هل قُتل القاضي الإيراني المتهم بقضايا الفساد في العاصمة الرومانية بوخاريست أم أنه انتحر؟

فرانك البرز – بوخاريست

تم العثور على جثمان القاضي السابق “غلام رضا منصوري” بـ فندق “دوك” في بوخاريست، المكان الذي كان ينتظر فيه قراراً حول تسليمه من رومانيا، وبناءً على التقارير الواردة فقد قفز من الطابق الخامس بالفندق أو تم رميه.

أفادت الشرطة في تقريرها أن خدمة الطوارئ في بوخاريست تلقت اتصالاً من قسم الاستقبال في فندق دوك في 19 يونيو يخبرهم بوجود حالة حرجة لرجل يشرف على الوفاة في الفندق، وعندما وصلت سيارة الإسعاف في تمام الساعة الـ 2:30 بعد الظهر حسب التوقيت المحلي فارق الرجل الذي يبلغ من العمر 52 عاماً الحياة، وتم التحفظ على جثمانه بعد أن تم إعلان وفاته.

وأفادت الشرطة في بيانٍ لها بأن هذا الرجل “أجنبي ويقع تحت الرقابة القضائية”، ومتهم بـ “ارتكاب جرائم على أراضي دولة أخرى”.

في الساعات الأولى من الليل أكد متحدث باسم الشرطة الرومانية أن الشخص المتوفي هو “غلام رضا منصوري”.

بدأت مباحث وحدة جرائم القتل في بوخاريست تحقيقاتها من أجل اتخاذ قرار حول ماهية هذه الحادثة، وهل هي جريمة قتل أم انتحار؟

“منصوري” هو قاضٍ سابق في إيران ثُبتت عليه جريمة الفساد هرب إلى ألمانيا في أوائل شهر يونيو، ومن ثم سافر إلى رومانيا، بعد إعلان وضع منصوري تحت الملاحقة القانونية من قبل الإنتربول قامت السلطات الرومانية باعتقاله.

 توجه منصوري إلى المحكمة في يوم 12 يونيو، لأن إيران كانت قد طالبت بتسليمه بسبب اتهامه بتلقي رشوة تقدر بـ 500 ألف يورو، ورفضت محكمة استئناف بوخاريست طلب المدعي العام باستمرار اعتقال منصوري في معتقل الشرطة، وأمرت المسؤولين بدراسة أوضاع تسليمه بشكل آمن إلى إيران، وخصوصاً أنه لا توجد معاهدة تسليم مجرمين بين رومانيا وإيران.

لم يكن يحق لغلام رضا منصوري الخروج من الدولة، وكان ملزماً بتقديم تقرير دوري لقسم الشرطة المحلي، وكان في انتظار الجلسة التالية للمحكمة، والتي تحددت في 10 يوليو 2020، وأقام منصوري في فندق “دوك” في ميدان “روم” مركز مدينة بوخاريست، هذا الفندق هو نفس المكان الذي عثروا فيه على جثمانه يوم 19 يونيو في ظروف غامضة. 

وتشير التقارير الأولية إلى أن منصوري سقط من شرفة هذا الفندق، في الوقت الذي أكد فيه موظفو الفندق في حوار مع “إيران وير” أنه عُثر على جثمانه في لوبي الفندق، وليس خارج الفندق.

بعد مضي يوم من العثور على جثمان غلام رضا منصوري كان فندق دوك ذو تصنيف ثلاثة نجوم مهجوراً تقريباً، وتخضع رومانيا للحجر الصحي بالكامل منذ يوم 13 مارس 2020، وتقلصت مؤخراً بعض القيود حول السفريات المحلية والدولية، ويفيد التقرير اليومي حول معدل الإصابة بفيروس كورونا أنه ما زال مرتفعاً، الأمر الذي جعل عدد رجال الأعمال فيها قليلاً فكيف الحال بالنسبة للسياح؟

بدت المباني في محيط الفندق خاوية من السكن أو قيد الإنشاء، وبجانب الفندق يوجد متجر للحيوانات الأليفة، وهناك محل للأدوات الإلكترونية وسوبر ماركت صغير في الجهة المقابلة، وعلى الرغم من أن الفندق يقع في تقاطع مزدحم “ميدان روم” إلا أن المحور الغربي من هذا التقاطع مهجور، ويفضل المارة التوجه نحو المسار الشمالي-الجنوبي من مركز بوخاريست الذي تحيط به محطات المترو، ويتراءى هناك “أكاديمية دراسات اقتصادية” كلاسيكية، ومحلات لها نوافذ عرض لأحدث أزياء باريس، وفندق مكون من 20 طابقاً وهو “شيراتون بوخاريست”.

“دوك” فندق صغير تم إنشاؤه بعد سقوط الديكتاتور الشيوعي الروماني نيكولاي تشائوشسكو في نوفمبر 1989، وهو فندق مكون من ستة طوابق تجارية وأتريوم، والأتريوم هو فسحة سماوية في قلب المبنى، ويقال إنه المكان الذي عُثر فيه على جثمان منصوري، في الطابق الأرضي (الأتريوم) وليس خارج المبنى.

الوصول إلى الفندق سهل، وكذلك التوجه نحو المصعد والذهاب إلى الطابق الخامس (الطابق الذي قفز منه منصوري أو وقع أو تم رميه منه).

الواضح أن السقوط من غير عمد يبدو مستحيلاً وخاصة أن هناك أسواراً زجاجية عالية على طول الأروقة تقع من جهة كهامش بالنسبة لغرف النزلاء، ومن الجهة الأخرى تجاور الأتريوم. نظرتُ إلى الأسفل إلى الطبقة الأرضية، لم تكن هناك أية علامة على وجود حادثة على الأثاث بعد ظهر أمس.

لم نستطع الوصول إلى مدير الفندق لإجراء حوار معه، إذ لم يكن موجوداً في آخر الأسبوع، فالمواطنون في بوخاريست يعملون عادةً في آخر الأسبوع في متاجر البيع بالتجزئة التي تبقى مفتوحة بخلاف بقية الأماكن التي تكون معطلة يوم الأحد.

في ظرف بضع ساعات بعد وقوع الحادثة أفادت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية بأن وفاة منصوري المريبة هي حالة انتحار.

ووفقاً لتقرير “وكالة أنباء الطلبة الإيرانيين” فقد صرح رئيس الشرطة الدولية الإيرانية “هادي شيرازي” بأن المسؤولين الرومانيين أعلنوا لإيران بأن منصوري “ألقى بنفسه من نافذة فندقه في بوخاريست”.

وأفادت الصحيفة المحلية “آدوورول” بتقرير يشير إلى أن شرطة بوخاريست ترى أنها كانت حالة انتحار، وفي يوم السبت 20 يونيو لم تجب الشرطة على مطالب للإدلاء بتصريح حول مسيرة التحقيقات.

وعلى الرغم من أن تصنيف رومانيا ضعيف نسبياً من حيث الشفافية الدولية “لمؤشر مدركات الفساد” إلا أن نظام العدالة الجنائية فيها يعتبر منصفاً بصورة عامة.

 وكانت “لورا كودروتا كاوسي” المدعي العام السابق لـ “إدارة مكافحة الفساد الوطني” (DNA) قد عُينت مؤخراً كأول سيدة تستلم منصب المدعي العام للاتحاد الأوروبي.

وخلال فترة توليها منصب إدارة مكافحة الفساد الوطني حكمت على أفراد منهم مدعٍ عام، ورئيس بلدية، وقضاة، ونواب برلمان بالفساد السياسي.

 “ليويو دراغنيا” زعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي حُكم عليه عام 2019 بالسجن ثلاثة أعوام ونصف، وخلال الأعوام الأخيرة أيضاً تم القبض على عدة فرق تهريب بشر تابعة لنظام الأسد في سوريا ومحاكمتهم.

القاضي منصوري هو ثاني مواطن إيراني بازر يموت في بوخاريست بعد سقوط النظام الشيوعي. “محمد علي أسدي” القائد المزعوم للمعارضة الملكية تم اغتياله في رومانيا بعد طلبه اللجوء من أمريكا في نوفمبر 1994، في ذلك الوقت ادعت الشرطة الرومانية أن السيد أسدي كان مشتركاً في “تجارة غير قانونية” (التهريب)، وقُتل على يد مجرمين إيرانيين منافسين في رومانيا، وقد تمت محاكمة القتلة فيما بعد، وأعلنت السفارة الإيرانية في رومانيا في ذلك الوقت بأن أسدي كان مجرماً ومقتله لم يكن اغتيالاً سياسياً.

ووفقاً لتقرير القناة التلفزيونية المحلية دي جي 24، هناك اعتقاد بأن منصوري كان قد هرب من إيران إلى ألمانيا، لكن يظهر في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي شخص يقول إنه ابن شقيق منصوري، وإن منصوري كان موجوداً في السفارة الإيرانية يوم 12 يونيو قبل قيام المسؤولين الرومانيين باعتقاله، مع العلم أن السفارة الإيرانية تبعد 700 متر فقط عن فندق دوك.

ووفقاً لتقرير وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “عباس موسوي” بأن القاضي السابق كان قد راجع مؤخراً السفارة الإيرانية في بوخاريست، وتحدث حول كيفية عودته إلى إيران.

وورد في البيان المصور الذي تم بثه الأسبوع الماضي بصورة مباشرة أن منصوري كذب الاتهامات المنسوبة إليه، وقال إنه غادر إيران من أجل العلاج الطبي، وما منعه من العودة إلى وطنه قيود السفر المتعلقة بفيروس كورونا.

غلام رضا منصوري كان رجل دين له نفوذ وقاضياً ومدعياً عاماً، ولكونه قاضياً فقد قام بزج صحافيين مستقلين في السجن بتهم ملفقة،  وفي عام 2012 أصدر قراراً باعتقال جماعي لـ 20 صحافياً  بحسب نشطاء في حقوق الإنسان.

وكانت منظمة مراسلون بلا حدود قد طالبت يوم 11 يونيو من الادعاء العام في ألمانيا باعتقال منصوري بتهمة انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جريمة ضد الإنسانية، وتكرر مطلب منظمة مراسلون بلا حدود في تاريخ 13 يونيو، ولكن هذه المرة كان الطلب موجهاً للمسؤولين الرومانيين.

تاريخ القمع

كان منصوري المدعي العام لمحكمة الثقافة والإعلام في عام 2011م، وتقول منظمة مراسلون بلا حدود إنه كان مسؤولاً عن الاعتقال الفوضوي وأذية وتعذيب ما لا يقل عن 20 صحفياً بين يناير حتى مارس 2013.

 أحد ضحاياه الصحفي “مهدي مهدوي آزاد” الذي يعيش اليوم في المنفى أدلى بشهادته خلال الأيام الأخيرة حول حالات التعذيب التي تعرض لها بعد اعتقاله بأمر من القاضي منصوري.

وصرح الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود “كريستوف دلوري” يوم 19 يونيو عقب انتشار خبر وفاة منصوري قائلاً: “هذا الموت المفاجئ حرم الضحايا من محاكمة منصوري. من المروع للغاية أن المسؤولين الألمانيين والرومانيين لم يقوموا باعتقال منصوري على الفور، وطبقاً لتعهداتهم الدولية عقب شكوى منظمة مراسلين بلا حدود، فيما يتعلق بجرائمه التي ارتكبها ضد الإنسانية. موت منصوري أسوأ حدث، كان من المفروض الحيلولة دون وقوعه حتى تتخذ العدالة مجراها”.

وطالبت منظمة مراسلون بلا حدود بإجراء تحقيقات شفافة حول سبب وكيفية وفاة منصوري وأضافت بأنها لا ترفض احتمالية وقوع جريمة قتل.

وصرح رئيس قسم الشؤون الإيرانية والأفغانية في منظمة مراسلون بلا حدود “رضا معيني” لـ “نيويورك تايمز” قائلاً: “إيران لديها دافع قوي لقتل منصوري والمتهمين المشتركين معه في القضية بسبب ما كانوا يعرفونه”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد