هل تعد محاكمة أنور رسلان تحقيق العدالة الكاملة للمعتقلين أم أنها بداية الطريق فقط؟

“أنور رسلان لم يُظلم بل حوكم على ما ارتكبه.. الحكم كان عادلاً وأنا أشعر بحالة من الرضا” هذا ما قالته رويدة كنعان في حديثها مع “إيران وير” بعد صدور الحكم على الضابط في مخابرات النظام السوري أنور رسلان. 

قالت رويدة المعتقلة السابقة في فرع الخطيب بدمشق في شهر فبراير/شباط 2012 (أي بفترة خدمة أنور رسلان في الفرع ذاته)، إن مشاعر سلبية اجتاحتها خلال فترة اعتقالها، وأرادت نهاية بشعة تجاه جميع من قام بالتعذيب، إلا أنها أدركت بعد خروجها من المعتقل بفترة أنها تريد أخذ حقها عن طريق تطبيق العدالة لترى “المجرمين” خلف القضبان، لذلك شاركت كمدعية على أنور رسلان.

بحسب رويدة لـ “إيران وير” فإن خطوة المحاكمة “مهمة وناجحة”، إلا أن عملاً كثيراً ينتظر السوريين والسوريات الأيام القادمة، وهذا يحملنا مسؤولية كبيرة كأفراد، وكمنظمات حقوقية ودولية، وغيرهم من مجالس قضائية حول العالم وحتى جميع الدول، لأن الطريق طويل لتحقيق مسار العدالة على مستوى سوريا. 

وأضافت رويدة أن الاهتمام الكبير الدولي بهذه القضية جعلها تخشى توقف التحركات ضد تحقيق العدالة بسوريا أجمع والاكتفاء بتطبيق جزئي أو فردي على أنور رسلان وحده.

أما فاطمة التي لا تستطيع رفع دعوى ضد رسلان بسبب تواجدها في إدلب (شمالي غرب سوريا) قالت لـ”إيران وير” إنها لم تشعر بأي جزء من العدالة “كما يزعم الكثيرون” مشيرة إلى أنها قابلت أنور رسلان بداية فترة انتقالها من فرع الأربعين إلى فرع الخطيب لعدة دقائق (والتي مكثت فيه لشهر ونصف)، ومؤكدة أنها فاقدة للثقة بأي تحرك من الجهات الدولية تجاه مصلحة المعتقلين والمعتقلات السوريين.

وكان القضاء الألماني قد حكم يوم الخميس 13/1/2022 بالسجن مدى الحياة على الضابط السابق في المخابرات السورية أنور رسلان، وذلك لإدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. 

وتعد هذه المحاكمة الحاصلة في مدينة كوبلنز (غربي ألمانيا) الأولى من نوعها والتي يحاسب فيها شخص كان يعمل ضابطاً لدى النظام السوري. 

ذكريات سابقة عن تعذيب أنور رسلان لإحدى الضحايا

صرحت نوران الغميان إحدى المعتقلات السابقات في سجون النظام السوري عبر الهاتف تعليقاً على بدء محاكمة أنور رسلان الضابط السابق في المخابرات السورية عندما تحدث معها موقع “إيران وير” سابقاً، “لقد انتابتني مشاعر مختلطة ما بين الحزن والغضب والارتياح والأمل في آنٍ معاً عندما شاهدتُ أنور رسلان وراء القضبان. أرجو أن تأخذ العدالة مجراها ليعاقب الرجل الذي عذبني وأمثاله، ويشعر بإحساس من كان يتسلط عليهم بسبب رتبته العسكرية”.

بعد انتهاء الغميان من اعتصام للتنديد بــ”مجزرة” مدينة حمص السورية رفعت خلالها لافتة كتب عليها “أطفال الحولة ليسوا إرهابيين”، وكان ذلك على خلفية مقتل 108 أشخاص من بينهم 49 طفلاً و34 امرأة، يومها لحق بها اثنان من عناصر الأمن واعتقلوها، وكان ذلك في 27 أيار/مايو 2012.

قالت نوران الغميان لـ”إيران واير” : “وجه أحد العناصر السلاح إلى وجهي، وصفعني آخر مؤكداً لي أن الأمر لو كان بيده لذبحني، قال ذلك وهو يحرك إصبعه حول رقبته”.

وأوضحت الغميان أن الصدمة الأكبر خلال اعتقالها كانت خلال نقلها بالحافلة من مكان لآخر.”هناك كانت الصدمة، إذ رأيت أمي تجلس في الباص ذاته كمعتقلة، لم أستطع تمالك نفسي عندما نظرت إليها بدأنا كلانا بالبكاء”.

أكدت نوران أنها تعرضت خلال فترة اعتقالها التي استمرت ثلاثة أشهر للتعذيب الجسدي والنفسي، بما في ذلك التحرش.

محاكمة أنور رسلان في كوبلنز

واتهمت المحكمة رسلان ارتكابه 58 جريمة قتل في الفرع 251 والمعروف باسم “فرع الخطيب” في العاصمة السورية دمشق، حيث كان يرأس شعبة التحقيقات، وتعرض 4 آلاف من المعارضين السوريين (على الأقل) للتعذيب ما بين عامي 2011 و2012، وفق المدعين. 

وبحسب رسلان فإنه قد انشق عن قوات النظام السوري في عام 2012، ولجأ إلى ألمانيا مع عائلته في عام 2014، وأُوقف في فبراير/ شباط عام 2019 بعد أن تعرف عليه المحامي أنور البني في أحد شوارع العاصمة الألمانية برلين.

وبدأت جلسات المحاكمة في 23/4/2020، ومثل منذ حينها 80 شاهداً وشاهدة أمام القضاء الألماني، بينهم 12 منشقاً عن النظام السوري وعدد من الشهود أتوا من دول أوروبية مختلفة للإدلاء بشهادتهم لما تعرضوا له من تعذيب في فرع الخطيب. 

ورغم الجرائم التي ارتكبت في فرع الخطيب، من قتل وتعذيب واعتقال تعسفي واعتداء جنسي، إلا أن رسلان اعتبر نفسه مظلوماً لأنه يفتقد للسلطة وأنه كان ينفذ أوامر من ضباط آخرين في النظام. 

وفي يوم نطق الحكم الأخير على رسلان كان هناك حضور كبير من خارج وداخل ألمانيا، لمعرفة مصير هذه المحاكمة المستمر لأكثر من سنتين، وأكثر من 100 جلسة، وذلك وفق ما قالته لونا وطفة الشاهدة على المحاكمة والصحفية التي غطت المحاكمة لـ “إيران وير”. 

الفيتو الروسي وعرقلته لإحالة الانتهاكات السورية إلى المحكمة الدولية

أوضح المحامي مازن درويش مدير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير لـ”إيران وير” أن هذه المحاكم التي تقوم بها بعض الدول الأوروبية وخاصة التي شهدناها في مدينة كوبلنز الألمانية بإصدار حكم قضائي على أحد ضباط النظام السوري ليست بديلة عن إحالة ملف الانتهاكات في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية  أو إجراء عملية متكاملة للعدالة الانتقالية.

وأكد درويش أن السبب الرئيسي الذي يجعل من إحالة ملف الانتهاكات في سوريا إلى المحكمة الدولية هو الفيتو الروسي إلى جانب عدم وجود عملية انتقال سياسي في سوريا، موضحا أنه يوجد بعض الجهود المبذولة من مؤسسات ومنظمات إنسانية من أجل  الانتقال لمحكمة الجنايات الدولية ولكن هذا يستغرق وقتاً طويلاً نظراً لجسامة الجرائم وأدوات التحقيق فيها، وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود إلا أنها مجرد خطوات تأسيسية في مسار العدالة الطويل والذي من الممكن أن يستمر لعقود. 

ومن جانبه قال المحامي طارق حوكان مدير المكتب القانوني في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير لـ “إيران وير” إن هذا الحكم ثبت “سردية جديدة” لما يتعلق بالانتهاكات الحاصلة في سوريا، أي أن الحكم القضائي ثبت أن الجرائم في سوريا “ارتكبت بموجب سياسة عامة انتهجها النظام بشكل موسع وممنهج”.

واعتبر حوكان أن الأدلة القضائية للمحكمة والتقارير والاعترافات في محاكمة رسلان يمكن أن تكون “قرينة قضائية” يمكن البناء عليها والاستناد إليها في ملفات قضائية أخرى ضد النظام مستقبلاً. 

وكان المحامي مازن درويش قدم توثيق لجرائم فرع 251 للمحكمة الألمانية، ووصف لـ “إيران وير” شعوره اختلط بالحزن والفرح عند سماعه النطق بالحكم على أنور رسلان موضحا أنه فرح  لأن مجموعة من الضحايا وعائلاتهم أحسوا بالرضى ولو بشكل جزئي، وحزن لأن هذه المحاكمة لم تجرِ في دمشق. 

أهمية المحاكمة

اعتبر المحامي السوري أنور البني رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أن هذه المحاكمة هي جزء من تحقيق العدالة لبعض السوريين، وهي أدانت تعذيب الدولة السورية لضحايا مدنيين، مشيراً إلى أهمية هذه المحاكمة كونها أول حكم على شخص ينتمي للنظام السوري، جاءت جرائمه تحت تعليمات من النظام و بمنهجية تصنف على أنها “جرائم ضد الإنسانية”. 

وأضاف البني أن قرار المحكمة هو أساس لملفات قادمة، ولعمليات ضغط سياسي على النظام، ومطالبات ضحايا آخرين من أجل الوصول للعدالة، مؤكداً أن الجهود الكبرى في هذه المحكمة كانت من الناجين والناجيات الذين خاطروا بحياتهم وحياة أقربائهم في سوريا من أجل التصريح و الإدلاء بأقوالهم أمام المحكمة الألمانية. 

تأثر الدولة السورية بمحاكمة أنور رسلان

استبعد الدكتور في العلوم السياسة والعلاقات الدولية صلاح قيراطة أن يكون رسلان ضابطاً “منشقاً” عن النظام، واعتبر أنه ارتكب جرائم “ضد الإنسانية” وهو يتلقى جزاءه العادل، والدولة السورية لن تتأثر بما حدث مع هذا العقيد (من حيث المُحاكمة والقضاء الذي أصدَر قراره)، ربما ستكون أكثر حرصاً بمن يُكلفون بمهام خارج البلد. 

وبحسب قيراطة لـ “إيران وير” فإن من الناحية القانونية هناك صلاحية إقليمية وصلاحية دولية لأي جريمة، والجرائم “ضد الإنسانية” المرتكبة تُسقِط الصلاحية الإقليمية، أي أن الدولة التي ارتُكبت فيها الجريمة تسقط عنها الولاية بحال ارتكاب جريمة ضد الإنسانية داخلها، وتستطيع دولة أخرى “بنَص الولاية الدولية” أن تحاكم متهماً على ارتكابه جرائم ولو كان في بلد آخر، وذلك بعد الاستماع للشهود والقيام بجميع الإجراءات القانونية.

وكانت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز في فبراير/ شباط 2021 أصدرت حكماً بالسجن ضد العنصر السابق في استخبارات النظام السوري إياد الغريب لمدة 4 سنوات ونصف، بتهمة اعتقال متظاهرين في عام 2011، أو “التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية”، ونقلهم إلى فرع الخطيب، حيث تعرضوا هناك للتعذيب. 

وكان الغريب قد حضر مع رسلان في أولى المحاكمات التي بدأت في كوبلنز في أبريل/ نيسان عام 2020 لانتهاكات منسوبة إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ويعد كل من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، والمركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، متعاونين مع “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان”، وهما أساس في تحريك الدعوى، وجلب الشهود للمحكمة عن طريقهما. 

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد