الاعترافات القسرية العلنية: النهج المفضوح المذموم للنظام الإيراني

انتهج النظام الإيراني طريقة يَصفها مراقبون باللاإنسانية في استنطاق المتهمين تحت التعذيب والضغط عليهم للاعتراف بجرائم لم يقترفوها؛ فخيرهم بين الإعدام وبين الظهور على التلفزيون الرسمي مُردِّدين ما لقّنهم جهاز الاستخبارات، ليعترفوا بالتخريب والقتل والسطو على الأملاك العامة واغتيال العلماء والتجسس لجهات معادية وغيرها من التُهَم الباطلة.

ولم يقتصر هذا التعامل الـمُدان على الاستخبارات فقط، بل وجد صحفيون مرتبطون بالنظام سُبلاً للتحقيق مع المتهمين حتى أضحى مصطلح “المحقِّق / الصحفي” سائداً بين الإيرانيين في الداخل والخارج.

آيدا يونسي شقيقة المعتقل علي يونسي عبر تويتر

وفي هذا الشأن كتبت آيدا يونسي على تويتر أن رجال الأمن أخبروا أخاها “علي يونسي” طالب هندسة المعلومات والحائز على ميدالية ذهبية في (بطولة الأولمبياد الدولي لعلم الفلك) والمعتقل منذ أشهر، أنه إذا ظهر على التلفزيون وأَقرّ بالتهم الموجَّهة إليه فسيُخفَّف حكمه من الإعدام إلى السجن المؤبد.

ونشرت يونسي فيديو لــ مازيار إبراهيمي، أحد ضحايا الاعترافات القسرية، يَذكر فيه أنه لو اعترف بتهم اغتيال العلماء النوويين لغيروا حكمه من الإعدام إلى السجن المؤبد.

وتضيف آيدا: “بعد مرور خمسة أشهر على تعذيب أخي ووضعه في السجن الانفرادي والتحقيق معه، بدؤوا منذ أسابيع يُهدّدونه ويضغطون عليه للظهور أمام الكاميرا علناً والاعتراف بما لم يرتكبه”.

وفي نفس الإطار، يتساءل أخوه رضا يونسي الأستاذ الجامعي المقيم في السويد، كيف يمكن لطالب في العشرين، يُعَد أحد علماء الفلك الحقيقيين كما يُطلَق عليهم في إيران، أن يرتكب مثل هذه الجرائم من تخريب الأملاك العامة والتواصل مع “حركة مجاهدي خلق”؟

وقد نشرت وزارة الاستخبارات تقريراً اتهمت فيه علي يونسي بالمشاركة في أكثر من 20 انفجاراً أمام وزارة الاتصالات والحوزة العلمية والمصارف وقاعدة الباسيج ووزارة الداخلية وغيرها من مؤسسات حكومية وأملاك عامة.

من ناحيتها، قالت منظمة حقوق الإنسان في إيران ضمن أحد تقاريرها: “بعد مرور 150 يوماً على اعتقال الطالبَين علي يونسي وزميله أمير حسن مرادي، ما زال القرار يُمدَّد بشكل دوري ويتعرضان لضغوطات الاعتراف التلفزيوني العلني، والأسوأ أن حكم إعدامهما موضوع على طاولة المحكمة، وقد تُنفّذه حتى لو ظهرا علناً واعترفا بما لم يرتكباه”.

وعلمت عائلة يونسي أن المحقِّق المسؤول عن قضية ابنهم هو من اختار له ولزميله محامياً أمنياً من المحامين المصادَق عليهم في السلطة القضائية. وصرحت “آيدا يونسي” أن هذا المحامي لم يفعل شيئا للدفاع عن المتهمَين لا بل ساعد في إكمال السيناريو المفبرك لوزارة الاستخبارات.

الشابان علي يونسي وأمير حسين المعتقلان في السجون الإيرانية. مصدر الصورة إيران وير فارسي

لماذا “علي يونسي”؟

يقول طالب ناشط على معرفة بعلي يونسي وأمير حسين: “يبدو أن بعض أفراد العائلات التي كانت تَميل في السابق لحركة مجاهدي خلق يُشكلون حالة مناسبة لوزارة الاستخبارات لتلصق بهم تهمة الانضمام إلى الحركة”.

وقبل سنوات عانى مازيار إبراهيمي أيضاً حين اعتقل في 2012 بتهمة التجسس لحساب إسرائيل واغتيال العلماء النوويين الإيرانيين وتقويض الأمن القومي.

وبلغ تعذيب إبراهيمي إلى درجة أنهم مثلوا إعدامه بوضع حبل المشنقة في عنقه لإجباره على الظهور والاعتراف بالتهم، ففعل ما أرادوه واعترف بمسؤوليته عن اغتيالات طالت علماء الذرة، يقول: “هم من يختارون هذه الصفات للمتهمين، وأذكر أنهم أطلقوا على أحدهم العقل المدبِّر للعمليات…أنا متأكد أن الاستخبارات رتّبت هذا اللقاء التلفزيوني معنا، لأنهم لم يذهبوا بنا خارج سجن إيفين”.

وحتى بعد أن تحققت براءة مازيار ومن معه تُرِكوا في السجن 26 شهراً إضافياً، بحجة أنهم لا يستطيعون الإفراج عنهم في الحال، حفاظاً على سمعة النظام حسب ما قيل لهم.

وحين أُطلق سراح مازيار عام 2016 قدم عدة شكاوى ضد وزارة الاستخبارات وهيئة الإذاعة والتلفزيون وصحيفتي جام جَم وكَيْهان وصحف أخرى اتهمته بالتجسس لإسرائيل، لكنه لم يلق آذاناً صاغية.

حاليا يقيم مازيار في ألمانيا لكن الكوابيس لا تزال تلاحقه بسبب ما عاشه في الزنازين الانفرادية في سجن إيفين، يقول: “كأن تلك الكوابيس صمغ شجرة التصق بقعر ذهني فلا يتركني وشأني.. لم أُعد أثق بأحد مطلقاً”.

في هذا الصدد تُعلِّق شادي صدر المحامية والناشطة في الدفاع عن قضايا الإعدام في إيران ورئيسة منظمة “العدالة من أجل إيران”، على ما جرى لمازيار إبراهيمي وغيره في قضية الاعترافات القسرية: “لم تكن أيٌّ من تلك الاعترافات المعدَّة مسبقاً والمعلن عنها في التلفزيون الإيراني برضى المتهم، ولهذا فلا قيمة لها، وهي تُظهِر أن الأجهزةَ الأمنية أُضحوكة… ومع تكرار النظام لهذا الأسلوب المرفوض أصبح المجتمع يعرف أنه مجرد افتراءات ناجمة عن تعذيب وحشي”.

إن هذا النهج الذي يتبعه النظام الإيراني يمتد إلى عهد قديم وقد طال الكثيرين، ونظراً لأهمية القضية وما يترتب عليه من تداعيات قام مازيار بهاري، الصحفي ومخرج الوثائقيات ومؤسس موقع “إيران وير” وأحد ضحايا الاعتراف، قبل سنوات بإعداد وثائقي عنوانُه “الاعترافات القسرية”.

وفيه يبدأ مازيار بالجمل التالية: “إن تكرار أكاذيب الآخرين واحدة من أكثر التجارب إهانةً في الحياة، لكن إذا لم تُظهِر إلى العلن افتراءاتِـهم التي لَقّنوك إياها فستعيش العذاب دائماً”.

اعتُقل مازيار بهاري في خضمّ أحداث 2009 بعد خروج الشعب إلى الشارع مطالباً بإحقاق الحق والبت في تزوير الانتخابات واسترجاع أصواته المنهوبة لصالح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد على حساب ميرحسين موسوي. ووُجِّهت إلى مازيار تهم من قبيل الترويج ضد النظام والجاسوسية وإدارة الإعلام الأجنبي في إيران.

ولم تأتِ التهم المنسوبة إليه عفوية، بل كان يعمل صحفياً لمجلة أمريكية في إيران، ولذلك لقيت قضية اعتقاله أصداء عالمية حتى إن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية أنذاك طالبت بالإفراج عنه.

وبعد أن نال مازيار نصيبه من التعذيب ظهر للعلن واعترف كما أراد معذِّبوه. وتعليقاً على ذلك يقول: “كان أحد أسوأ أيامي حين اضطررت للاعتراف أمام الملايين، وكرّرت أكاذيب لقّنوني إياها وقدمت اعتذاري للمرشد الأعلى الذي كان يُسمّيه المكلَّف بتعذيبي وليّاً له”.

ويرى مازيار أن النظام يُعِدّ مثل هذا السيناريو مسبقاً، وكلُّ ما يحتاجه هو الحصول على ممثل يؤدي الدور، فوقع الاختيار عليه، وأُلصِقت به التهم لطبيعة عمله كصحفي.

وفي فيلمه الوثائقي يُؤرِّخ مازيار لاتخاذ النظام أسلوب الاعترافَ القسري منهجاً يسير عليه منذ تسلّمه زمام الحكم في إيران، فيقول: “سرعان ما أدرك نظام الجمهورية الإيرانية أن باستطاعته حشْدَ مناصريه وقمع مناوئيه من خلال الاعتراف القسري”.

وبدأ من معارضيه المسلحين في حركة مجاهدي خلق، وعن هؤلاء يقول مازيار: “ما زلت أتذكر الرجال والنساء الذين ظهروا في الاعترافات القسرية في ثمانينيات القرن الماضي”. ومَن ظهر حينها معترِفاً إنما ظهر خوفاً مما نال السجناء الآخرين الذين عُلِّقت مشانقهم أمام عيونهم، ويبدو أن النظام الإيراني كان يريد إيصال رسالة لمازيار وأبناء جيله مضمونُها الاختيار بين المساندة والدعم أو مصيرٌ مثل مصيرِ هؤلاء السجناء.

ثم بعد أن وَطّد النظام أقدامه في التسعينيات التفت إلى الكتّاب والأدباء والمفكرين والصحفيين.

وفي فيلمه الوثائقي يُـجري مازيار مقابلات مع أشخاص وقَعوا فرائسَ هذا الأسلوب المقيت: الكاتب فرج سركوهي، والصحفي الناقد السينمائي سيامك بورزند، والناشط الجامعي علي أفشاري، والفيلسوف المؤمن بالتغيير السلمي رامين جهانبغلو، وقد فعلوا جميعهم ما فعله مازيار وغيره من ضحايا الاعتراف القسري.

وفي نفس الفيلم يقارن إروان أبراهاميان المؤرخ الإيراني الشهير، بين طريقة النظام الإيراني في الاعتراف الاستعراضي وبين محاكم التفتيش الأوروبية في القرون الوسطى، حين كانت الكنيسة تلجأ لنفس الطريقة للقضاء على المعتقدات المختلفة.

ويرى أبراهاميان أن “الفرق الوحيد في إيران هو أن على المذنِب أن يتطهّر من أفعاله ويعود إلى حضن المجتمع، في حين كان التأكيد في القرون الوسطى منصبّاً على الفَلَاح والصلَاح للآخرة”.

ويقارن محللون متابعون للقضية بين أسلوب النظام الإيراني وأسلوب نظام ستالين حيث كان المتهمون يضطرون في محاكم شكلية إلى الاعتراف بتهم لم يقترفوها. وبعد موت ستالين اعترف نظام الاتحاد السوفياتي باستعراضية هذه المحاكم وشكليتها، لكن النظام الإيراني ما يزال مستمراً فيها والسبب عائد إلى “إيديولوجيته المختلفة عن الإيديولوجيات الأخرى” بتعبير أبراهاميان.

ومما كان يقلق مازيار بعد الاعتراف وإطلاق سراحه هو كيفية تعامل أصدقائه وزملائه معه لكن مخاوفه تبدّدت حين لم يجد مَن يلومه قائلين له أن هذه الاعترافات مسرحياتٌ غبيةٌ فقدت تأثيرها أو على طريق أن تفقده، وهو ما أكّدته شادي صدر فيما سلف.

في سياق متصل، يعلم الجميع أن للاستخبارات أساليبَ خاصة في التعامل القاسي مع المتهمين، لكن أن يأخذ الصحفي دور المحقق ويدافع عن النظام في أخذ الاعترافات تحت التعذيب، فقد كان هذا من ابتكارات العاملين في الإعلام الرسمي في إيران، ولذلك ظهر مصطلح تم تداوله بكثرة في أوساط الإيرانيين هو “المحقِّق – الصحفي”.

من هو المحقّق – الصحفي؟

“المحقِّق – الصحفي” مصطلح جديد يُطلَق على الصحفي المتعاون مع الأجهزة الأمنية أو على عنصر الأمن الذي يعمل في هيئة صحفي.

الصحفي المحقق يوسف سلامي. مصدر الصورة إيران وير فارسي

وقد عُرف صحفيون كثر بهذه الصفة، منهم يوسف سلامي، المثير للجدل في التلفزيون الرسمي الإيراني، والذي تطرّق لقضية إعدام نويد أفكاري الذي اعترف بالاتهامات المنسوبة إليه تحت التعذيب.

انتقد يوسف سلامي وسائل الإعلام الإيرانية الناطقة بالفارسية خارج إيران واصفاً نويد بالظالم، وكتب على تويتر: “منذ أيام أطلقوا هاشتاغ” #لا_تُعدموا_نويد” (الذي شارك فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه) لاستبدال مكان الضحية والجلاد”.

ويؤكد سلامي أن نويد سَجّل بخط يده اعترافاً بالقتل أثناء التحقيق وذكر أثناء تمثيل الجريمة تفاصيلَ تدينه، بل ونشر أقوالاً للمتهم نويد يعترف فيها بالقتل.

ويتهم سلامي وسائل الإعلام الإيرانية بحذف صوت والدَي نويد، ناسياً أو متناسياً أن تلك المنابر لا تَملك فروعاً رسمية داخل إيران، وبالتالي فهي عاجزة عن الوصول إلى كثير من المعلومات.

وفي السياق ذاته، يُفيد مازيار بهاري أيضاً أن أحد مُديري قناة برس تي في الإيرانية الموجَّهة للخارج، ويُدعى حميد رضا عمادي كان له دورٌ في أخذ الاعترافات منه.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد