النيران في سوريا تلتهم المحاصيل الزراعية، فمن المستفيد من إشعالها؟

أحمد سلوم – إيران وير

باتت ظاهرة حرق المحاصيل الزراعية في سوريا تمثلُ حرباً جديدة على المواطنين، حيث تلتهم النيران مساحات كبيرة وشاسعة من حقول القمح والشعير وغيرها في شمال سوريا، ووسطها، وجنوبها مثل السلمية والسويداء.

وتعرض القطاع الزراعي في سوريا لضربة موجعة بسبب الجفاف والحرب، اذ طلب النظام السوري مؤخراً استيراد نحو 1.5 مليون طن من القمح هذا العام بعد تردي المحاصيل سنتي 2018 و2019.

وتتقاسم ثلاثة أطراف السلة الغذائية في سوريا، حيث تقع الحسكة ودير الزور والرقة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية الكردية التي يدعمها التحالف الدولي بقيادة أميركا، فيما تتقاسم السيطرة على أرياف حلب قوات سوريا الديمقراطية وفصائل معارضة تدعمها تركيا إضافة إلى قوات النظام السوري، فيما تسيطر على معظم ريف إدلب فصائل يدعمها الجيش التركي، وفي مناطق شرق الفرات، هناك مربعان أمنيان للنظام في الحسكة والقامشلي.

وأكد مدير فرع مارع في المؤسسة العامة لاكثار البذار المهندس أحمد الخميس لـ “إيران وير” أن المناطق التي تكثر فيها الحرائق في مناطق درع الفرات هي مناطق التماس مع قوات النظام والقريبة من الجبهات، حيث تبلغ نسبة الحرائق في تلك المناطق 80% تقريباً جراء القذائف والطلقات الحارقة التي يطلقها النظام بهدف إشعال الحقول بشكل متعمد.

ويوضح الدكتور باسم محمد صالح مدير عام المديرية العامة للزراعة والثروة الحيوانية والري في الحكومة السورية المؤقتة لـ “إيران وير”  أن الحرائق التي حصلت في الشمال السوري الخاضع لقوات المعارضة وقعت في مناطق التماس ( المناطق القريبة من النظام والمعارضة) مثل معارة وتفتناز وسراقب، لافتاً النظر إلى أن 90% من الحرائق كانت مفتعلة من قبل عناصر النظام بغية التدمير الممنهج لقطاع الزراعة والضغط الاقتصادي على سكان تلك المنطقة.

وتقدر المساحات التي تم إحراقها بحسب الدكتور باسم بنحو آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير والفول …..إلخ في مناطق تفتناز – الطلحية – سرمين – سراقب  عند اقتراب موسم الحصاد الحالي.

وتم حرق المحاصيل في المناطق التي سيطر عليها النظام مؤخراً في حماة وإدلب حيث تم إحراق المحاصيل وأشجار الفستق الحلبي بشكل متعمد  في قرية عطشان والتمانعة في خان شيخون وغيرها، وتابع صالح بالقول إن ميليشيات النظام أحرقت ما يقارب 2 كم من أشجار الزيتون في مدينة إدلب قبل تحريرها على أيدي المعارضة.

وبخصوص ريف حلب الشمالي منطقة التماس مع ميلشيات  pkk   الكردية في إعزاز وريفها يقول الدكتور باسم لـ “إيران وير”: “تم حرق الأراضي الزراعية على طول خط التماس، واستمرت الحرائق لمدة يومين دون أن يتم إطفاؤها، ولم يتم إحصاء المساحات الزراعية بسبب أنها منطقة تماس، ولكن المساحة تقدر بآلاف الدونمات”.

كما حصلت حرائق صغيرة في منطقة جرابلس والغندورة بحدود 15 دونماً بسبب السجائر فقط، وتمت السيطرة عليها.

ووفقاً لما أفاد به مدير الحبوب في مناطق المعارضة حسان المحمد لـ “إيران وير” فإن  الحرائق حدثت على امتداد الجغرافية السورية، لكنها تركزت في الجزيره السورية، مشيراً إلى أن أكثر الأماكن تضرراً كانت تل أبيض، ورأس العين، والقامشلي، والمالكيه، والطبقة، والرقة، وأرياف دير الزور.

وشهدت مدينتا حماة والسلمية الواقعتان تحت سيطرة النظام السوري حرائق اندلعت في ريف السلمية الشرقي أتت على مساحة تقدر بأكثر من 160 دونماً من حقول الشعير والأشجار المثمرة، بحسب الوكالة الرسمية للنظام السوري (سانا).

كما التهمت النيران مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في محافظة السويداء جنوبي سوريا، مما تسبب بتلف 150 دونماً زراعياً في مناطق متفرقة من المحافظة، حتى وصلت إلى مرآب بلدية المحافظة في مدينة السويداء.

وشهدت المحافظة في 8 أيار الماضي خمسة حرائق طالت أربع منها أراضي زراعية في قريتي شهبا والقريا في الريف الجنوبي للسويداء، وقريتي نمرة ومجدل في شمال المدينة، بالإضافة إلى قريتي تعلا والهيت شمال شرقي المحافظة.

ونقلت شبكة “الخابور” المحلية التهام النيران لمساحات واسعة من المحاصيل الزراعية في محيط قرية عين العروس بريف تل أبيض شمال الرقة.

كما احترق عدد من منازل المدنيين إثر حريق نشب بالأراضي الزراعية المحيطة في قرى قاطوف، وتل ذياب جنوب رأس العين بريف الحسكة.

زيادة نسبة الحرائق في مناطق المعارضة السورية

أفاد تقرير للدفاع المدني (الخوذ البيضاء) بأن الشمال السوري شهد في شهر أيار الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحرائق التي اندلعت في الأراضي الزراعية والمناطق الحراجية، مقارنةً بذات الفترة من العام الماضي، ما سبب خسائر كبيرة للمزارعين وزاد في معاناتهم.

وأخمدت فرق الإطفاء خلال شهر أيار الماضي 323 حريقاً في أرياف حلب، وإدلب، وحماة، منها نحو 200 حريق بأراضٍ زراعية، و10 حرائق في مناطق حراجية، فيما أخمدت في شهر أيار من العام الماضي 2019، 234 حريقاً، منها نحو 150 بأراضٍ زراعية ومناطق حراجية.

وقال مدير الدفاع المدني السوري في حلب بيبرس مشعل لـ “إيران وير”  منذ بداية شهر نيسان حتى لحظة كتابة التقرير أخمدت فرق الدفاع المدني في مديرية حلب فقط نحو 254 عملية إطفاء للأراضي الزراعية .

وتنوعت بين حرائق الحصاد الموسمي والحرائق بالغابات الحراجية التي  تقدر بنحو 90 هكتاراً من المساحات الزراعية.

ما سر الحرائق التي تأكل محاصيل سوريا؟

تعددت الأسباب التي أشارت إليها أطراف عديدة، فمنهم من عزا الحرائق  لدرجة حرارة الطقس المرتفعة، أو إلقاء أعقاب السجائر من السيارات على الطريق، ومنهم من اتهم النظام بحرق المحاصيل، بينما عزت آراء أخرى اندلاع الحرائق في بعض محاصيل شمال شرقي سوريا إلى تركيا وأمريكا لاستكمال الحرب الاقتصادية على سوريا.

ولكشف السر وراء تلك الحرائق علينا التذكير أن  حكومة النظام كانت قد تفاوضت مع روسيا لاستيراد مليون طن من القمح، وسد عجزها بمادة الطحين بحسب ما نقلته صحيفة الوطن السورية شبه الرسمية في وقت سابق.

وذكر مجلس الوزراء في حكومة النظام أن قيمة المشتريات من القمح المحلي لـ 2018 بلغت 56.608 مليار ليرة سورية، في حين بلغت قيمة المشتريات من القمح المحلي خلال أول 9 أشهر من عام 2019 ; 18.237 مليار ليرة.

وبحسب المدير المكلف بإدارة المؤسسة السورية للحبوب التابعة للنظام يوسف قاسم، فإن المؤسسة أبرمت ثلاثة عقود لاستيراد 600 ألف طن، بقرض من مصرف سوريا المركزي عن طريق المصرف التجاري، وتبلغ قيمة العقد الواحد 24 مليار ليرة، بإجمالي 72 مليار ليرة للعقود الثلاثة في عام 2019.

وأضاف: “العقد الأول سيكون عبر شركة “سوليد 1” الروسية، إذ سيتم استيراد 200 ألف طن بسعر الطن الواحد 310 دولارات، أما العقد الثاني فسيكون استيراد 200 ألف طن من شركة “سيستوس” بسعر 259.95 دولاراً للطن الواحد، والعقد الثالث سيكون لاستيراد الكمية نفسها عبر شركة “الشرق الأوسط” بسعر 252 دولاراً للطن”.

ومع بدء جني الفلاحين لمحصول القمح، ارتفعت حدة المنافسة بين الأطراف المسيطرة لإغراء المزارعين، و تجددت الحرائق في هذا الموسم.

حيث يتنافس النظام مع الإدارة الذاتية على شراء محصول القمح، إذ وافق مجلس الوزراء في النظام السوري على رفع سعر استلام محصول القمح من الفلاحين للموسم الحالي من 225 ليرة سورية إلى 400 ليرة للكيلو غرام الواحد.

فيما قررت الإدارة الذاتية الكردية شمال شرقي سوريا (الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية) رفع سعر كيلو القمح الذي حددته سابقاً بـ “225” ليرة سورية لشرائه من المزارعين في مناطق سيطرتها؛ بـ”315″ ليرة سورية للكيلو الواحد.

ويلفت حسان المحمد النظر إلى أنه إذا عدنا إلى عام ٢٠١٠ قبل وأثناء نضج المحاصيل الشتوية في الشهر السادس نجد أن نسب الحرائق تكون قليلة جداً لدرجة الندرة، لكن منذ العام العام 2013 وصولاً إلى العام ٢٠١٩ و٢٠٢٠ أصبح مسلسل الحرائق يلتهم آلاف الدونمات من الأراضي المزروعه بالقمح والشعير.

ووفقاً لما قاله المحمد، فكل تلك الحرائق لم تحدث إلا بفعل فاعل، ولمعرفة الفاعل يجب البحث عن المستفيد الأول من تجويع المواطن السوري، ويتمثل هذا المستفيد بالنظام الذي يسعى منذ سنوات لتركيع الشعب وإعادته إلى حظيرته الديكتاتورية.

ومن جهته عزا مدير الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) بيبرس الازدياد الملحوظ في عدد الحرائق هذا العام إلى عدة عوامل، أهمها ارتفاع درجات الحرارة، وكثافة المحاصيل الزراعية والأعشاب المنتشرة في كل مكان، ورمي مخلفات السجائر بشكل عشوائي، بالإضافة لبعض الحرائق التي تسببها أعطال معدات الحصاد الزراعي.

فيما أكد عدد من المزارعين لـ “إيران وير” أن أكثر الحرائق حدثت بالأراضي المحاذية للمناطق التي يسيطر عليها النظام، وذلك جراء تعمد قوات الجيش إطلاق القذائف والرصاص على المزروعات من أجل إحراقها، وتمهيد الطريق للمعارك القادمة مع قوات المعارضة، ولكي لا تشكل تلك المحاصيل عائقاً أمام تقدمهم.

ومن جهته يقول ضياء الصوراني من سكان مدينة معرة النعمان في ريف إدلب لـ “إيران وير”: “إن ظاهرة الحرائق المنتشرة في المناطق التي سيطر عليها نظام الأسد مؤخراً هي حرائق مفتعلة وانتقامية يمارسها  شبيحة النظام وعناصره عبر حرق المحاصيل الزراعية وأراضي المدنيين المهجرين”.

ومن جهته اتهم النظام السوري كلاً من تركيا وواشنطن بإحراقهم للمحاصيل الزراعية، وقالت وكالة الأنباء سانا: “إن القوات التركية والتنظيمات التابعة لها أقدموا على إضرام النار في حقول القمح والشعير في محيط قريتي المشيرفة وأم الخير شرق مدينة رأس العين”.

وأشارت سانا إلى أن طائرات (أباتشي) تابعة للقوات الأمريكية تتعمد منذ اقتراب محصولي القمح والشعير من مرحلة الحصاد برمي البالونات الحرارية أثناء طيرانها على مسافة منخفضة فوق الحقول الزراعية، ما تسبب باندلاع عدد من الحرائق في حقول القمح والشعير في عدد من القرى بريف الحسكة.

ونقلت الوكالة ذاتها عن موقع إنترناشونال بزنس تايمز الإخباري بنسخته الصادرة في سنغافورة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقع أوامر بإحراق المحاصيل الزراعية في سورية.

وبخصوص اتهام النظام للقوات التركية بحرق المحاصيل الزراعية قال الدكتور باسم صالح: “إن تركيا هي البلد الوحيد الذي احتضن السوريين،  والنظام يسعى بإلقاء التهم لإبعاد الشكوك عن عملائه في المنطقة الذين يقومون بالتخريب” متسائلاً: كيف يمكن لتركيا حرق المحاصيل الزراعية في سوريا وهي التي تحمل أعباء السوريين داخل تركيا، والتي تقدر أعدادهم بما يقارب الـ 4 مليون مهجر منذ بداية الثورة؟

 وأشار باسم إلى أنه في عام 2019 كان القسم الأكبر من حرائق المحاصيل الزراعية بمناطق التماس مع ميلشيات  pkk الكردية ومناطق القصف في بزاعة وقباسين ومارع، وقدرت المساحة وقتها بـــ10461 هكتاراً.

والجدير ذكره أن سوريا كانت تنتج ما يقارب 4 ملايين طن قمح قبل عام 2011، لكن الإنتاج تراجع كثيراً، في الوقت الذي تقدر فيه حاجة البلاد لما يقارب 2.5 مليون طن.

وجاء في تقرير سابق لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن إنتاج القمح في سورية لعام 2018 لم يتجاوز 1.2 مليون طن، أي ما يعادل ثلثي إنتاج عام 2017 الذي بلغ فيه الإنتاج 1.7 مليون طن.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد