لبنان “بلد الحريات” يتراجع في تصنيف حماية الحريات

فاطمة العثمان – مراسلة إيران وير في لبنان

في لبنان، لم يتوقف مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية عن استدعاء الصحافيين على خلفية ما ينشرونه من مواد تنتقد السياسيين أو تناهض بعض القضايا، وسرى الأمر أيضا على الناشطين وحساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن أجهزة الأمن أوقفت العديدين منهم وعنفتهم بسبب احتجاجاتهم ومطالبهم.  

تراجع تصنيف لبنان بشأن الحريات

تكفل المادة 13 من الفصل الثاني في الدستور اللبناني حرية الرأي والتعبير، وتنص على كفالةِ حريةِ إبداء الرأي قولاً وكتابةً، وحريةِ الطباعة، وحريةِ الاجتماع، وحريةِ تأليف الجمعيات، كما تكفل حرية إبداء الرأي (ضمن دائرة القانون)، والمادة 19 من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الذي صادق عليه لبنان في 1972؛ إلا أن تزايدَ الاستدعاءات بحق الناشطين والصحفيين وتعرض بعضهم للتعنيف، دفع منظمة “مراسلون بلا حدود” إلى وضع لبنان في المرتبة 102 من أصل 180، في تصنيفها السنوي حول حرية الرأي والتعبير الصادر في أبريل / نيسان الماضي.

وقد كان لبنان يحتل   المرتبة 98 لجهة احترام حرية الرأي والتعبير في تقرير المنظمة للعام 2016  لكنه تراجع في 2019، إلى المرتبة 101.

وبحسب تقرير المنظمة، يشهد لبنان تراجعاً بمجال الحريات منذ العام  2015، حيث تمت ملاحقة مذيعي برامج تلفزيونية لمجرد إتاحة الفرصة لضيوفهم لانتقاد السلطات، كما واجهت صحفٌ نفس الموقف فقط لقيامها بالتحقيق في قضايا فساد.

وأشار التقرير إلى أنّ الهجمات على وسائل الإعلام تكثفت بعد انتفاضة 17 أكتوبر / تشرين الأول والمظاهرات التي صاحبتها، حيث استخدمت الأجهزة الأمنية القوة بشكل غير متناسب، وتعرض الصحافيون للعنف، حتى في حال أدلوا بما يثبت ممارسة عملهم. فيما لقي المراسلون الذين يعملون لوسائل إعلام مقربة من السلطة، سوء معاملة من المتظاهرين.

ولم تستثن المنظمة في تقريرها المدونين و الصحافيين الإلكترونيين، الذين استدعوا من قبل مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية عقب شكوى من جهة خاصة، غالباً ما تكون شخصية بارزة لها صلة بالحكومة.  

تحقيقات واعتداءات جسدية على الصحفيين

بيار الحشاش، ناشط مدني لمع اسمه في “ثورة تشرين الأول”، وعرف بانتقاده لوزير خارجية لبنان السابق جبران باسيل، حقق معه مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في البترون بطلب من النيابة العامة الاستئنافية في الشمال، بسبب فيديو انتقد فيه باسيل بعد اعتداء جسدي وتحطيم سيارته من قبل مناصري التيار الوطني الحر وفق تعبيره. ويشير الحشاش إلى أنه حاول الادعاء على المعتدين عند القاضي نبيل وهبي لكنه رفض توقيع الدعوى لورود اسم باسيل فيها.

ويقول المصور السوري فادي سوني، لموقع “إيران وير”، إنه وفي الثامن من أبريل/ نيسان 2017، وخلال توجهه للأمن العام اللبناني للتبليغ عن تعرضه للسلب، احتجز بحجة أنه مطلوب أمنياً: ” سئلت عن عدة إعلاميين من مركز مدينة القصير الإعلامي الذي عملت به في سوريا، وعندما أجبت بأن معظمهم استشهدوا قاطعني الضابط وقال: “قصدك فطسوا”. ويتابع سوني: ” لا أستطيع أن أنسى ركلات الضابط على جسدي، اضطررت تحت التعذيب أن أعترف بأشياء لم أقم بها، كان ذلك الأملَ الوحيدَ للتخلص من ضرب المحققين”.

زيادة قضايا الذم والتحقير

وفق تقرير منظمة هيومن رايتس وتش، فقد حقّق مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في لبنان في أكثر من 3500 قضية تتعلق بالتحقير والقدح والذم بين الفترة الممتدة من ديسمبر/ كانون الثاني 2015 ومايو/ أيار 2019.

ولفت التقرير إلى تزايد مطرد في عدد القضايا، حيث بلغت 341 في 2015، ثم 755 في 2016، و800 في 2017.

ويشير التقرير إلى أنه وفي العام 2018 وحده، حقق المكتب في أكثر من 1450 قضية تحقير، بسبب محاولات السيطرة على خطاب النقد قبيل انتخابات البرلمان في مايو/أيار من نفس العام.

أما في 2019، أحيلت أكثر من 250 قضية تحقير على مكتب جرائم المعلوماتية للتحقيق.

ماذا يقول مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية؟

تواصل فريق “إيران وير” مع مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية للوقوف عند رأيه حول استدعاءات الناشطين والصحافيين، فأوضح أنها تتم بناء على طلب النيابة العامة والقضاء المختص، وليس بطلب خاص من المكتب. وقال أحد الضباط خلال مكالمة هاتفية مع المراسل، إن العنف ممنوع خلال التحقيقات التي لا تتعدى بضعة أسئلة توجه إما إلى الناشط أو إلى الصحفي المستدعى.

ما هي مهمة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية؟

خلال اتصال هاتفي مع “إيران وير”، يقول المحامي نهاد سلمى الموكل عن ناشطين استدعوا إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، إن عمليات استدعاء الناشطين تزايدت مؤخرا وبشكل مخيف وإن عدداً من الصحافيين والناشطين استدعوا بعد تعرضهم لشخصيات سياسية.

 ويقوم المكتب بملاحقة قضايا القدح والذم التي تصدر من مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يحولها إلى قاض منفرد أو إلى المحاكم المختصة بالقدح والذم بحسب المحامي.

ولا ينتهكُ استدعاءُ المكتبِ للصحافيين والناشطين قانونَ حريةِ الرأي والتعبير بحسب المحامي كما أن الاستدعاء لا يتم بناء على طلب المكتب نفسه، وإنما بطلب النيابات العامة التمييزية أو الاستئنافية بدافع ما يعرف بالحق العام.

إن ظاهرة قمع الحريات لم تقتصر على الصحفيين والناشطين، فمع بدء احتجاجات أكتوبر / تشرين الأول الماضي بسبب الضرائب الإضافية على المواطنين، استخدمت قوات الأمن العنف في مواجهة المحتجين أيضا، ما دفع الأمم المتحدة على لسان منسقها الخاص “يان كوبيتش” إلى المطالبة بوقف العنف المفرط ضد المتظاهرين، واعتبرت الأمر غير مقبول على حد تعبير كوبيتش، الذي قال في تغريدة على تويتر: ” ليلة أخرى من الشغب ويوم آخر من المظاهرات، خصوصاً بين الشباب الغاضبين من أن مطالبهم بالمستقبل اللائق يتم تجاهلها ومع تزايد عدد الأشخاص اليائسين غير القادرين على مواجهة الأزمة الاقتصادية” وتساءل: “ألا يكفي ذلك لإيقاظ السياسيين”.

من ناحيتها عبرت الخارجية الأميركية عن امتعاضها من نفس المسألة، وطالبت في بيان لها الجيش والأمن بضمان أمن المتظاهرين السلميين في ذلك الحين.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد