سلاح حزب الله… أيديولوجيا مفروضة أم حق دستوري؟

فاطمة العثمان – لبنان

كثيراً ما شكل سلاح حزب الله الجدل بين اللبنانيين المنقسمين حوله، فقسم منهم يرى أن هذا السلاح هو “المخلِّص” من إسرائيل ووجودها، فيما يرى القسم الآخر أن سلاح الحزب لا يتعدى كونه سلاحاً لميليشيا باتت تحكم لبنان بالكامل بقوة السلاح.

ويصنف أنصار ما يُعرف بمحور الممانعة الموالي لإيران كل من ينتقد سلاح حزب الله أو المقاومة الإسلامية في لبنان بأنه عميل لإسرائيل، مع العلم أنه لا يوجد مادة في الدستور اللبناني تشرع سلاح أي مجموعة تحت مسمى المقاومة، بحسب المحامي أنطوان نعمة.

نشأة حزب الله وفكرة تسليحه
تعود جذور حزب الله الفكرية بحسب موقع BBC إلى ما عُرف بـ “الصحوة الإسلامية الشيعية” في الستينات والسبعينيات التي برز خلالها نشاط علمي شيعي تمثل بوجود مراجع دينية في جنوب لبنان على وجه الخصوص.
و بدعم من إيران، تأسس حزب الله مطلع الثمانينيات بالتزامن مع الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982. في تلك الحقبة، شن مسلحون فلسطينيون هجوماً على الإسرائيليين، فنزع القادة الشيعة في المنطقة إلى الرد العسكري، واختلفوا مع حركة أمل التي كانت تهيمن على التمثيل الشيعي في تلك المرحلة.

وحصل حزب الله الذي كان يحمل أثناءها اسم “الأمل الإسلامي” على دعم عسكري وتنظيمي كبير من الحرس الثوري الإيراني/ ليتحول إلى أكبر ميليشيا منظمة فيما بعد عرفت باسم “حزب الله”، والذي شن هجمات متنوعة على الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي المعروف بـ ” جيش لحد”، وقيل إنه كان وراء تفجيرات السفارة الأميركية ومقر قوات البحرية الأمريكية عام 1983، مخلفاً 258 ضحية من الجنسية الأمريكية و58 ضحية فرنسية من العاملين في المنشأتين، وأدى ذلك إلى انسحاب قوات حفظ السلام الغربية من المنطقة، والتي وُجدت في لبنان في السبعينات جراء الحرب الأهلية.

وبالرغم من انسحاب الإسرائيليين من لبنان عام 2000 إلا أن حزب الله رفض تسليم سلاحه، واستمر بتقوية جناحه العسكري حتى باتت قدراته العسكرية اليوم تفوق قدرات الجيش اللبناني.

هل يكفل الدستور اللبناني حق التسلح لحركات المقاومة؟
يؤكد المحامي أنطوان نعمة في حديث لـ ” إيران وير” أنه لا يوجد أي نص قانوني على الإطلاق يسمح لأي جهة كانت وتحت أي مسمى بالتسلح غير الجيش اللبناني.

وبحسب نعمة فإن حزب الله عبارة عن “قوة أمر واقع” تخالف شريعة العيش المشترك، أي إن مفهوم الحزب بالوجه القانوني غير موجود، وهو منبثق عن مكوّن اسمه الشيعة، ولا يمثل باقي المكوّنات، ولا يحوز وجوده على رضاها، وبالعودة الى مقدمة الدستور فإنه لا شرعية لسلطة تخالف مقتضى العيش المشترك”.

ويشير نعمة إلى أن “النصوص الموضوعة للتعويض عن ضحايا حزب الله لا تشكل محل رضى من مكونات المجتمع اللبناني، وهي إن وجدت، فقد صدرت في ظل الاحتلال البعثي السوري للبنان”.

رئيس جهاز الإعلام في حزب القوات اللبنانية شارل جبور يرى أن اتفاق الطائف كان واضحاً لجهة تسليم كل الميليشيات سلاحها للدولة اللبنانية، وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ويقول جبور: “إن حزب الله ابتدع كلمة “مقاومة” كي يبعد عن نفسه وصف الميليشيا، حيث إن حزب الله يسعى لتغطية هذا النقص الذي لم يكفله الدستور من خلال فرض مصطلح المقاومة على البيانات الوزارية، مع العلم أن البيانات الوزارية لا تشكل مادة قانونية في هذا المجال”.

على الضفة الأخرى
يرى المحلل السياسي المقرب من حزب الله فيصل عبد الساتر أن القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن، والذي ينص على سحب السلاح غير الشرعي من الميليشيات، بالإضافة الى انسحاب القوات السورية من لبنان، والتي كانت قد دخلته خلال الحرب الأهلية تحت مسمى قوات الردع عام 1976 في محاولة لإنهاء الحرب يحمل الكثير من الالتباسات الدستورية والقانونية، فالمسألة لبنانية فقط، ولا يجوز لأي طرف فرض قرارات على الدولة اللبنانية.

والمقاومة بحسب عبد الساتر ليست ميليشيا، ولم تشارك بالحرب الأهلية، وإنما مقاومة تدافع عن لبنان مقابل العدو الإسرائيلي، واستطاعت أن تحفظ هذا الأمر دستورياً عبر الحكومات المتعاقبة في ظل الوجود السوري وبعده من خلال البيانات الوزارية التي ذكرت كلمة المقاومة، أو عبارات لها علاقة بالمقاومة.

وفيما يخص الأيديولوجيا المفروضة على اللبنانيين، يقول عبد الساتر: “إن السلاح بالنسبة للحزب يرتبط بالفكر العقائدي الذي يتعلق بالقضية الفلسطينية وتحرير الأراضي الفلسطينية من إسرائيل، ولكن هذه المسألة قد لا يتبناها الكثيرون الذين يعتبرون أن القضية الفلسطينية هي جزء من القرارات الدولية في حين أن حزب الله لا يعترف بإسرائيل في الأصل ككل المقاومات”.

موقف قوى الرابع عشر من آذار
أسس اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري لمرحلة سياسية جديدة، انقسم خلالها الجسم السياسي في لبنان إلى فريقين: فريق 14 آذار المناهض لإيران، والذي تألف من تيار المستقبل، والقوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي، والكتائب اللبنانية، والتيار الوطني الحر قبل أن ينتقل إلى الضفة الأخرى بعد ورقة تفاهم عقدها مع حزب الله.

أما فريق 8 آذار الموالي لإيران فقد ضم حزب الله، وحركة أمل، وحزب التوحيد، وبعض التيارات الأقلَوية، وعلى الرغم من الانقسام العامودي بين الفريقين، عقدت القوى السياسية عدة مؤتمرات للحوار الوطني، وكان بند السلاح مطروحاً على الطاولة، إلا أن تمسك حزب الله بسلاحه أدى إلى فشل تلك الجلسات.

أمين عام قوى 14 آذار فارس سعيد يؤكد خلال حديثه لـ “إيران وير” أنه لا سلاح شرعي على الأراضي اللبنانية سوى سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية، وأن سلاح حزب الله غير شرعي وغير دستوري.

وعن قبول بعض أقطاب قوى 14 آذار بإدراج معادلة “جيش وشعب ومقاومة” في البيان الوزاري، يشير سعيد إلى أن فريق 14 آذار بشكل عام لم يقبل التعامل مع هذه المعادلة باستثناء بعض مكوناته الذين تعاملوا مع المعادلة بإيجابية بحجة الاستقرار الداخلي وملء الفراغات التي يفرضها حزب الله على لبنان.

وبحسب سعيد فإن حزب الله يفتعل المشكلة، ثم يظهر بمظهر الإطفائي في الحريق، فقد أحدث الحزب على سبيل المثال فراغاً في رئاستي الجمهورية والحكومة، ولم يملأ الفراغ إلا بعد القبول بشروط حزب الله.

ويرى سعيد أن خضوع البعض لمعادلة السلاح مقابل الاستقرار أدى إلى الوضع الراهن اليوم.

ويعتبر رئيس حزب حركة التغيير، وعضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار المحامي إيلي محفوض أن سلاح حزب الله ينطلق من أيديولوجيا دينية تسري على من يؤمن بولاية الفقيه، مشيراً إلى أنه في الوقت الذي يتميز لبنان بتنوعه الطائفي الذي يضم 18 طائفة، فإن أي سلاح غير محصور بالجيش اللبناني يناقض الدستور اللبناني، بالإضافة إلى اتفاق الطائف الذي بات معروفاً بوثيقة الوفاق الوطني، والذي ينص على حل كل الميليشيات في لبنان.

وعُقد اتفاق الطائف بعد 15 عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية بين المكونات السياسية اللبنانية في المملكة العربية السعودية في 22 تشرين الأول عام 1989، لإنهاء حقبة الحرب والاتفاق على المبادئ العامة والإصلاحات.

ويرى محفوض أن سلاح حزب الله أصبح سلاحاً ميليشياوياً بامتياز بعد انسحاب إسرائيل من لبنان، والدليل على ذلك “أن هذا السلاح لا يقتصر على كونه مهيمناً على الحركات الأمنية في البلاد فحسب، بل أيضاً على الواقع السياسي من خلال تعطيل الحكومات، وانتخابات رئاسة الجمهورية، والضغط على إدراج بند المقاومة في البيانات الوزارية، ومع ذلك فهذا لا يعطيه أي غطاء قانوني أو شرعي”.

وكان مجلس الأمن قد طالب لبنان مؤخراً بوقف التورط في أي نزاع خارجي، في إشارة لدخول حزب الله في أتون الحرب السورية، كما طالب بتنفيذ القرار 1559 كاملاً، ونزع السلاح غير الشرعي، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الحكومة إلى المضي في إصلاحات اقتصادية بالإضافة إلى نزع سلاح حزب الله.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد