سيناريوهات انفجار مرفأ بيروت… الاعتداء أكثرها ترجيحاً

عماد الشدياق

مثل شعبي لبناني شهير يقول: “كثرة الطباخين تُفسد الطبخة”، هذا هو حال التحقيقات بانفجار مرفأ بيروت الذي وقع منذ أيام، زحمة أجهزة أمنية، وفرق إنقاذ محلية وأجنبية، وتضارب صلاحيات قضائية، وجدل قانوني، فيما لا معلومات جدية تكشّفت حتى اللحظة.

الحكومة اللبنانية قبل استقالتها مطلع هذا الأسبوع كانت قد تعهّدت بتقديم رواية لما جرى في المرفأ “في غضون 5 أيام”، إلاّ أنّ ذلك لم يحصل، في حين تعصف خلافات سياسية بين جماعة السلطة والرئاسات اللبنانية الثلاث، وسط إصرار على رفض التحقيق الدولي الذي ما عاد شأناً ذا أهمية، طالما أنّ جميع الجيوش الغربية وأجهزتها باتت في حَرَم المرفأ تشارك في التحقيقات، وكان آخرها الشرطة الفدرالية الأميركية.

خارطة الأحداث منذ لحظة نشوب “الحريق” المفترض فرضت 3 سيناريوهات على حقيقة الكارثة، وكلما تكشّف معطى جديد توضّحت الصورة، وتقدم أحدها على الآخر.

السيناريو الأول “صافي النية” وضحل، تتبناه الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية، وتخوض التحقيقات على أساسه.

هذا السيناريو يتعلّق بنظرية التقصير الإداري للجمارك ولإدارة المرفأ في ما يتعلّق بالتحفّظ على شحنة 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم ذات التركيز العالي والمخصصة لصناعة المتفجرات، وعدم تلفها، وقد أوقفت حتى الآن 19 شخصاً بموجبه، بينهم مديرو المرفأ والجمارك.

كما ينطلق السيناريو من رواية تحاول بعض وسائل الإعلام اللبنانية المقربة من “حزب الله” وحلفائه الترويج لها عن قصد أو عن غير قصد. هذه الرواية تعجز حتى اللحظة عن إثبات نظرية الحريق الناتج عن أعمال التلحيم، لأن العمال يقولون بحسب تسريبات من التحقيق: “إنهم أنهوا العمل في العنبر رقم 12، وغادروا المرفأ، ثم نشب الحريق بطريقة مجهولة بعد ساعة من مغادرتهم المكان، كما تعجز عن تأكيد أنّ مادة نترات الامونيوم هي وحدها التي انفجرت”.

ثغرة أخرى تعتري هذا السيناريو، وتخصّ مسار الباخرة الروسية “روسوس” التي من المفترض أنها أقبلت من مرفأ باتومي – جورجيا لتقصد موزمبيق، فوصلت إلى بيروت في 21 تشرين الثاني 2013 لسبب مجهول. هذه الحقيقة تطرح علامات استفهام كثيرة، خصوصاً بعد منعها من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية من المغادرة بسبب ما قيل إنه “مشاكل تقنية” تخصّ السلامة العامة، وازداد الأمر غموضاً عندما قيل أيضاً إنها قصدت مرفأ بيروت من أجل تحميل شحنة إضافية (جرافتين) من أجل تأمين رسوم العبور عبر قناة السويس.

هذ المعطيات جعلت شاري الشحنة ودافع ثمنها مجهولاً، وناقلها هارباً، فيما وجهتها ضائعة، وبالتالي فإن ربط هذه الرواية بضياع وتكتم الأجهزة الأمنية والقضائية والسياسية في لبنان عن الشحنة على مدار السنوات الـ7 الماضية يؤكد أنّ ثمة قوة أمر واقع كانت أشدّ وأقوى منهم مجتمعين فرضت بقاء هذه الشحنة في المرفأ لسبب ما، وهذا يضعف كثيراً من تماسك سيناريو الخطأ الإداري أو الإهمال، بل يجعله ثانوياً، ولو كان ذلك صحيحاً لصالح سيناريو آخر يتعلق بفكرة الاعتداء، وهو بدوره منقسم إلى فرضيتين: عسكرية، وأمنية (استخباراتية) .

لكن قبل الخوض في هذا السيناريو وفرضياته لا بدّ من الإشارة إلى أنه متلازم وظيفياً مع فكرة وجود أسلحة لـ”حزب الله” في المرفأ، أو أقله وجود عتاد أو أي شيء مجهول يخصّه، وإلاّ فلا قيمة لكل ما سيُذكر على الإطلاق.

إثبات ضلوع “حزب الله” في السيطرة على المرفأ أو أجزاءٍ منه، وتزامن الانفجار مع الضغوط السياسية والعسكرية التي تتعرّض لها إيران والحزب في سوريا والعراق من الجانب الإسرائيلي والأميركي تُعزز كثيراً من صحة هذه الفرضيات، كما أنّ الحرائق المجهولة التي نشبت مؤخراً في منشأة إيرانية حساسة مماثلة تشبه إلى حدّ كبير ما حصل في بيروت.

في المبدأ، يمكن القول إن سيناريو الاعتداء العسكري بدا مستبعداً بسبب عدم رصد أي عملية قصف جوية أو تبني أية جهة للانفجار، برغم حديث البعض عن سماع صوت طائرات حربية قبل وبعد نشوب الحريق، إلا أنّ هذا الكلام بقي ضمن روايات الناس، ولم يجد أيّ دليل حسّي قادر على تأكيده… لتبقى فرضية استهداف المرفأ بواسطة طربيد بحري هي الاحتمال العسكري الوحيد، لكنّه ضعيف أيضاً في الوقت نفسه.

أما سيناريو الاعتداء الأمني أو الاستخباراتي من خلال افتعال حريق أو زرع قنبلة أو تصويب مسيّرة مفخخة، فاحتمالاته مرتفعة، وتتعزز يوماً بعد يوم. خصوصاً بعد إثبات علاقة “حزب الله” بأكثر من عنبر في المرفأ، ومن ضمنها العنبر رقم 12 الذي انطلق منه الحريق ثم الانفجار.

مصدر مقرّب من رئيس جهاز أمني لبناني سابق كشف لـ”إيران وير” أنّ “الأجهزة الأمنية كلها في لبنان تعرف أنّ العنبر رقم 12 يعود للحزب.” ويقول: “هذه الحقيقة معروفة منذ كنتُ في الخدمة”. تقاطعت هذه المعلومة أيضاً مع ما قاله موظف في مرفأ بيروت فضّل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إذ قال في اتصال هاتفي: “إنّ الحزب يضع يده على العنبرين 12 و5، وممنوع علينا كموظفين الاقتراب من هذين العنبرين، وهناك بوابة ضمنهما معروفة باسم بوابة فاطمة (تيمناً بتلك الموجودة في الجنوب وتفصل الحدود اللبنانية عن إسرائيل)”.

وزير الداخلية اللبناني الأسبق نهاد المشنوق قال في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء الفائت: “إن إسرائيل ضالعة في التفجير”، بانياً اتهامه على “استنتاجات، وقراءات، واتصالات”، كما أنّ مواطنين ساكنين في منطقة الأشرفية المقابلة للمرفأ عرضوا على محطات التلفزة اللبنانية منذ الأيام الأولى التي تلت الانفجار بقايا وأجزاءً حديدية ثقيلة قالوا إنّها لصواريخ منفجرة، فصوّروها على الهواء، ووثقوها، وطلبوا من الأجهزة الأمنية الحضور لاستلامها.

ويبدو أن التكتّم الذي أطبق على الأجهزة اللبنانية لمدة 7 سنوات، وفُك قبل أسبوعين من الانفجار عبر التحذير الذي وجهه جهاز أمن الدولة (المحسوب على رئيس الجمهورية وحزبه) لرئيسَي الجمهورية ومجلس الوزراء من وجود خطر ناتج عن تخزين 2750 طناً من نيترات الأمونيوم جاء نتيجة إيعاز من جهاز أمني غربي، ولم يكن نتيجة تحريات الجهاز داخل المرفأ، خصوصاً أن لهذا الجهاز مكاتب في المرفأ نفسه منذ سنوات.

كما يبدو أنّ السلطات السياسية والقضائية لم تفهم في أغلب الظنّ رسالة التحذير هذه، بل اكتفت بوضع الملف في عهدة القضاء الذي أمر بتلحيم فجوة في حائط العنبر رقم 12، وقيل إن هذا الفعل تسبب باندلاع الحريق بلا أي دليل على ذلك.

حتى رد فعل “حزب الله” على الانفجار لم يرقَ إلى حجم الكارثة، حيث خرج الأمين العام للحزب حسن نصرالله في خطاب بعد الانفجار بيومين نافياً مسؤولية حزبه عمّا حصل، ناكراً حتى عِلمه باسم العنبر. مع العلم أنّ أكثر من مسؤول إسرائيلي، منهم رئيس الوزراء  بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس كانوا قد أشاروا في السابق إلى تخزين حزب الله للأسلحة بين السكان، وحددوا المواقع والمستودعات المفترضة للسلاح، وهذا يعزز من احتمال الاعتداء الإسرائيلي وليس الحريق ثم الانفجار التلقائي.

أن يصمد مستودع يحوي “قنبلة موقوتة” بهذا الحجم لمدة 7 سنوات، ثم ينفجر في أدق وأحرج توقيت سياسي يمر فيه “حزب الله” يؤكد أنّ ثمة لغزاً لم يُحلّ بعد، ولا يبدو أنّ الحزب متحمّس لحله أو الكشف عن تفاصيله، خصوصاً أنه يرفض مع حلفائه فكرة التحقيق الدولي من خلال قرار يصدر من مجلس الأمن، إلاّ أن الواقع على أرض المرفأ في بيروت تخطى هذه العقدة، وبات التحقيق أممياً بفعل الأمر الواقع في ظل زحمة البوارج الحربية والفرق العسكرية في مطار بيروت وفي المرفأ المنكوب، حيث تشارك نحو 4 أجهزة أمنية وربما أكثر في التحقيق إلى جانب الأجهزة اللبنانية، وهذه الأجهزة الأربعة تعود لــ: (الولايات المتحدة، روسيا، تركيا، وفرنسا).

على الأرجح فإن هذه الأجهزة لن تخبرنا عن طبيعة الاعتداء إن كان عسكرياً أو أمنياً، لكنها تنكبّ اليوم على معرفة طبيعة الانفجار والمواد التي انفجرت، وأحدثت هذه الأضرار الكبيرة، فيما لا يبدو أنّ “حزب الله” ما زال بعيداً عن هذه الحقيقة الصعبة، فأمينه العام حسن نصرالله تخلى في خطابه الأخير الجمعة عن مبدأ الإنكار المطلق فاتحاً الباب قليلاً أمام فرضية الاعتداء الإسرائيلي، فيما الرسالة الأقوى سُجّلت صباح السبت من المرفأ وعلى لسان مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيل الذي قال: “لن نسمح بعودة الفوضى على حدود لبنان البرية والبحرية”… وهو طبعاً لم يقصد الفوضى والإهمال الإداريين.

كل يوم يمرّ يشهد على اقتراب ظهور الحقيقة التي لن تبقى في الظل إلى الأبد.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد