هل محاكمة “طبري” بُشرى ثورية في السلطة القضائية الإيرانية؟

فرامرز داور – إيران وير

تجري الآن في إيران محاكمة “أكبر طبري” بتهمة الفساد المالي، واستغلال منصبه في السلطة القضائية، وأكبر طبري هو مدير عام إدارة الشؤون المالية، ومدير مكتب رئيس السلطة القضائية خلال فترة “صادق آملي لاريجاني” على مدار 10 سنوات.

ويعتبر “إبراهيم رئيسي” الرئيس الجديد للسلطة القضائية وعدد كبير ممن قام بتعيينهم أن اعتقال طبري ومحاكمته علامة على تحول جذري في السلطة القضائية، وبداية فترة جديدة في تلك السلطة.

هل محاكمة أحد المقربين لرئيس السلطة القضائية السابق تفيد بوقوع ثورة وتحول قضائي؟

الرد المختصر هو “لا” بالطبع.

التحول في السلطة القضائية يعطي معنى “القضاء العادل”، وهو استقلال السلطة القضائية أولاً عن السلطة السياسية والجهات الأمنية والعسكرية، ومن ثم إيجاد لوائح ومقررات قضائية عادلة تضمن المحاكمة دون تدخل سياسي، وانتقام فردي، وتدخلات سياسية.

أما الاستقلال في السلطة القضائية التي يُعين رئيسها بواسطة مرشد الجمهورية الإسلامية، ويكون خاضعاً لأوامره، وخاضعاً لهيمنة الجهات الأمنية على مدار الأعوام الأخيرة فهو استقلال سلبي تماماً، ولا محل للشك في ذلك.

تقييم قضية أكبري طبري من أي زاوية هو نموذج للفساد المتفشي والممنهج في السلطة القضائية الإيرانية.

وقد صرح “صادق آملي لاريجاني” بعد اعتقال طبري بأن التهم المنسوبة إليه كانت قد خضعت للتحقيق أثناء فترة توليه رئاسة السلطة القضائية، ويرى أنه برئ من جميع التهم، وكان قد وعد في البيان الذي نشره بصورة رسمية باعتباره رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأنه عندما يحين موعد محاكمته سيتضح أن ما قاله عن طبري صحيح.

بعد اعتقال طبري بحوالي عام كامل، شكلت السلطة القضائية برئاسة إبراهيم رئيسي ملف قضية ضخم ضد طبري، ودفعت به للمحاكمة.

 الرئيس الحالي والسابق للسلطة القضائية مَن منهما لا يقول الحقيقة؟ هل كان صادق آملي لاريجاني غير مطلع على وجود فساد مالي واسع النطاق بالقرب منه أم كان مطلعاً على وجوده، وقرر إعلان براءة طبري واستغل هو نفسه سلطة هذا الشخص؟ لو كان طبري بريئاً، لماذا افتعل إبراهيم رئيسي كل هذه البروباغندا التي هي في الواقع ضد آملي لاريجاني؟

إذا علمنا أن إبراهيم رئيسي وصادق آملي لاريجاني كانا من الخيارات المحتملة لخلافة آية الله “علي خامنئي” ليكون أحدهما ثالث مرشد للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهل أزاح رئيسي منافسه من الساحة، بطرحه قضية الفساد المالي هذه؟

لا شك أن هذا الحدث كان سيقع حتى لو كانت نية رئيسي ليست تشويه سمعة صادق آملي لاريجاني بين ركائز النظام.

لقد ارتبط اسم طبري باسم رئيسه السابق، والآن تبادر سؤال هام إلى أذهان الرأي العام وشريحة من الساسة الإيرانيين وهو: ماذا كان دور لاريجاني في هذا الفساد، ولماذا يجب عدم محاكمته؟

من هذا المنطلق هناك شكوك حول أن قضية طبري هي تصفية حساب سياسي بين المتنافسين على خلافة السيد خامنئي.

وفي هذه القضية متهمان آخران هما: القاضي الهارب “غلام رضا منصوري”، والمفتش “بيجن قاسم زاده”، ولكن من حيث طبيعة القضية ليس لهما أية صلة مباشرة بقضية طبري. يبدو أن إضافة هذين الفردين إلى ملف القضية كان فقط بنيّة تضخيم هذه القضية.

من الممكن أن تكون قضية طبري علامة على حدوث تحول في السلطة القضائية لو كانت الأحكام والقرارات التي صدرت من القاضي الهارب غلام رضا منصوري، والمفتش المعتقل بيجن قاسم زاده قد تم إبطالها أولاً، وأمر رئيس السلطة القضائية بالتحقيق فيها مرة أخرى.

غلام رضا منصوري كان مدير المحكمة الثقافية والإعلامية، ومحكمة مكافحة نهب الأراضي، وكان قاضي تنفيذ الأحكام، وقد أصدر قرارات باعتقال عدد من الصحافيين والملاحقة القضائية لموظفي الحكومة.

بيجن قاسم زاده أيضاً أصدر القرار الشهير بحظر موقع التواصل الاجتماعي تليغرام، وطبعاً كانت هناك شكوك من الأساس في الصلاحية القانونية لإصدار مثل هذا القرار بواسطة مفتش.

القرارات والأحكام الصادرة من قبل هؤلاء المسؤولين القضائيين رفيعي المستوى الذين هم متهمون بالفساد المالي وتلقي الرشاوى، لم يتم إبطالها أو إعادة النظر فيها، وهذا في حد ذاته علامة أخرى على عدم حدوث تحول حقيقي في السلطة القضائية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

الأهم من كل هذه الدلائل على وجود شكوك في حدوث تحول بالسلطة القضائية هو عدم الالتزام بلائحة قوانين محكمة العقوبات. هذه المقررات لم تُحدث أي تغيير في فترة إبراهيم رئيسي، وليس هذا فحسب، بل إن جميع إشكالياتها الحالية لم تُراعَ حتى في محاكمة طبري أيضاً التي أرادت السلطة القضائية أن تبدلها إلى مناورة دعائية.

خلال محاكمة طبري، يقول القاضي للمتهم الذي يرغب في أن يدافع عنه محامي الدفاع خاصته: “يجب أولاً أن تتحدث أنت بنفسك، وما قاله يتعارض مع قانون العقوبات الجنائية”، وهذا يتضح أيضاً في أحد أبسط الموضوعات التي تتعلق بحق ما يرتديه المتهمون المعتقلون من ملابس، فأحدهم حضر إلى جلسة المحاكمة بلباس السجن، وآخر مثل المفتش قاسم زاده حضر الجلسات بملابس عادية. بمعنى آخر، يوجد تمييز حتى في التعامل الشكلي مع المتهمين في ساحة المحكمة.

محاكمة طبري هي معركة سلطة بين مرشحَين محتملَين لخلافة آية الله علي خامنئي، وتولي منصب المرشد القادم للجمهورية الإسلامية، وانعكاس هذا النزاع على السلطة يجب عدم اعتباره تحولاً ظاهرياً حتى في السلطة القضائية.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد