صديق الجميع وليس عدواً لأحد… السياسة الخارجية الإيرانية خلال فترة محمد رضا بهلوي

فرامرز داور – إيران وير

مضى أربعون عاماً على وفاة “محمد رضا بهلوي” آخر شاه في إيران، وعلى خلاف الإشكالات الجادة التي لحقت بالسياسة الداخلية لآخر شاه إيراني، كان أداؤه في السياسة الخارجية يدل على معرفة عميقة بالنظام الدولي، وقوة دور إيران في العالم بما يتناسب مع القوة المستدامة والمتطورة لإيران.

دوره غير قابل للإنكار في تأسيس الأوبك “منظمة الدول المصدرة للنفط”، و”منظمة المؤتمر الإسلامي” التي تغير اسمها بعد ذلك إلى “التعاون الإسلامي”، والحضور النشط في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وتشكيل “معاهدة سنتو” والعضوية فيها، وحل وفصل الخلافات الحدودية القديمة مع العراق، ومن ضمنها قضية الملاحة في النهر الحدودي من خلال المعاهدة الحدودية، وحسن الجوار بين إيران والعراق، وتحرير أذربيجان من احتلال قوات الاتحاد السوفيتي، واستعادة حكم إيران على الجزر الثلاث في الخليج العربي مقابل الموافقة على منح الاستقلال للبحرين، والمساعدة العسكرية التاريخية لـ عمان والسلطان قابوس من أجل بقاء هذه الدولة موحدة في مواجهة ثوار ظفار، والمقاومة في مواجهة تأسيس إسرائيل، ومساعدة السعودية، كل هذا يعد من الأجزاء الهامة بالسيرة الذاتية السياسية للشاه في تنظيم العلاقات الخارجية الإيرانية.

لقد أصبح شاهاً لإيران في ظل سيطرة الاتحاد السوفيتي على أجزاء من الدولة (شمال إيران) واحتلال بريطانيا (في الجنوب).

وخلال مؤتمر ديسمبر 1943 لزعماء الاتحاد السوفيتي وأمريكا وبريطانيا بطهران في نهاية الحرب العالمية الثانية علم الشاه الإيراني بحضور “جوزيف استالين”، و”فرانكلين روزفلت” و”وينستون تشرتشيل” بعد وصولهم إيران، لم يكن الشاه وقتها يتمتع بمكانة حتى يتوجه رئيس الوزراء البريطاني إلى القصر محل إقامة الشاه الإيراني من أجل لقائه، بل توجه الشاه بنفسه إلى لقاء تشرتشيل في مقر السفارة البريطانية على خلاف سلسلة المراتب السياسية والتشريفية.

على الرغم من هذا الوضع الضعيف، وخلال أقل من عقدين بعد ذلك تقدمت إيران إلى مكانة جعلتها بالنسبة لعلاقاتها الوطيدة مع دول الكتلة الشرقية مثل الصين والاتحاد السوفيتي تضع شروطاً في تفاصيل علاقاتها معهم ومع أقوى الدول الغربية مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. هذه الفترة من تاريخ السياسة الخارجية الإيرانية معروفة بفترة السياسة الاستقلالية الوطنية”.

يقول “اردشير زاهدي” وهو وزير الخارجية الإيرانية من عام 1966 إلى عام 1971: “في آخر أعوام حكم الشاه لم يكن لدى إيران خلافات مع أية دولة. سياساتها كانت موضع احترام، وكان الجميع يعلمون بأن مصالح إيران مصدر الإلهام، وليست مطالب وتوقعات الدول الأخرى”.

علاقات إيران الجيدة مع مختلف دول العالم حولت جواز سفر هذه الدولة إلى واحد من أفضل جوازات السفر سمعة في العالم.

“أكبر هاشمي رفسنجاني” من الشخصيات المؤثرة في تأسيس الجمهورية الإسلامية، وكان من معارضي الشاه، وقد صرح بعد 35 عاماً من إسقاط حكم الشاه قائلًا: “لقد جلتُ بنفسي جميع الدول الأوروبية بالسيارة. عندما كنتُ أود التوجه من هذه الدولة إلى تلك الدولة كنتُ أظهر فقط جواز سفري. وصلنا الآن إلى أن المواطنين يخشون إجراء زيارة خارجية مع زوجاتهم حتى لا يتعرضوا لإهانة”.

الحفاظ على العلاقات الوطيدة للغاية مع الغرب هي واحدة من السمات البارزة في فترة حكم محمد رضا شاه. أما العلاقات مع أمريكا في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية فقد تم قطع العلاقات بين البلدين لما يقرب من 40 عاماً، ومازالت هناك بعض القضايا التي لم تحل بالكامل، وآثارها ما زالت باقية.

التقارب بين إيران ودول أوروبا الغربية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية كان على نحو جعل لإيران أسهماً في مصنع تخصيب اليورانيوم الفرنسي. كانت إيران تشتري أسلحة ثقيلة من بريطانيا مثل دبابات تشيفتن، وتعطيها قروضاً من أجل تحديث شبكة المياه في المدينة، بينما  ألمانيا فكانت تنشئ حينها محطة ذرية لإيران.

هذا الوضع لا يمكن مقارنته بالوضع الحالي لإيران، فالولايات المتحدة الأمريكية تفرض على إيران الآن أقسى العقوبات في تاريخها ضد دولة.

 واقتربت الدولتان على مدار الأربعين عاماً الماضية من الحرب أكثر من مرة، واشتبكتا ذات مرة على نطاق عسكري واسع في الخليج العربي. التعاون الفني والعسكري الحساس من قبل الاتحاد الأوروبي محظور على إيران، ولم تنجح الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد كل هذه السنوات في استعادة ما دفعته لدبابات تشيفتن حتى من بريطانيا بسبب العقوبات. فرنسا وألمانيا اللتان كانتا شريكتين في البرنامج النووي الإيراني وقت الشاه أصبحتا في أعوام ما بعد ثورة 1979 من ضمن الدول القلقة من البرنامج النووي الإيراني.

العلاقات القوية بين إيران والغرب خلال آخر عشرين عاماً من حكم الشاه لم تكن تعني وقوع إيران في أحضان الغرب، وانتهاك الاستقلال السياسي للدولة. الأوضاع من الخمسينات لم تعد على نحو ما ذُكر في الأعوام السابقة بأن الشاه كان عليه التوجه إلى لقاء رئيس الوزراء البريطاني في طهران، أو يعلم بزيارة زعماء العالم لطهران بعد حضورهم.

على حد قول زاهدي: “في يومٍ ما كان من المفترض أن يلتقي السفير البريطاني السير دنيس رايت معي وتأخر. تم إلغاء لقائه، وعاد إلى سفارته. أصدرت أمراً بألا يعطوه وقتاً للقاء لمدة ثلاثة أسابيع”. قبل ذلك ببضع سنوات كان السفير الأمريكي قد توجه إلى لقاء وزير الخارجية انوشيروان سبهدي دون تحديد موعد مسبق، وعندما رأى أنه ليس في الوزارة طلب من الشاه توبيخه، لأن الوضع حينها كان قد تغير.

السياسة الخارجية للشاه لم تكن معروفة فقط بالنسبة للدول الغربية، فعلاقات إيران مع الصين والاتحاد السوفيتي كانت وطيدة وقوية أيضاً. في عام 1968 عندما هجم جيش الاتحاد السوفيتي على تشيكوسلوفاكيا انتقدت إيران الاتحاد السوفيتي بصورة غير متوقعة، وأظهرت التضامن مع تشيكوسلوفاكيا، وتقرر بعد وقوع هذا الهجوم بفترة قصيرة أن يتجه الشاه إلى موسكو من أجل لقاء رسمي.

اعتقد وزير الخارجية آنذاك بأن الشاه يتوجب عليه إلغاء زيارة احتجاجه على احتلال تشيكوسلوفاكيا أو تأجيلها لوقت غير معلوم: “لقد ارتبك السوفيتيون لأن الأمر من ناحية الكرامة كان سيكلفهم ثمناً باهظاً. وفي نهاية الأمر تقرر إجراء الزيارة”.

على حد قول زاهدي: “عندما طلبوا في موسكو إعداد بيان مشترك جاء المسؤولون السوفيتيون وقالوا لقد وافق فخامة الشاه أن تتم الإشارة إلى ما يتعلق بتشيكوسلوفاكيا على نحو يظهر فيه أن إيران كانت تدرك موقف الاتحاد السوفيتي أيضاً. وقالوا إنه ورد في البيان المشترك أننا نعتبر دخول دبابات الاتحاد السوفيتي إلى براغ اعتداء واضحاً على حق سيادة تشيكوسلوفاكيا، ونحن ندين ذلك من وجهة نظر العرف الدولي، وأنتم يمكنكم أيضًا ذكر وجهة نظركم … فقال وزير الخارجية الروسي آنذاك السير ناهار آندريه غروميكو أنا أوافق على ما تقوله، ليس هناك حاجة إلى ذكر نقطة في البيان تكون خارج إطار علاقات البلدين… تلاحظون أن إيران كان لها وجهة نظر، واتخذت موقفاً وكانت وجهة النظر تلك وهذا الموقف يتعارضان مع واحدة من أعظم قوتين في العالم في تلك الأيام”.

تشكلت العلاقات بين إيران والجمهورية الشيوعية الصينية أيضاً في أواخر فترة حكم الشاه، ومن النقاط التاريخية الهامة هي أنه قبل ذلك بأعوام كانت إيران في مكانة جعلتها تلعب دوراً في استئناف العلاقات بين أمريكا والصين، ولقد نُقلت القصة الكاملة لهذا الموضوع في المجلد الثالث من كتاب اردشير زاهدي.

بعد سقوط الشاه ومجيء الجمهورية الإسلامية تغيرت الأوضاع بسرعة.

أداء الشاه في العلاقات الخارجية الذي كان “صديق الجميع، وليس عدواً لأحد” تبدل بسرعة إلى سياسة “لا شرقية ولا غربية”، والتي لا يبدو منها أي معنى للصداقة.

إيران كانت تُعتبر في ذلك الوقت قلب الشرق الأوسط، والشرق الأوسط قلب العالم، تعرضت وقتها إيران لاضطرابات في العلاقات الخارجية ومن ثم الحرب والعقوبات والصراعات حيث ما زال المواطنون الإيرانيون حتى الآن وبعد 41 عاماً، قليلاً ما يعيشون عاماً أو شهراً بصورة طبيعية ودون وقوع حوادث. بعد مضي أربعة عقود على وفاة الشاه يقول وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: “إننا اخترنا أن نعيش على هذا النحو”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد