انخفاض النمو السكاني في إيران بين قلق المرشد الأعلى وعدم اكتراث الشعب

فينوس أميدفار- مراسل إيران واير

للعام الرابع على التوالي، يسجل النمو السكاني رقماً سلبياً في إيران، ويصل معدل المواليد لأدنى مستوياته.

في 20 مايو 2014، أعلن المرشد الأعلى “علي خامنئي” عن السياسات العامة للسكان وكان منها التشجيع على الإنجاب، لكن يبدو أن الشعب لم يستمع لنصيحته.

“ربما لو كنت في مكان آخر غير إيران لكنت سأتزوج وأنجب، أنا أتمنى أن أكون أماً شأني شأن الكثير من الفتيات، ولكن ظروف البلاد السيئة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، جعلتنا لا نأمل كثيراً في مستقبلنا، فما بالك بشأن الأطفال الذين من المفترض علينا إنجابهم”.

كانت هذه كلمات “زهرا” التي تبلغ من العمر 40 عاما، والتي تتعامل مع عدد كبير من الشباب والشابات بحكم عملها كعضو هيئة تدريس بإحدى الجامعات الإيرانية. تقول زهرا: “حينما يرى أغلب هؤلاء الشباب تدهور أوضاع بلادهم الاقتصادية يوماً بعد يوم وتفاقم صعوبة الحياة كل عام عن الذي يسبقه، فهم يزهدون في الزواج والإنجاب، وإذا تزوج أحدهم، فهو يؤجل أمر الإنجاب بقدر الإمكان حتى يتجاوز الأزمات المالية لسنوات الزواج الأولى كما يقولون، وتقل أعباء الأقساط البنكية ضمن الأموال التي اقترضوها لبدء حياتهم”.

تقول زهرا: “هذا جانب واحد يمثل من ينوون البقاء في البلاد، أما الجانب الآخر فيمثله عدد كبير من الطلاب والخريجين الذين لا يأملون في مستقبل مهني في البلاد، ويفكرون في الهجرة بأي شكل ممكن عبر اللجوء وقبول جميع أشكال المخاطرة، ولهذا السبب نشهد كل يوم تراجعاً في رغبة الشباب بالإنجاب والزواج أيضاً”.

ووفقاً للإحصائيات التي أعلنها البرلماني “أمير حسين بانكي بور” عن دائرة أصفهان، فرغم ثبوت عدد المؤهلين للزواج خلال السنوات الستة الماضية، تراجع معدل الزواج بنسبة 40% مقارنةً بما قبل عام 2014.

إن إلقاء نظرة عابرة على الإحصاءات السكانية، يوضح أن المتوسط العمري في منتصف الثمانينات كان يبلغ 22 عاماً، وقد وصل هذا الرقم إلى 28 عاماً في 2006، وإلى 30 عاماً في 2011.

حتى المؤمنون بـ “تدابير الله” لديهم مخاوف

في العام الماضي، دشنت مجموعة من الطالبات يُقال إنهن من “البسيج” وبعض المنظمات الدينية في جامعة شريف للتكنولوجيا، حملة “أمهات الشريف”، معلنات أن هدفهن هو إنجاب 10 أبناء لكل واحدة، وتشجيع الأخريات على تحقيق هذا الهدف. وبالطبع، حظيت الحملة بانتقادات واسعة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت مادة لسخرية الكثيرين.

“نصير” شاب يبلغ من العمر 35 عاماً، ينتمي لأسرة مكونة من 6 أفراد، يعيش مع والديه وثلاثة من الأشقاء في إحدى المناطق بمدينة مشهد. يبيع نصير الفاكهة مثل أبيه في أحد الميادين، ويقول: ” مثل الكثير من الشباب، أنا أرغب في الزواج والإنجاب، ولكن كيف؟ كيف لي أن أستأجر منزلاً وأنفق على أطفالي وأنا دخلي مليونين و500 ألف تومان فقط؟”.

يروي نصير قصة أحد أصدقائه حينما رزقه الله طفلاً ويقول: “لقد أنفق صديقي نحو 10 ملايين تومان منذ ذهاب زوجته إلى المستشفى للولادة وحتى عودتها إلى المنزل، وقد ادخر هذا المبلغ قبل أشهر طويلة لأنه عامل مثلي، والآن هو قلق من الأشهر والسنوات المقبلة، يخشى أن يأتي يوم ترتفع فيه قيمة إيجار منزله ويزداد التضخم وتُضاف نفقات الأطفال إلى نفقاته الأخرى”.

ويضيف نصير: “رغم أن صديقه متدين، ويؤمن بأن الله يدبر الأمور، إلا أن ظروف المجتمع تحول دون التخفيف من مخاوفه، تلك الظروف التي تجعله لا يفكر إلا في غد مجهول لطفله، ومن ثم بات لا يفكر في إنجاب طفل آخر”.

سياسات الحكومة الفاشلة بشأن التشجيع على الإنجاب

قبل فترةٍ، دعا النائب الأول للرئيس الإيراني “إسحق جهانغيري”، هيئة التخطيط والموازنة إلى الاهتمام الجاد بالسياسات العامة للسكان والتي أعلنها المرشد الأعلى في الخطة التنموية السابعة.

وقد عددت الحكومة التدابير الصحية والطبية في هذا الصدد، ومنها الجهود المبذولة لخفض عدد الوفيات، والرعاية قبل الولادة وبعدها، والتثقيف والاستشارات قبل الزواج وبعده، وإنشاء عيادات لعلاج العقم والتأمين على أدوية وعلاج العقم.

 إلا أن هذه الأمور تمثل 20% فقط من العوامل المؤثرة على الإنجاب، بينما ترجع نسبة 80% الأخرى إلى أمور ثقافية واقتصادية واجتماعية، وفق تصريحات مسؤولي الصحة في إيران.

وتعتقد “شقائق” الخبيرة في علم الاجتماع أن “الخوف من الإنجاب والخوف من تأمين لقمة العيش وكل ما تحتاجه تربية الأبناء، هو ما أجبر الأسر على التوجه نحو إنجاب طفل واحد أو عدم الإنجاب من الأساس، إلى جانب انعدام التحفيز على إنجاب الأطفال في إيران، ومن ثم فليس هناك دوافع لا للزواج ولا للإنجاب”.

وتضيف أن الحوافز يمكن أن تتمثل في خفض الضرائب أو الإعفاء منها، والتأمين الأسري، وتقديم الإعانات للأطفال وما إلى ذلك مما تكفل به أغلب الدول التي تواجه انخفاضاً في معدل المواليد، وهو على خلاف إيران التي يتحدث مسؤولوها أحيانا عن رفع الدعم عن حديثي الولادة وهو أمر هام لأغلب الأسر من محدودي الدخل”.

المسؤولون الإيرانيون و”نظرية المؤامرة”

في سياسات الجمهورية الإيرانية، يمثل السكان أحد عناصر القوة، لكن فيما يتعلق بانخفاض عدد المواليد، فإن الأمر الذي يثير مخاوف بعض مسؤولي النظام أكثر من شيخوخة المجتمع، هو تراجع عدد المواليد بين الأسر الشيعية مقارنة بالأسر من أهل السنة.

وقد ذهب بعض المسؤولين والخبراء الدينيين من الشيعة إلى أن هذا الأمر، هو مؤامرة تحيكها دول أخرى مثل السعودية، وأعلنوا ذلك من منابرهم وفي وسائل الإعلام التابعة لهم، وادعوا أن السعودية تُشجع بعض الأسر من أهل السنة على زيادة عدد أفرادها مقابل أسر الشيعة.

وينكر “كجال” وهو سني المذهب من إحدى المدن الكردية في غرب إيران، هذا الأمر ويؤكد أن لديه طفلا واحداً فقط: “لا علاقة لهذا الأمر بالدين، ولم يوصنا أحد بإنجاب خمس أو ست أبناء، لكن حينما تجبَر فتاة في الثالثة عشر من عمرها من أسرة فقيرة في سيستان وبلوشستان على الزواج، وقضاء باقي عمرها في نفس القرية، ويتم حرمانها من تجربة التواصل مع من هم من نفس مذهبها في أنحاء البلاد، فكيف يمكن أن نتوقع منها التخطيط لأسرتها وتحديد نسلها والتفكير في مستقبلهم؟ إنها في الغالب أمور مرتبطة بمشيئة الله ومن ثم فإنها تستسلم للقضاء والقدر”.

أيًا ما كانت وجهة نظر المسؤولين بشأن أسباب انخفاض عدد المواليد وتراجع الرغبة في الإنجاب، فإن طبقات المجتمع المختلفة باتت تفكر في مخاوفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قبل اتخاذ أي قرار بالإنجاب.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد