم لا يوجد مجال لأحد على عكس الدول الديموقراطية. في الواقع، يتعين على المجتمع المشاركة في هذه الحرب الثقافية العلنية، حيث يمكنه طرح هذه القضايا على نطاق واسع في وسائل الإعلام ليخلق وعياً جديداً بشأن التغييرات التي طرأت على الكتب والتعليم في إيران. وقد يدفع هذا المطلب العام، النظام التربوي لإعادة النظر في بعض سياساته، أو قد نشهد تغييراً في الحكومة، ويتحول هذا الوعي العام إلى أمر يجعل من النظام التعليمي المستقبلي نظاماً أقل عنصرية وأكثر مساواة في كافة المجالات وليس فقط بين الجنسين”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد