انهيار الليرة وارتفاع الأسعار: عوامل مشتركة تسحق السوريين في مختلف مناطق السيطرة

رامي محمد – مراسل إيران وير في سوريا

ابراهيم خطيب – مراسل إيران وير في سوريا

يستمر تأرجح سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، بحيث سجل انهياراً غير مسبوق خلال الأسبوعين الماضيين، قبل أن يعاود التحسن نسبياً خلال الأيام الماضية، وهو ما تسبب في ارتفاع أسعار الخدمات والسلع الأساسية، إذ يتشارك السوريون الآن قسوة تأمين متطلبات المعيشة في بلاد أنهكتها الحرب.

ومما يزيد حالة التخبط والرعب التي يعيشها المواطن السوري في كافة مناطق سيطرة كل من النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية(قسد) شرق الفرات، وفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام شمال غرب سوريا، اقتراب بدء تطبيق قانون “قيصر”، حيث من المتوقع أن يحدث مزيداً من الانهيارات في الاقتصاد السوري وأسعار صرف العملة الرسمية، مما يعني المزيد من الضغط على السوريين المسحوقين أساساً.

وبحسب التقرير السنوي للأمم المتحدة لعام 2019، تصدرت سوريا البلدان الأكثر فقراً بالعالم، إذ قدرت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بـ83%، حيث يواجه غالبية السوريين في مناطق السيطرة الثلاث صعوبات بتأمين قوت يومهم مع انخفاض فرص العمل، وتدني الأجور، وانتشار جائحة كورونا التي تسببت في ركود اقتصادي عالمي.

أسباب انهيار الليرة

منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، لم يتوقف انهيار سعر صرف الليرة السورية، إلا أنه منذ تشرين الثاني 2019 بدأت الليرة السورية تشهد قفزات متسارعة في السقوط، ومن ثم العودة إلى التأرجح عند قيم معينة، على سبيل المثال: سجلت الليرة السورية في 8 حزيران الجاري أعلى سعر صرف في تاريخ البلاد، بلغ 3175 ليرة للدولار الواحد، في حين يتأرجح سعر الصرف اليوم بحدود 2275 ليرة.

يرجع ذلك إلى انتشار المضاربة على العملة السورية، واحتفاظ التجار والأهالي بالقطع الأجنبي، إضافة إلى التخبط الحكومي، والفساد المستشري في مؤسسات النظام، وسيطرة حلفاء النظام الروس والإيرانيين على مولدات القطع الأجنبي، فضلاً عن العقوبات الدولية التي استنزفت القطع الأجنبي لدى النظام، كل ذلك إضافة إلى عوامل أخرى لعب دوراً أساسياً في انهيار الليرة.

لكن حاكم مصرف سورية المركزي حازم قرفول قال: “إن ارتفاع سعر صرف الدولار يرجع إلى حملة ممنهجة تهدف إلى إضعاف الليرة والاقتصاد، وزعزعة الثقة بالمصرف المركزي، ودفع المواطنين إلى التخلي عن عملتهم الوطنية”، معتبراً في اتصال هاتفي مع قناة الإخبارية السورية، في حزيران 2019 أن “ارتفاع سعر الصرف وهمي، وليس له أي مبررات اقتصادية، وليس له أي مستند على الأرض إطلاقاً”.

إلا أن هذه التبريرات قوبلت بالرفض من قبل أعضاء مجلس الشعب وموالي النظام السوري، معتبرين أنها “بعيدة عن الواقع”.

وقال الدكتور عبد الحكيم المصري، وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة، أن “انهيار الليرة السورية وانعكاسه على استقرار المنطقة سيعود بضعف القدرة الشرائية على المواطنين الذين يتقاضون أجوراً بالليرة السورية، كما ستلاحق الخسارة أصحاب المحال التجارية، حتى لو وضعت الأسعار بالعملة الأجنبية”، مؤكداً في حديثه إلى “إيران واير” أن الحكومة المؤقتة تعمل على “إصدار الحد الأدنى من الأجور للعمال بالقطاعين العام والخاص بالليرة التركية”، كما أنها تعمل على “منع استغلال أصحاب المهن للعمال بسبب زيادة البطالة”.

المشكلة في التجار

في أيار الماضي، ظهر بشار الأسد في اجتماع مع “المجموعة الحكومية المعنية بمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها”، متحدثاً عن جائحة كورونا، وارتفاع الأسعار، متجاهلاً أزمة ابن خاله رجل الأعمال السوري رامي مخلوف وتداعيات أزمته على انهيار الليرة التي يلعب مخلوف دوراً كبيراً فيها، عبر مضاربته على الليرة. 

وقال الأسد في الاجتماع الذي نشرته وسائل إعلام النظام إنه منذ أن كان في المرحلة الإعدادية وهو يسمع عن شكوى الناس من الأسعار العالية، وإن “التموين لا يقوم بضبط المخالفين”، مؤكداً أن المشكلة بالتجار والأجهزة الرقابية.

ولأجل إيقاف المتلاعبين بالأسعار وهيمنة التجار، بحسب رأيه، منح الأسد “المؤسسة السورية للتجارة” مزيداً من الصلاحيات والامتيازات، جاعلاً منها “تاجراً شاطراً” كما يجب أن تكون على حد وصفه.

صعوبات مشتركة

كأول إجراء لتطبيق خطته الاقتصادية، أصدر بشار الأسد بعد أيام من لقائه مع المجموعة الحكومية المعنية بمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها مرسومين رئاسيين أنهى فيهما مهام وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عاطف النداف، وعين محافظ حمص السابق طلال البرازي بديلاً عنه، إلا أنه مع ذلك استمر الوضع أكثر سوءاً، واستمر ارتفاع الأسعار بشكل جنوني.

يسعى أبو إبراهيم، 35 عاماً، الذي نزح وعائلته المكونة من 4 أفراد إلى مدينة إعزاز شمال حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية إلى تأمين “الأساسيات”، وقد تخلى كما قال لـ”إيران وير” عن “الكماليات بشكل نهائي”، يقول: “طلب مني ولدي في أحد الأيام سندويشة شاورما، يبلغ سعرها 2000 ليرة سورية، بقيت أتغاضى عن الأمر، واتحايل عليه بأشياء أخرى حتى ينسى”.

يعمل أبو إبراهيم في الإنشاءات المعمارية، ويتقاضى أجراً يومياً يتراوح بين 2000 و 5000 ليرة سورية (0.86 – 2.15$، بحسب سعر الصرف البالغ 2275 ليرة) بأحسن الأحوال.

في مدينة نوى بريف درعا الغربي جنوب سوريا، والتي عادت لسيطرة النظام بعد توقيع اتفاق المصالحة في تموز 2018، لا يبدو حال أبي سليم (45 عاماً) وعائلته أفضل، حيث تحاول العائلة أن تتأقلم مع الوضع الاقتصادي الطارئ عبر تغيير نمط معيشتهم.

يقول أبو سليم لـ”إيران وير”: “نحاول الاعتماد على الخضار والمحاصيل البقولية التي تنتجها أرضنا، وتخزينها للعام القادم، مثل الحمص والعدس والفول، بينما الفواكه واللحوم أصبح شراؤها صعباً جداً”.

كذلك الأمر في دمشق، تحاول سمر آدم (35 عاماً) تقنين مصاريف منزل عائلتها المكونة من خمسة أفراد، تقول آدم لـ”إيران وير”: “اضطررت للاستغناء عن كثير من المصاريف، مثل الفواكه واللحوم والدجاج، وأيضاً التوجه لشراء البالة بدل الملابس الجديدة، حتى الشاي والقهوة صار من المواد المقننة في المنزل بسبب غلاء الأسعار”.

ونتيجة لذلك، انتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة ظاهرة “التسول”، وبحث بعض العوائل التي فقدت معيلها عن الطعام في حاويات القمامة.

وحتى على الصعيد الصحي، “يلاحَظ تدفق العديد من المرضى للمشافي المدعومة من المنظمات الطبية والحكومية (الحكومة المؤقتة) في شمال غرب سوريا، نظراً لارتفاع أجور كشف المرضى في المشافي والعيادات الخاصة” بحسب ما قال مراسل “إيران واير”، رامي محمد.

وهو ما يؤكده أيضاً عبد الكريم (27 عاماً) يقيم في مدينة إعزاز شمال حلب، إذ يقول: “الوضع المعيشي أصبح سيئاً للغاية، نظراً لانخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار، ما سبب ارتفاعاً كبيراً بأسعار المواد الغذائية، وأجرة فحوصات الأطباء، إذ كانت كشفية الطبيب سابقاً 1500 ليرة سورية والمراجعة مجاناً، أما اليوم فأصبحت 20 ليرة تركية أي ما يعادل 10000 آلاف ليرة سورية تقريباً، والمراجعة أصبحت بـ 5 ليرات تركية، أو مايعادلها تقريباً أي 2500 ليرة سورية”.

وأضاف عبد الكريم في حديثه لـ”إيران وير”:  “بالنسبة لي كعامل يتقاضى يومية تقدر بـ3000 ليرة سورية، يجب أن أعمل لمدة 4 أيام حتى أتمكن من زيارة عيادة أحد الأطباء”.

ودفع الوضع المعيشي المتردي الذي تعيشه محافظة السويداء كما سائر المحافظات السورية الأهالي للنزول إلى الشارع منذ الأسبوع الماضي احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، مرددين هتافات وأهازيج مناهضة للنظام السوري، كما شهدت المدينة إضراباً شبه كامل الأسبوع الماضي للتجار وأصحاب المحال التجارية.


رجل يقوم بتعبئة الوقود لدراجته النارية باستخدام العملة التركية في إدلب

الأسعار وانخفاض الليرة

حددت الحكومة السورية المؤقتة سعر ربطة الخبز 600 غرام التي تباع عن طريق الأفران المدعومة من قبلها  بـ1 ليرة تركية أي ما يعادل: 500 ليرة سورية، أما الأفران الخاصة فيتراح سعر الكيلو غرام الواحد من الخبز بين 1000 و1500 ليرة سورية.

يقول وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة عبد الحكيم المصري: “إن الحكومة المؤقتة بدأت بشراء القمح من المزارعين بـ220 دولار أمريكي للطن الواحد”، مضيفاً أنه “سيتم دعم الطحين والخبز على مرحلتين، وسيتم بيع الطحين للأفران الخاصة بأسعار منخفضة، وتوفيره للأفران التابعة للحكومة”.

بينما يحاول النظام في مناطق سيطرته توزيع الخبز على “البطاقة الذكية” في محاولة منه للتغلب على أزمة الخبز، والطوابير البشرية الطويلة التي تتدافع أمام الأفران بحثاً عن رغيف الخبز، حيث شهدت مدينة اللاذقية في نيسان الماضي احتجاجاً على خلفية الأوضاع المعيشية المتدهورة، وعدم توفر الخبز وما يترافق مع توزيعه من معاملة مهينة للمواطنين.

وتحدد حكومة النظام سعر ربطة الخبز بـ50 ليرة سورية، إلا أنها ليست متوفرة في متناول الجميع، ما يضطر الأهالي إلى شرائها من السوق بـ300 ليرة، وفي العديد من الأحيان قد يضطر الأهالي إلى شراء الخبز السياحي ذي المواصفات الجيدة بـ 1000 ليرة سورية، بالرغم من تحديد وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام سعرها في نهاية العام 2018 بـ350 ليرة.

لائحة الأسعار في سوريا

استبدال العملة السورية

لجأت غالبية المحال التجارية في مناطق المعارضة شمال غرب سوريا إلى تحديد أسعار المواد بالعملة الأجنبية، سواء الليرة التركية أو الدولار الأميركي، معللة ذلك بتفادي أكبر قدر من الخسارة، وقال أبو أحمد صاحب محل تجاري في مدينة إعزاز، لـ”إيران وير”: “اضطررت لتحديد الأسعار بالعملة الأجنبية لأن التعامل بالليرة السورية أصبح أمراً غير مجدٍ، فقد بعت الكيلو غرام الواحد من السكر بـ1500 ليرة سورية، ثم تفاجأت بعد قليل أن سعره زاد 500 ليرة، لذلك حددت سعر الكيلو الواحد بـ4 ليرات تركية أو ما يعادلها بالليرة السورية حسب رغبة المشتري بالدفع”.

بينما لا يمكن تطبيق التجربة التي يطبقها أبو أحمد وغالبية المحال التجارية في شمال غرب سوريا في مناطق النظام السوري بسبب منع النظام التعامل بغير الليرة السورية، وهو ما يعني بحسب  أبي سليم من نوى بريف درعا أن يشتري المادة الواحدة في اليوم ذاته بأكثر من سعر.

يقول أبو سليم: “الأسبوع الماضي اشتريت نصف كيلو السكر بـ 450 ليرة، وفي مساء اليوم ذاته اشتريت نصف كيلو آخر من نفس المحل بـ 550 ليرة، والسبب بحسب البقالة ارتفاع الدولار”.

وهو ما دفع المجالس المحلية المعارضة في شمال حلب إلى إصدار بيانات لاستبدال التعاملات التجارية بالليرة التركية بدلاً من الليرة السورية، ودفع أجور العمال أيضاً بالليرة التركية. 

وقال وزير الاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة: “إن قرار استبدال تداول العملة سيكون بشكل مؤقت ريثما يتم إسقاط النظام”، مضيفاً: “الهدف من ذلك ألا تنعكس أزمات النظام على المناطق الخارجة عن سيطرته”.

وتابع الوزير: “تم توجيه جميع المؤسسات لتزويد رواتب الموظفين والعمال بالليرة التركية حتى لاتفقد قيمتها الشرائية بشكل كبير”، مؤكداً أنه “تم ضخ عملة نقدية تركية في الشمال السوري عبر مراكز البريد التركية (PTT)، وتم استبدال العملة التركية بالدولار الأمريكي لتخفيف تهريب الدولار إلى مناطق النظام”.


وفيما لو حدث الاستبدال والتعامل بالليرة التركية فإنه قد يحسّن أو يساهم في استقرار معيشة المواطنين الفقراء، ووقف الانعكاسات السلبية لانهيار الليرة أو ما يحصل من أزمات لدى النظام على المواطنين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شمال غرب سوريا.

إلا أنه مع ذلك لا تتوافر شروط كافية لاستبدال العملة السورية بالتركية بشكل كامل، نظراً لعدم وجود توافق دولي أو على الأقل تركي يسمح بضخ العملة التركية بشكل كبير إلى مناطق المعارضة، لاسيما الفئات النقدية الصغيرة المتداولة في الأسواق، فضلاً عن عدم وجود نظام مصرفي وبنوك تركية داخل هذه المناطق، أو حتى تدخُّل مصرف تركي حقيقي لضبط العملية المالية.

يضاف إلى ذلك عمليات تهريب القطع الأجنبي إلى مناطق النظام، والتي لا تستطيع المعارضة السورية السيطرة عليها بشكل كامل وضبطها.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد