حكومة الكاظمي بين “المحاصصات السياسية” و “ضغط الشارع”.. هل تكتب لها الحياة؟

وليد النوفل – إيران واير

وسط تجاذبات سياسية، وضغوط داخلية وخارجية، وخلافات الأحزاب والمليشيات الحاكمة للبلاد، وخزينة “خاوية على عروشها”، يحاول رئيس الوزراء العراقي الجديد، مصطفى الكاظمي إكمال كابينته الوزارية، وتحقيق توازنات سياسية، لإخراج البلاد من نفق مظلم.

ونجح الكاظمي بانتزاع ثقة البرلمان العراقي في 6 أيار/مايو الجاري، لتشكيل حكومته بعد مخاض سياسي طويل، لكن على الرغم من منحه الثقة إلا أنه لم يكتب بعد لحكومة الكاظمي الاكتمال، إذ لا تزال المحاصصة الوزارية والخلافات السياسية على عدد من الوزارات تشكل عقبة صعبة، قد لا يتمكن الكاظمي من اجتيازها.

يمتلك الكاظمي علاقات متشعبة ومتنوعة مع الطبقة السياسية في البلاد، وأيضاً مثلها خارجياً، ساعدته أن يشق طريقه إلى رئاسة الوزراء، وأن يلقى تأييد أطراف متناقضة، وبحسب د.السيد محمد علي الحسيني الأمين العام للمجلس الإسلامي العربي في لبنان، فإن الكاظمي “يعرف كيف يكون صديقاً للجميع، فهو شخصية لا تعادي أحداً، وصاحب عقلية براغماتية”.

استفاد الكاظمي من موقعه سابقاً كمدير لجهاز المخابرات الوطني العراقي، لـ”نسج روابط عدة مع عشرات الدول والأجهزة التي تعمل ضمن التحالف الدولي”، وبحسب ما قال الحسيني لـ”إيران واير” فإن “هذه الميزات الخاصة عند الكاظمي قد تمكنه من إقامة التوازن في علاقته مع اللاعبين المتناقضين في العراق”.

توازنات خارجية

لعل التوازنات الخارجية هي الصفة الأهم التي افتقدها خلفاء الكاظمي، لاسيما على صعيد “العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، الحاكم الحقيقي للعراق، وإيران اللاعب الخفي المتغلغل في مفاصل الدولة ومؤسساتها، وأيضاً دول الجوار كالسعودية والأردن وتركيا، والكويت” بحسب الشيخ علي حاتم.

وعلى مدار السنوات الماضية تمرس الكاظمي في منصبه السابق (كمدير للمخابرات الوطنية) على كيفية خلق التوازنات الداخلية والخارجية، وهو ما سيجعل منه “حجر الزاوية في إدارة التوازن الداخلي والخارجي”، إلى جانب علاقاته الإقليمية والدولية المتنوعة والمتوازنة، والتي قد تمكنه من أن يجعل من العراق “جسراً للتواصل والمصالح المشتركة بين الدول التي لديها مشاكل فيما بينها، كـ: إيران والولايات المتحدة الأميركية”، بحسب ما قال بليغ أبو گلل عضو المكتب السياسي في تيار الحكمة الوطني العراقي، لـ”إيران واير”.

إلا أن الشيخ علي حاتم سليمان أمير عشائر الدليم العراقية استبعد أن “يستطيع الكاظمي أو غيره التوفيق بين سياستين متناقضتين، فالعراق ساحة صراع بين الولايات المتحدة وإيران”، مؤكداً أن “الأخ الكاظمي في موقف صعب”.

وأضاف سليمان في حديثه لـ”إيران واير”: “نتمنى له النجاح، لكن الموضوع أكبر منه، والأمور ليست بيده، من يقود العراق سياسياً وأمنياً واستخباراتياً والأجهزة الأمنية هو إيران، لذا ليس من السهل أن يؤدي الرجل دوراً في هذه المرحلة”.

يرزح العراق تحت ضغط أميركي وإيراني، وبحسب سليمان، فإن “المؤشرات تشير إلى أن إيران تحدد عمله [الكاظمي] بصورة واضحة من خلال مليشيات الحشد الشعبي” مضيفاً: “أميركا لا تدخل بالتفاصيل، هي تعمل بالعموم، وتريد سحب المليشيات الإيرانية من سوريا والعراق، بينما إيران تشتغل بالتفاصيل”.

فإنه “حينما يرغب الأميركان بفرض شيء يقومون بفرضه فوراً، وبالنتيجة إيران عندما تشاهد أن الأميركان يريدون فرض شيء ما وبقوة تتراجع، وبذات الوقت أميركا لا تريد فرض كل شيء حتى لا تضع إيران في زاوية ضيقة، وبعدها تضطر [إيران] لتخريب كل شيء” وفقاً لسليمان.

ويكمن نجاح الكاظمي في خلق التوازنات الخارجية، بـ”توفر الظروف الملائمة لذلك”، وقال د.الحسيني، “أعتقد أن التقهقر والضعف الذي تعاني منه إيران حالياً في المنطقة عموماً، قد يشكل فرصة ذهبية يجب استغلالها لانتزاع سيادة القرار العراقي”.

المحاصصة الطائفية والسياسية

بدأت المحاصصة السياسية والطائفية تظهر إلى السطح في العراق إبان الغزو الأميركي، وعلى مدار سبع عشرة سنة أصبح هذا النوع من السلطة نمطاً اعتيادياً تمارسه الأحزاب السياسية والمليشيات العسكرية في حكم البلاد. وتالياً مع تسلم نوري المالكي رئاسة الوزراء العراقية لثماني سنوات ( من2006 وحتى 2014)، عمد إلى زرع وترسيخ “المحاصصة” في كل مؤسسات العراق العسكرية والخدمية والأمنية.

وتعد هذه المحاصصات والتغلغل الإيراني في مفاصل الدولة العراقية أبرز معوقات اكتمال كابينة الكاظمي الوزارية، حيث تسعى كل جهة عسكرية أو سياسية إلى كسب حقائب وزارية معينة لصالحها.

و”لو نظرنا إلى المشهد، فإن شيعة وسنة السلطة جميعهم بيد إيران، وهم من يرسخون مفهوم المحاصصة”، بينما وفقاً لسليمان “لا يهتم الأميركان للمحاصصة ماداموا يحكمون كامل العراق عسكرياً، وحينما يريدون فرض شيء يقومون بفعله”.

مع ذلك، فإنه وحتى اللحظة يبدو وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة أن العامل الإيراني ضعيف إلى حد ما في تشكيل الحكومة العراقية الحالية، ويرجع سبب ذلك لـ”انكفاء إيران القسري على نفسها في المنطقة، وتشتت أتباعها في العراق، وانقسام ميليشيات الحشد الشعبي في العراق” بحسب السيد الحسيني. مع ذلك، حذر الحسيني من “الغدر والسياسة الإيرانية”، مشيراً إلى أن “طهران تمتلك الأدوات لقلب الطاولة عبر مليشيات الإرهاب التابعة لها”.

ويعتقد عضو المكتب السياسي في تيار الحكمة بليغ أبو گلل أن المحاصصة السياسية أو توزيع الوزارات على القوى السياسية الفائزة في الانتخابات “خطأ تمت ممارسته على مدى الأعوام الماضية”، معتبراً ذلك “مرض يهدد النظام السياسي، وليس الحكومة التي تتشكل بناءً عليه”.

ويكمن الحل الوحيد لإخراج العراق من ذلك، بحسب أبو گلل، بأنه “لا بد أن تنتقل العملية السياسية إلى مساحة جديدة، والتي تتمثل بوجود قوى معارضة وقوى حاكمة وطنية”.

وعلى الرغم من عدم تمكن الكاظمي من إنهاء المحاصصة بالكامل، إلا أنه “قلل منها بشكل يعتد به، ويؤسس لتجاوزها مستقبلاً بشكل كامل”، حيث تميزت حكومة الكاظمي “في تقليل التأثير المحاصصاتي الذي ساد الحكومة المستقيلة، وحتى التي قبلها”، وفقاً ل “أبو گلل”.

وهو ما يؤكده أيضاً عضو المكتب السياسي لتيار الحكمة الوطني العراقي فادي الشمري في حديثه لـ”إيران واير”، الذي يعتقد أن الحكومة الحالية “تشكلت بأغلبية مستقلة مع هجين من وزراء مختصين، لكنهم مرشحو قوى، والقبول بذلك كان من أجل عدم التعطيل والمضي بالقدر المتيقن”.

حقائب الفساد

بينما تحاول إيران فرض وزراء معينين لصالحها في وزارتي الكهرباء والزراعة، يستمر الخلاف على وزارات أخرى أبرزها “حقيبة النفط” التي تسببت في صراع محتدم بين نواب وسياسيي محافظة البصرة بعد وعود من الكاظمي بأن يكون وزير النفط من محافظة البصرة، كونها الأكثر إنتاجاً للنفط العراقي، كذلك تصر الأحزاب الكردية على ترشيح وزير المالية في الحكومة السابقة فؤاد حسين إلى منصب وزارة الخارجية في الحكومة الجديدة، وهو ما ترفضه قوى سياسية أخرى غير كردية.

وكانت وسائل إعلام عراقية محلية نقلت عن النائب في البرلمان العراقي مظفر الفضل قوله: “إن أحزاباً سياسية -لم يسمها- دفعت 60 مليون دولار لشراء منصب وزير النفط”. ورداً على ذلك لوح نائب محافظة البصرة مزاحم التميمي بضرورة مقاضاة الفضل قانونياً، داعياً رئاسة مجلس النواب إلى اتخاذ إجراءات “تأديبية” بحقه.

ويرى عضو تيار الحكمة الوطني بليغ أبو گلل أن “الكلمة الفصل في حسم حقيبتي الخارجية والنفط هي للكاظمي”، إذ أنه “لابد أن ينحاز للمصلحة الوطنية من خلال تسمية وزير نفط كفء، سجلّه خال من الشبهات والفساد، ومستقل لا يخضع للأهواء السياسية”، ووزير خارجية “يراعي الانفتاح على كل الدول، وتحييد العراق عن تجاذبات المحاور، وإبعاده عن ساحة الصراع الإقليمي والدولي”, مشيراً إلى أن الخلاف “ليس على وزارتي النفط والخارجية، بل الخلاف الحقيقي هو على آلية تولي هاتين الوزارتين وشخوصهما”.

لكن عضو المكتب السياسي لتيار الحكمة فادي الشمري يعتبر أن “الاختلاف بوجهات النظر حول بعض المرشحين، ويمكن حله في غضون أيام”، مؤكداً: “بعد العيد سنشهد تصويتاً على الوزارات المتبقية، الكاظمي تقريباً حسم قراره في أغلب الوزارات المتبقية، ولم يبقَ سوى حسم قرار ثلاث وزارات”.

ويرى الشيخ علي حاتم أنه “لو يعطى الكاظمي فرصة اختيار وزرائه لانتهينا من كل هذه المشاكل منذ زمن، لكن لن تتركه [الأحزاب السياسية والمليشيات] لأن كل وزارة هي حقيبة فساد”. مضيفاً “حتى لو سمحوا له باختيار الوزير، لكن سيحاولون التلاعب بالمناصب، وسيقومون بجلب مدير المكتب أو الوكيل للتحكم بالوزارة من الداخل، فهذه حصص ولعبة الأحزاب”.

فيما أبدى بليغ أبو گلل عضو تيار الحكمة الوطني تفاؤله في كون “ميزات الكاظمي الشخصية، وثقة جميع الأطراف به ستلعب دوراً هاماً في حسم هاتين المسألتين [النفط والخارجية]”.

هل ينجح الكاظمي؟

تعتبر هذه المحاصصات “نقطة الضعف الرئيسية التي تهدد نجاح حكومة الكاظمي”، إلا أنها “أمر واقع لا يمكن تجاوزها، كونها انعكاس للتوازنات البرلمانية الموجودة في العراق”، بحسب ما قال السيد الحسيني.

إلا أن “التجارب السابقة في تكوين الحكومات كانت غير مجدية” وفقاً لعضو المكتب السياسي في تيار الحكمة الوطني فادي الشمري.

ويعتقد السيد الحسيني أن نتائج الانتخابات النيابية المبكرة لو حصلت “ستعكس التغير الكبير في المزاج الشعبي، وتسقط أو تحجم القوى المليشياوية المسؤولة عن قتل وقمع المتظاهرين، وتحد من النفوذ الإيراني”، وهو ما يعني أن التوازنات الجديدة قد “تريح الحكومة”.

بينما برأي الشيخ علي حاتم أمير عشائر الدليم العراقية، الحل هو “حل العملية السياسية وبناؤها من جديد بمنظور عراقي”، مع ضرورة سعي الكاظمي للحصول على “تعاون حقيقي من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بفرض إرادة دولية قوية على العراق، لأجل إسكات ولجم المليشيات الإسلامية”، ودون ذلك سيكون من الصعب نجاح الكاظمي في مهمته.

وقال حاتم: “لا يستطيع الكاظمي أن يتحكم بقرار سياسي، وهو لا يملك قراراً سيادياً”، في إشارة منه إلى السيطرة الإيرانية على المنافذ والحدود العراقية التي تمرر طهران عبرها الأسلحة ومعدات التنصت والتشويش من إيران إلى الأراضي العراقية، وتالياً إلى سوريا ولبنان.

الكاظمي وساحات الاحتجاج

فور منحه الثقة سارع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى إطلاق سلسلة من القرارات كرسائل تطمين للشباب المحتجين في ساحات التظاهر في مختلف المدن العراقية منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث أعلن عن إطلاق سراح جميع المعتقلين الذين شاركوا في الاحتجاجات، وفتح تحقيق بشأن مقتل المتظاهرين ومحاسبة المتورطين، وتعويض عائلات الضحايا ورعاية المصابين، مؤكداً أن حكومته ستعتمد الشفافية، وأنها لن تكون حكومة “غرف مظلمة”.

وقال الناشط في الاحتجاجات الشعبية، كرار علي، لـ”إيران واير” إن “حكومة الكاظمي باعتقادي الشخصي أفضل حكومة بعد العام ٢٠٠٣، وذلك نتيجة للأسماء الموجودة فيها، فكل وزير في مكانه المناسب وبحسب اختصاصه”.

إلا أن الناشط العراقي حسن البناء الحسيني اختلف مع هذا الطرح، معتبراً “حال الكاظمي كما الذين سبقوه لن يستطيع فعل شيء بسبب وجود الأحزاب”، مضيفاً في حديثه لـ”إيران واير”: “الوضع الحالي نتيجة فيروس كورونا في العراق هو من يعيق خروج احتجاجات شعبية مناهضة للكاظمي” مؤكداً: “لو كان الوضع طبيعي أكيد كنا شاهدنا احتجاجات ضده”.

واعتبر الحسيني أن رسائل وقرار الكاظمي للمتظاهرين ما هي إلا “ألاعيب، وهي محاولة لامتصاص غضب الشارع”، مستدلاً على ذلك: “لو كان لديه حسن نية تجاه المتظاهرين لبادر بمحاسبة القتلة ومحاكمتهم أمام المتظاهرين”.

وعلى الرغم من أن الكاظمي يحاول جاهداً امتصاص غضب شباب الثورة وتجنب الصدام معهم، إلا أنه يستطيع استغلال هذه الورقة في تمرير ما يريده من إصلاحات وقرارات، قد تتعارض مع الأحزاب والمليشيات الحاكمة، بحجة تلبية رغبات الشباب العراقي. ووفقاً للسيد الحسيني، “يمكن للكاظمي الرهان على ضغط الشارع لفرض تغيير على التنظيمات السياسية الحاكمة”.

كما يمكن للكاظمي استغلال النظرة الشعبية للقوى السياسية التي شاركت في الحكومات السابقة، والتي يحملها الشارع العراقي مع طهران مسؤولية ما وصل إليه العراق من انهيار شامل.

إضافة إلى ذلك، يمتلك الكاظمي، بحسب عضو تيار الحكمة الوطني بليغ أبو گلل، “إرثاً جيداً مع قوى الحراك المدني”، إذ قد تمكنه هذه العلاقات من إدارة متطلبات المتظاهرين، “بين ما هو حق من مطالبهم، وإقناعهم بالتنازل عن المطالب غير الحقة، أو التي لا يمكن تحقيقها في الوقت الحاضر لأسباب موضوعية وواقعية كثيرة يفرضها وضع العراق المعقد داخلياً وخارجياً”.

وهو ما يؤكده الناشط كرار علي إذ يقول: “الكاظمي مقرب من شباب الثورة، وأعتقد أن لديه قنوات تواصل مع بعض التنسيقيات”، مستدركاً: “لكن لم يحصل حتى اللحظة أي اجتماع بين نشطاء الحراك المدني والسيد الكاظمي نتيجة إجراءات مواجهة كورونا، وانشغاله بإكمال الكابينة الوزارية”.

ويرى الشيخ علي حاتم أن “مطالب المتظاهرين أكبر من قدرة الكاظمي، وهو لا يستطيع تحقيقها” إلا بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية، نظراً لحجم الملفات المعقدة في العراق التي يترتب عليه إصلاحها.

وفي حال لم يمنح رئيس الوزراء الجديد “فسحة وفرصة من السياسيين والأحزاب الإسلامية والمليشيات العسكرية في العراق، فلن يستطيع تحقيق شيء للمتظاهرين، وبالتالي إسقاطه وإخراجه خارج العملية السياسية”، وهو “التهديد الموجود دائماً، الذي يلوح الجميع به”

وهدد الشيخ علي أمير عشائر الدليم أنه “في حال لم يقم الكاظمي بحل مليشيا الحشد الشعبي، وحل مشاكل المناطق المدمرة، أعتقد أن العراق مقبل على التقسيم في 2021، وهذا سيكون مطلب أهالي المناطق الغربية، أو المناطق السنية كلها، لذا عليه أن يسارع أو يبادر”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد