الأطفال معاناة الأمهات في السجون الإيرانية

نيلوفر رستمي – إيران وير

علي وكيانا ابنا الشابة السجينة “نرجس محمدي” ناشطة حقوق الإنسان طالبا الشعب في رسالة مرئية لهما أن يكون صوتهم حتى يستطيعا سماع صوت والدتهما.

لا يُسمح لـ نرجس محمدي على مدار ما يقرب من 11 شهراً الاتصال بابنيها اللذين يعيشان في باريس.

تزوجت نرجس عام 1999م من الكاتب والناشط السياسي “تقي رحماني”، ورُزقا في عام 2007 بطفليهما التوءمين علي وكيانا.

اعتُقل تقي رحماني مراراً وتكراراً، وبسبب ضغط الجهات الأمنية عليه غادر إيران في عام 2009 متجهاً إلى فرنسا، وابتعد علي وكيانا عن أبيهما لأعوام، وبعد اعتقال والدتهما في صيف 2017 لم يجدا حلاً غير السفر إلى باريس والعيش مع أبيهما.

الآن مضى 11 شهراً لم يستطيعا حتى سماع صوت والدتهما عبر الهاتف.

وكتبت نرجس محمدي خلال هذه الفترة من السجن رسائل للمسؤولين القضائيين عدة مرات، وطلبت منهم أن يسمحوا لها بالتحدث مع طفليها، فهذا حقها القانوني كسجينة، لكنه لم يُيسر لها حتى الآن.

السيدة محمدي كتبت في إحدى رسائلها: “يا ليتني أسمع صوتيهما على الأقل. لقد طلبت الاتصال بهما مراراً وتكراراً، لكنهم لم يوافقوا على مطالبي. يقولون إنه لا يُسمح لي بالاتصال الهاتفي بابنَيَّ لأنني سجينة أمنية، وأبوهما هو تقي رحماني”.

بعد انتشار مقطع فيديو لـ علي وكيانا طالب المستخدمون على تويتر بتحقيق هذا المطلب تحت هشتاغ “كن صوتاً لـ نرجس”. تمت مشاركة هذا الهتشاغ آلاف المرات خلال بضع ساعات، وتحول في إيران إلى تريند أول لشبكة التواصل الاجتماعي تويتر.

عدم تمكن أم سجينة من الاتصال بأبنائها لا يقتصر على نرجس محمدي وابنيها فحسب، فهناك أمهات سجينات كثيرات لم يُسمح لهنَّ في بعض الأحيان بإجراء مقابلات والتحدث مع أطفالهنَّ، أو حتى الحصول على تصريح خروج مؤقت بعد أعوام من السجن.

وتُعد قيود إمكانية اتصال أم سجينة مع أطفالها واحدة من أدوات التعذيب والضغط على المرأة السجينة بالإضافة إلى القيود الأخرى.

ضغوط الجهاز القضائي على السجينات

صرح “ريتشارد راتكليف” زوج “نازنين زاغري” لـ “إيران وير” بعد مشاهدته فيديو أطفال نرجس محمدي حول الأوضاع المشابهة التي عاشتها نازنين مع ابنتها غابريلا، قائلاً: ” استغل المحققون في زنزانة 2-ألف بسجن إيفين غابريلا للضغط على نازنين، إذ كانوا يهددون نازنين بأنهم سيعيدون ابنتها إلى بريطانيا، أو يزجون بها في السجن، وكانوا في بعض الأحيان يتصلون بأطفالهم هاتفياً أمام نازنين حتى يظهروا لها ما فقدته. هذه كانت معاناة دائمة”.

نازنين زاغري مواطنة إيرانية بريطانية، تم اعتقالها في 3 أبريل 2016 أثناء خروجها من إيران، وكانت التهمة المنسوبة إليها هي التخريب الناعم عن طريق التعاون مع الشركات الأجنبية. وبالتزامن مع اعتقالها، تم حجز جواز سفر ابنتها غابريلا البالغة من العمر عامين في المطار، ولم يُسمح لها بالخروج أيضاً، وحُرمت نازنين من رؤية ابنتها لفترة، وقضت غابريلا فترة عند عائلة نازنين، ثم عادت إلى بريطانيا حيث يقيم والدها في 11 أكتوبر 2019، وكانت قد بلغت خمسة أعوام وبدأت مرحلة المدرسة.

وأشار زوج نازنين زاغري في رسالته الأخيرة لـ محمد جواد ظريف، يقول: “الاستغلال المستمر من قبل مسؤولي السجن للحياة الأسرية الخاصة للسجناء موضوعٌ كتبت عنه رسالة لـ ظريف قبل أسبوعين. إنهم يسعون وراء الحصول على أموال من الحكومة البريطانية عبر اختطاف نازنين، المرأة المحرومة من رؤية ابنتها الطفلة، ومن المحتمل جداً أن تفقد آخر فرصة لتكون أماً”.

ويقصد راتكليف دَين بريطانيا لإيران، ويقدر بـ 400 مليون جنيه، وكانت إيران قد حصلت عليه مقابل صفقة دبابات تمت قبل الثورة.

بعد اعتقال زاغري طُرحت تكهنات مبنية على أن سجنها كان لوضع الحكومة البريطانية تحت ضغط من أجل دفع هذا الدَّين.

ويقول راتكليف حول أساليب الضباط والجهاز القضائي الإيراني من أجل وضع السجناء تحت ضغط: “أثبتت تجربتي أن الجهات الأمنية ومسؤولي السجون الإيرانيين يستغلون كثيراً العلاقات الأسرية، ويجعلونها أدوات ضغط في تعاملهم منزوع الرحمة مع السجناء.

فمثلًا يتعرض السجناء في الأغلب لتهديد أمن زوجاتهم وأبنائهم، ويشعرونهم بأنهم لا يستطيعون حمايتهم، ومن أجل وضع السجينات تحت ضغط يستغلون أطفالهن، ويحرمونهن من الاتصال واللقاء بهم، ويقولون لهن إنهن انفصلن عن أزواجهن وأبنائهن، أو يحذرونهن من اعتقال أشقائهن، ويشعرونهن بأنهن السبب في كل المعاناة والألم التي حلت بعائلاتهن”.

نازنين زاغري من ضمن السجينات اللاتي حصلن على تصريح خروج بسبب تفشي فيروس كورونا، لكن تصريح خروجها لم يكن أكثر من سوار إليكتروني، وعندما كانت نازنين زاغري تحت الإقامة الجبرية كانت تعيش معاناة أخرى، وهي الابتعاد عن ابنتها الوحيدة: ” في الشهور الأخيرة التي كانت خلالها الطفلة غابريلا في إيران لم يكن لديها رغبة في لقاء والدتها، والآن أيضاً حيث عادت إلى بريطانيا قللت الاتصالات الهاتفية مع أمها”.

أنا أدرك موقف علي وكيانا

 السجينة الأخرى التي قلما نسمع عنها هذه الأيام وهي “نسرين ستوده” المحامية والناشطة في حقوق الإنسان تم اعتقالها أول مرة في سبتمبر 2010، وكان ابناها مهراوه ونيما ما زالا قاصرين، على الرغم من ذلك حُرِم هذان الطفلان من لقاء والدتهما أو حتى الاتصال الهاتفي معها.

حظيت نسرين ستودة بلقاء ابنيها من تاريخ 18 سبتمبر 2013 حتى 13 يونيو 2018 حيث كانت المرحلة الثانية من اعتقالها. فبعد أقل من خمسة أعوام زُج بها إلى سجن إيفين مرة أخرى بسبب أنشطتها المدنية والدفاع عن حقوق موكليها، هذه المرة كان طفلاها قد أصبحا أكبر بقليل، لكن فراغ وجود الأم والتوابع النفسية لذلك في حياتهما أصبح بعرض البحر.

صرح زوجها “رضا خندان” لـ “إيران وير” بعد يوم واحد من بث فيديو لابني نرجس محمدي حول تجربته قائلاً: “أنا أدرك أوضاع علي وكيانا تماماً، وأعلم مدى صعوبة الأمر بالنسبة لهما، وكيف يشعران بسبب حرمانهما من إجراء حتى مكالمة هاتفية مع والدتهما”.

ويقول رضا خندان الذي خاض بنفسه من قبل تجربة الاعتقال: “بإمكاني القول إنه عندما يتم اعتقال الأب والأم تكون أكبر مخاوفهما داخل السجن أبناءهما. السجن أمر صعب بالنسبة لأي شخص، لكن وجود طفل يجعل الأوضاع أصعب. الحقيقة هي أن لقاء الأبناء والوالدين وراء القضبان الحديدية أمر صعب للغاية، وتترك معاناة وجرحاً إلى الأبد”.

على حد قول رضا خندان، منذ أواخر فبراير 2020، وبالتزامن مع تأكيد وجود فيروس كورونا في إيران، تم منع إجراء اللقاءات المباشرة، وحتى اللقاءات في الكابينة أصبح من الصعب جداً إجراؤها، يقول: “في صالة لقاءات الكابينة بالإضافة إلى الزجاج ذي الطبقتين الذي يوجد بين السجين ومَن يقابله تمت إضافة أسوار تمنع حتى الرؤية. وضعنا في إيران صعب جداً، فالأطفال لا يستطيعون رؤية أمهم لأكثر من 5 شهور. الخوف من الإصابة بفيروس كورونا، والخوف من تدهور الحالة النفسية للأطفال كل ذلك تسبب في عدم ذهابهم للقاء أمهم. عندما نذهب للقائها في الصالة كنتُ أشعر بأن الأطفال أصبحوا عدوانيين وحساسين، ومن الصعب السيطرة على سلوكياتهم”.

وأشار إلى أن الاتصال الهاتفي العادي للسجناء مع أفراد أسرتهم أصبح محدود أيضاً، يقول: “لقد قيد سجن ايفين الاتصالات الهاتفية للسجناء مع الخارج جداً، إذ يمكنهم التحدث ثلاث مرات فقط كل مرة لمدة 10 دقائق، ومؤخراً يتم قطع المكالمة أو يحدث تشويش في بعض الأحيان، بالنسبة لنا فنحن مثلاً ثلاثة أفراد نرغب في التحدث مع نسرين، وفي بعض الأحيان يكون هناك أفراد آخرون من العائلة أو المحامي وكلنا نريد التحدث معها، ولكن ينبغي تقسيم تلك المدة 10 دقائق بين الجميع، الأمر الذي يتسبب في اضطراب الأطفال وخاصةً نيما”.

“مريم أكبري منفرد” واحدة أخرى من السجينات الأمهات تقضي فترة العقوبة 15 سنة في زنزانة النساء بسجن إيفين منذ عام 2009، ومنذ وقت اعتقالها حتى الآن لم تحصل على تصريح خروج ليوم واحد.

السيدة منفرد لديها ثلاثة أبناء، وفي وقت اعتقالها كانت ابنتها الصغيرة تبلغ من العمر ثلاثة أعوام، لقد كبروا في غياب أمهم، واعتادوا على عدم رؤيتها، وعدم وجودها في حياتهم.

وكان زوجها “حسن جعفري” قد صرح في أكتوبر 2019 في حوار مع “حملة حقوق الإنسان في إيران”، قائلاً: “ابنتي الصغيرة كانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات عندما اعتقلوا مريم، وعندما وصلت إلى مرحلة أولى ابتدائي قلنا للضابط اسمحوا لها بمقابلة أمها لعشر دقائق فقط أول يوم في المدرسة، لكنهم لم يوافقوا. والآن الطفلة ذات ثلاثة الأعوام أصبحت تبلغ من العمر 13 عاماً”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد