النساء المؤثرة في إيران

ماهرخ غلامحسين بور – إيران وير

 ارتبط تاريخ إيران والعالم بحياة ومصير العديد من الشخصيات، حيث وضعت كل شخصية منها لبنة في البناء الحضاري، هذه اللبنات التي كلفت هؤلاء الأشخاص حياتهم وأرواحهم في بعض الأحيان، ولعبت النساء دوراً في هذا البناء العظيم.

من ناحية أخرى، هناك العديد من النساء والرجال في تاريخ العالم عُرفوا بأنهم “مؤثرون” بسبب موهبتهم المذهلة في تخريب وتدمير ما بناه الآخرون.

النساء الإيرانيات كتبن أوراقاً عديدة في كتاب تاريخنا على مدار الـ 200 سنة الأخيرة، سواء بسبب التأثير الإيجابي للكثير منهن في زيادة التوعية العامة وخفض حدة التمييز ضد النساء، والارتقاء بالتعليم والمكانة الاجتماعية، ومواجهة الضغوط المذهبية، والمشاركة في المشاريع العلمية والسياسة، والموسيقى والسينما؛ أو بسب تأثير بعضهن في التشجيع على العنف، وانتشار الجهل والغوغائية، واستغلال القوة المالية والاقتصادية لتحقيق مصالحهن الشخصية.

سلسلة “نساء مؤثرة” لـ “إيران وير” تمثل بعض فئات المجتمع التي تؤثر كل يوم في إيران والدول الأخرى على حياة عائلاتهم ومجتمعهم. من البديهي أن لا تحظى كل الأنشطة أو كل الأفراد الموجودين في هذه السلسلة بتأييد “إيران وير” لكن لا يمكن إنكار تأثير أي فرد منهم في هذه القائمة.

هذه القائمة ثاني سلسلة بيوغرافية للنساء المؤثرات في إيران، وسوف يتم استكمالها تدريجيًا. نطلب من قارئي “إيران وير” أن يزودونا بمقترحاتهم من أجل إثراء هذه السلسلة.

رواية “فتيات الدخان والنار” واحدة من أعمال أفا هوما الكاتبة والناشطة المدنية التي تعيش في أمريكا مستمدة من حياة سجين سياسي تم إعدامه في إيران، وهذه الرواية تم عرضها مؤخراً في معرض الكتاب بأمريكا وكندا وبريطانيا.

قبل 10 أعوام، وعندما انتشرت رسائل المعلم والناشط السياسي الكُردي المعدوم “فرزاد كمانكر” على مستوى واسع النطاق تبلورت رواية فكرية حول حياة وموت الرجال والنساء الأكراد في ذهن هذه الكاتبة، الفكرة التي تحولت في النهاية إلى رواية اجتماعية تحت مسمى فتيات الدخان والنار.

تتطرق أجزاء من هذه الرواية إلى انتحار نساء كردستان، الموضوع الذي أثّر على حياة آفا منذ نعومة أظفارها.

 مصدر القلق هذا في مرحلة البلوغ ظل بقوته في ذهنها بعد انطلاق مجموعة على التلغرام تحت مسمى “الوقاية من الانتحار” وورش عمل حول الحيلولة دون وقوع حالات انتحار في كردستان. المجموعة التي تشكلت بفضل جهود أفا هوما من أجل تعليم أساليب الوقاية من الانتحار، وتنتج محتوى بسيطاً وقابلاً للإدراك حتى يتم توعية المواطنين به في المناطق الفقيرة والنائية.

لقد صممت هوما على الشروع في هذا المسار إحياءً لذكرى معلمتها في أيام الطفولة التي كانت بملابسها ذات الياقة العالية والقفاز تغطي آثار إحراقها لنفسها، وكلما انكشفت ملابسها عن جزء صغير من جلدها واجهت هذا السؤال المؤلم من آفا: كيف يمكن لأشخاص من الظاهر أنهم أقوياء وسعداء أن ينهوا حياتهم بأقصى درجات الألم؟

تشعر آفا في هذه الأيام التي أجلس وباء كورونا الناس في منازلهم بضرورة نشر فصولها للوقاية من الانتحار أكثر من ذي قبل تقول:

“لقد أدركنا أن وتيرة الزواج الإجباري قد تصاعدت خلال فترة الحجر الصحي. لقد وردتنا تقارير تفيد بأن بعض العائلات تجبر فتياتها القاصرات على الزواج. الآن بعد عقد مختلف ورش العمل نُعلم العائلات بأن زواج الأطفال يمكن أن يكون مضراً وحتى سبباً في الانتحار”.

لقد أثر موضوع رواية آفا في دور النشر الناطقة بالإنجليزية مثل: “صحيفة ايندبندنت” البريطانية، و”غلوب اند ميلز” في كندا، و”بووك براوز” في أمريكا، فعرضوا رواية “فتيات الدخان والنار” كواحدة من الروايات البناءة والمؤثرة خلال العام الجاري.

قصصها في الأغلب تدور حول العائلات الأكراد الذين يقطنون في إيران باعتبارهم أقلية قومية، ويتعرضون لضغط وتمييز عنصري من قبل الحكومة المركزية.

تقول هذه الكاتبة: “إن حديثي في هذه الرواية عن القصص المغمورة بين الأقليات القومية التي تقطن في إيران، وتعيش في عزلة أكثر من أي مكان آخر في العالم، هذه القصص التي تحتاج إلى توجيه وإعادة قراءة وطنية ودولية”.

على حد قولها فإن طريق الوصول إلى الاتحاد يسير عبر التضامن والمشاركة الوجدانية بين الأقوام، وهذه الأدبيات هي ما تهيئ إمكانية السعادة والحب.

ما يلفت النظر حول فرزاد كمانكر بالنسبة لهذه الكاتبة والناشطة المدنية ليس فقط توضيحه الجميل، بل قدرته على حفظ مشاعر الأمل والسعادة والعشق للإنسانية يقول: “الأمل يعني الشيء الذي يبدو في التصورات الأولية أنه يجب أن يزول خلال العزلة والتعذيب، لكنه لم يزل، وكان مصدر إلهام للآخرين حتى آخر دقائق حياتهم”.

من وجهة نظر آفا، مثير للتعجب أن يتحدث عن العشق والجمال والإنسانية سجين مظلوم تعرض لهذا القدر من الضرب حتى فقد قواه، واعتقد أكثر من مرة أنه مات، في حين كان يستطيع ببساطة أن يستسلم لليأس والغضب والكراهية في وضعه المتأزم.

أفا هوما كانت تقطن في تورنتو تلك الآونة، وأنجزت مؤخراً مرحلة الليسانس، وكانت قد يئست، وضاق صدرها من التمييز الذي تراه في المجتمع المحيط حول الأقلية المهاجرة في الطبقات المتدنية هناك، ومع كل ذلك أصرت على أن تستأنف فكرتها، تقول: “اعتقدتُ بأنهم في إيران سوف يحذفونك أو يضعونك تحت المراقبة، وسوف يخفونك، ولن يرغب أحد في أن يسمع قصتك. لقد وصلت إلى مرحلة أني سألت نفسي أنا الآن مثل الشجرة بلا جذور، ومضطرة أن أكمل حياتي في منفى طوال الوقت. لا يمكن كسب لقمة العيش من الكتابة، هل ينبغي عليّ أن أستمر في كتابة الروايات؟ احتجت إلى اتخاذ قرارات هامة حول حياتي الجديدة، أحدد أولوياتي وأسأل نفسي هل يجب علي أن أكمل طريقي في كتابة القصص وقراءة الكتب التي بدأتها منذ صغري؟”.

رسائل فرزاد نشرت أملاً كان يموج في كلماته وهو المعلم المعدوم، إلا أنه أحيا شيئاً فجأة في داخل آفا، تقول: “لقد دفعني نحو الحياة مرة أخرى، وتوصلت إلى نتيجة أنني لا أملك فرصة للخوف والتردد وعليّ أن أبذل قصارى جهدي”.

وبدأت من هنا كتابة قصة فرزاد كمانكر المعلم الكردي الشاب الذي اتهم بالعضوية والتعاون مع جماعة “بجاك”، وتم إعدامه، التهمة التي استنكرها فرزاد مراراً وتكراراً. لكن القصة لم تنته في داخل آفا، فتخيلت هذه المرة شقيقة افتراضية لـ فرزاد حتى تكتب رواية عن حياة النساء في كردستان.

لقد حولت آفا نطاق جهودها في الوقاية من الانتحار إلى دائرة كتابها الجديد، فتقول: “سألت نفسي لو كانت الشخصية الرئيسية في الكتاب أخته، فما القواسم المشتركة التي يمكن أن تكون لديهما؟ إلى أي مدى غيّر التمييز العنصري مصيرها؟ ومن هنا تبلورت “ليلا” في داخلي، وبدأت قصتها من هنا حيث كانت امرأة تعاني من صراع داخلي، ولا ترى قيمة في استمرار الحياة، ومن هنا تشكلت شخصية “ليلا” إلى جانب شخصية “تشيا” كأخ وأخت”.

نتابع طوال القصة كيف تريد “ليلا” صناعة فيلم، المرأة التي كانت تبحث عن شقيقها، وطوال الطريق الذي تبحث فيه تتشكل أجزاء من شخصيتها وحياتها. نحن نواجه مشاكل النساء في تلك المناطق، وسنصل إلى أن حياتهم تعرضت للخطر خلال القصة.

النظرة الأساسية للكاتبة خلال هذه الرواية بزغت من جملة القضايا الاجتماعية: “كيف تبلورت هويتك كامرأة وعضو في أقلية خلال الحياة اليومية ونظرتك إلى الموضوعات الاجتماعية يمكن أن تغير التعريف الذي ترينه لنفسك، وأيضاً زاوية نظرتك للمجتمع. طوال هذه الرواية كانت تسعى كل واحدة من شخصياتي وراء حلول مختلفة لمشاكلهم وتحدياتهم”.

رواية فتيات الدخان والنار نُشرت باللغة الإنجليزية في 305 صفحة، بواسطة ناشرَين منفصلين هما دار نشر “هاربر كالينز” في أمريكا، و”ايبرامز” في بريطانيا.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد