سوريا تتصدر قائمة الدول الأكثر تدني بالأجور وموظفوها الأشد فقراً

أصلان إسماعيل – مراسل إيران وير في سوريا

على وقع أغانٍ شعبية تمتزج بضجيج السيارات والمارّة يجلس ماجد في حافلة النقل العام شارد الذهن، يفكر بطريقة يتدبر بها مصاريف شهره الذي قارب على الانتصاف.

ماجد موظف حكومي في مقسم هاتف جرمانا بريف دمشق، راتبه الشهري 60 ألف ليرة سورية، بعد نحو 25 عاماً من الخدمة، وهو رقم لا يكفي لسد احتياجاته الأساسية لعشرة أيام يقول: “لا يمر منتصف الشهر حتى ينفد الراتب، وربما قبل ذلك أحياناً”.

ماجد يعمل أيضا بعد انتهاء دوامه في الوظيفة  بمجال صيانة الإلكترونيات كي يكسب دخلاً إضافياً يمكنه من دفع إيجار بيته، هذا طبعاً بمساعدة زوجته الموظفة في وزارة الكهرباء.

معاناة الموظف الحكومي في سوريا لا تختلف عن غيره من أبناء جلدته، فغالبية الناس يمرون بأزمة معيشية خانقة هذه الأيام، ولكن يشكّل موظفو القطاع العام الحلقة الأضعف بين المحسوبين على “القوى العاملة” في المجتمع, مع تدني أجورهم إلى مستويات قياسية في ظل الأسعار السائدة.

الأجر الأدنى عالمياً

بدأت الليرة السورية مشوارها نحو الانهيار منذ عام 2011، حتى وصلت إلى مستوى غير مسبوق أوائل يونيو/حزيران 2020، أي قبيل تطبيق قانون قيصر الشهير، حينها قارب سعر صرف الليرة السورية الـ3 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد، ثم استقرت تدريجياً حتى وصلت إلى 2400 ليرة مقابل الدولار.

وعلى هذا النحو يبلغ متوسط رواتب القطاع العام اليوم نحو 64000 ليرة، ما يوازي 28 دولار تقريباً حسب سعر صرف السوق السوداء، و 51 دولار حسب سعر الصرف الرسمي، وهكذا يحتل الموظف السوري ذيل القائمة العالمية من حيث دخل الفرد بحسب موقع Numbeo

ولتقريب حجم معاناة الموظفين، يمكن ضرب مثلٍ أوردته صحف محلية موالية يفيد أنّ سعر الكيلوجرام الواحد من “الحلويات الإكسترا” يبلغ 32 ألف ليرة سورية، وعليه يمكن للموظف الحكومي بدرجة وظيفية “دكتوراه”، متوسط دخله 69 ألف ليرة أن ينفق كل معاشه لشراء 2.2 كلغ فقط من الحلويات.

وفي المقابل، بيّنَ تقرير اقتصادي نشرته صحيفة قاسيون المحلية أنّ تكاليف المعيشة من الحاجات الرئيسية في دمشق، خلال الربع الأول من العام الجاري بلغت نحو 430 ألف ليرة شهرياً، لأسرة مكونة من 5 أفراد، علماً أن الأسعار ارتفعت بشكل لافت منذ تاريخ نشر التقرير (بسبب تغيّر سعر صرف الدولار)، ما يعني أن التكاليف الشهرية للأسرة اليوم أكثر بكثير.

وأشار التقرير إلى قدم مسألة تدني الأجور في سوريا إلى ما قبل 2011 من خلال مقارنة بين الأجور السائدة والقدرة  الشرائية لعام 2010، وما يقابلها في الوقت الراهن عام 2020. “في 2010 كان الناس يعيشون عند حد الكفاف، أما اليوم فقط سقطوا في أعماق الفقر”.

حلول فردية

ربما من السذاجة أن يعتمد الموظف الحكومي على وظيفة واحدة، بل أصبح العمل في مكانين أو ثلاثة أمراً شائعاً وملحاً اليوم، بحيث يضطر العامل أن يخرج من عمل ليلتحق بآخر، كسائق أجرة مثلاً، أو في المهن الحرة كالطلاء والصيانة وما شابه.

تقول لينا وهي موظفة في وزارة الكهرباء: “أغلب زملائنا الموظفين يعملون بمهن حرة بعد الدوام. وأغلب زوجاتهم موظفات أيضاً. زيد زميلنا في المكتب يعمل بمجال تمديد وصيانة الكهرباء، وأحياناً يعمل سائق سرفيس بعد الدوام، يعني حسب الفرصة المتاحة. ربا وزوجها موظفان أيضاً، يعمل الزوج في محل لبيع الفروج بعد الظهر. هذا شائع بين موظفي القطاع العام، فالكل يجب أن يعمل بدوامين أو ربما أكثر ليتدبر أموره”.

إنّ منظومة توزيع الأجور في سوريا كانت ولا تزال تدفع أصحاب الراتب المتدني للبحث عن أية سبل لتغطية الحاجات الأساسية، و لم يعد الأمر يقتصر على ممارسة عملين أو أكثر لسد الفجوة، بل تعدى ذلك إلى عمل جميع أفراد الأسرة، الزوج والزوجة والأبناء والبنات، كلّ بحسب استطاعته، لتتجمع الرواتب الشهرية في سلة واحدة، كي تكفي العائلة.

وفي نفس الوقت بات الموظف يبحث عن أجر إضافي ضمن ساعات العمل التي يقضيها في وظيفته، لتصبح الرشوة والفساد منهجاً معمماً في أغلب القطاعات الحكومية، ويعرفها السوريون جيداً.

فمن يحتاج إجراء أي معاملة حكومية لن يستطيع العبور بمعاملته، أو أخذ أي  إمضاء دون دفع الرشوة التي يسميها الموظفون “إكرامية”، وإلا فمصير المعاملة “الركن في الدرج”، وتتراوح “الإكرامية” بين 500 ليرة إلى 2000 ليرة للتوقيع الواحد، وفي هذه الحال يستطيع الموظف المسؤول أن يدّخر مبلغاً يوازي أو ربما يفوق راتبه الشهري ليعتاش عليه مع عائلته.

وأشار تقرير لتصنيف الفساد في القطاع العام لمنظمة الشفافية الدولية، 2019 إلى اسشتراء الفساد في سوريا التي  احتلت المرتبة 178 برصيد 13 نقطة.

ترقيعات حكومية

باتت قضيةُ تكاليف العيش وقدرة المواطنين على الصمود الشغل الشاغل للمجتمع السوريّ، وبخاصّةٍ في ظلِّ انفلات الأسعار المترافق مع دوامة الجدل الدائر حول عدالة أسعار السلع في السوق ومدى ملاءَمتها لدخل المواطن.

وفي خضم هذا الوضع المتدهور وضعف القدرة الشرائية تتفنن حكومة النظام السوري في البحث عن حلول أشبه بإبر مخدّرة موضعية لا تغير شيئاً على المدى البعيد تحاول من خلالها “تخفيف” الأعباء الاقتصادية عن المواطنين كما تدعي .

ومن جملة تلك الحلول ما يسمى بـ “مهرجانات التسوق” التي تقيمها غرف الصناعة بالتعاون مع وزارة الصناعة من حين لآخر، وتعرض تشكيلة سلعية من المنتج إلى المستهلك، بأسعار مخفضة، والتي لا تستمر سوى لأيام معدودة، وكأن إجراءها لمجرد الاستهلاك الإعلامي المحلي ليس إلا.

وشبيه بذلك أيضاً ظاهرة “الأسواق الشعبية”، وهي عبارة عن مشروع “بسطات شبه منظّمة”، أطلقتها الحكومة أوائل مايو/أيار 2020 لبيع المنتجات الزراعية والتموينية بأسعار مخفضة، في محاولة لكسر حلقات الوساطة وإتاحة البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك.

ولكن على أرض الواقع يتّضح أنّ فرق الأسعار بين تلك الأسواق وغيرها ضئيل جداً، ولا يشكل فارقاً لذوي الدخل المحدود الذين يبحثون عن حلول جذرية لتغيير أوضاعهم المتردية، ومن جهة أخرى فالتجربة تحاول التخفيف من معاناة المواطن الزبون على حساب المزارع الذي يشترك أساساً في حلقة المعاناة المفرغة.

يقول إبراهيم صاحب بسطة خضار في سوق شعبي: “الفلاح صاحب كميات الإنتاج الكبيرة والتي تحتاج للتصريف الفوري سيفضل العمل في سوق الهال (سوق الجملة)، فهو لا يستطيع أن يعتمد على بيع كميات قليلة على مدى ساعات طويلة في السوق الشعبي، فهذا يهدر الوقت ويضعف المردود المادي”.

ويتابع القول: “ربما يستفيد من تلك الأسواق بعض المزارعين من ذوي الإنتاج المحدود، وبالتالي فالسؤال هو عن إمكانية استمرار تلك التجربة!”.

أما بالنسبة للسلع التموينية “المدعومة” من قبل الدولة، فيحق لكل مواطن استلام كيلوجرام واحد من الأرز ومثله من السكر شهرياً، عبر البطاقة الذكية، وبسعر مخفض مدعوم من الدولة (ذلك بعد أن شُطبت مادتا زيت الطهي والشاي من القائمة).

وفي مطلع يوليو/تموز  2020 أعلنت المؤسسة السورية للتجارة، وهي الجهة المسؤولة عن توزيع المواد التموينية المدعومة رفع سعر مادتي السكر والأرز، ما يبيّن مدى تخبط وعجز الحكومة عن تأمين أبسط ما يمكن أن يسد الرمق على المدى البعيد، مع العلم أن المادتين غير متوفرتين بشكل دائم، فالأمر يحتاج إلى مثابرة وصبر وزيارات متكررة إلى صالات البيع للحصول على الكمية محددة، طبعاً بعد الوقوف في طوابير طويلة.

وفي آخر المبادرات “الترقيعية” التي تتبناها حكومة النظام، أعلن اتحاد غرف التجارة خلال اجتماع مع رئيس الحكومة، مطلع الشهر الجاري، إطلاق مبادرة لتخفيض أسعار المواد الأساسية، وبيعها للمستهلك بنسبة ربح لا تتعدى 5%، وسبق هذا اجتماع بين وزير التجارة وتجار دمشق في غرفة التجارة، حيث طلب الوزير من التجار المساعدة في مواجهة الظروف الاقتصادية، وخفض الأسعار والتضامن، وبيع البضاعة برأس مالها “مدة ثلاثة أشهر”، أو تقديم مبادرات أخرى.

الجوع يطرق الأبواب

أفاد تقرير لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قبيل مؤتمر المانحين من أجل دعم سوريا، الذي عقد أواخر يونيو 2020 بأن “السوريين يواجهون في الوقت الراهن أزمة غذائية لم يسبق لها مثيل مع وصول أسعار الأغذية الأساسية إلى مستويات لم تبلغها من قبل حتى في ذروة النزاع المستمر الذي اندلع قبل تسع سنوات، مما دفع الملايين من السوريين إلى الوقوع في براثن الفقر”.

المتحدثة باسم البرنامح “إليزابيث بيرس”، قالت في تصريحات صحفية: “إن سلة الغذاء الأساسية التي كلفت قبل الحرب 4 آلاف ليرة بات سعرها اليوم 76 ألف ليرة سورية، ما أجبر غالبية العائلات إلى خفض وجبات الطعام وتقليل حصص بيع الأصول، وتسبب لهم كذلك في زيادة الديون”.

ويمكن ملاحظة ما تتحدث عنه السيدة بيرس بشكل مباشر وواقعي على موائد السوريين التي باتت تفتقد الكثير من عناصرها. نحن نتحدث عن الشريحة التي ما زالت تكافح من أجل العيش الكريم، وليس عن ملايين السوريين الواقعين أساساً تحت خط الفقر. 

يقول ماجد: “الغلاء طال كل شيء في البلد، حتى سندويشة الفلافل التي كانت تعتبر أكلة الفقراء لم تعد كذلك! هذا فيما يخص الغذاء، فما بالك بباقي المصاريف الأكبر كإيجار المنزل والفواتير وما الى ذلك، طبعاً أتحدث عن المستورين والشرفاء وليس عن الطماعين واللصوص”.

مسؤولو البرنامج الغذائي قالوا خلال مؤتمر صحفي: “إن أسباب تدهور معيشة السوريين تكمن في الجمود الاقتصادي بالتزامن مع هبوط حاد في الاقتصاد اللبناني الحر الذي يعتبر جسراً مهماً لسوريا، بالإضافة إلى إجراءات التدابير الاحترازية من فيروس كورونا المستجد، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من 200% في أقل من سنة واحدة، أي أكثر بـ20 مرة من أسعار ما قبل الحرب”.

 ولم  يذكر مسؤولو البرنامج التأثيرات التراكمية للحرب الممتدة لتسع سنوات، والعقوبات الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية لجهة تزايد البطالة، وارتفاع الأسعار، وبروز صعوبات جدية في تأمين متطلبات العيش، فضلاً عن تراجع كبير في أوضاع ما تبقى من الطبقة الوسطى.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد