لماذا تحاول الصين إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني؟

فرامرز داور-إيران وير

خلافاً لدور روسيا أو الدول الأوروبية الثلاث وبالطبع دور الولايات المتحدة الأمريكية في المحادثات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فإن الدور الصيني ليس واضحاً ، الصين التي عقدت إيران جزءاً من آمالها الخارجية عليها بل ربطتْه بها. فما الدور الذي تؤديه الصين في المفاوضات النووية؟

هل للصين دور في المفاوضات النووية كالدور الروسي؟

حتى ملابس “وانغ كان” ليست مثل ملابس بقية الأعضاء المشاركين في مباحثات إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، إذ يمكن تمييزه بسهولة عن الدبلوماسيين المشاركين من خلال ربطة عنق الفراشة التي يرتديها.

وانغ كان، المندوب الصيني في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ليس معروفاً لدى الرأي العام كنظيره الروسي “ميخائيل أوليانوف” الذي يتصدر الأخبار ويغرّد على التويتر كثيراً.

لا ترسل الصين وروسيا نائب أو مدير خارجيتهما إلى مفاوضات فيينا، لكن البلدين لاعبان مهمان فيها، فكلما وصلت المحادثات إلى مرحلة صعبة وتجلت افتراضية فشلها يتدخّلان على الخط، ويُقرِّبان طرفَـي النزاع، وهما إيران والولايات المتحدة، من بعضهما.

“علي باقري”، نائب وزير الخارجية وكبير المفاوضين الإيرانيين، لا يسافر إلى الصين مراعياً التدابير الصينية في عدم استقبال الضيوف الأجانب إلا قليلاً في فترة تفشي فيروس كورونا، لكن الاتصالات بين البلدين قائمة باستمرار.

منذ أكثر من عقد من الزمن والدبلوماسيون الصينيون يُؤدون دوراً جوهرياً في المفاوضات النووية الإيرانية من دون استرعاء انتباه زائد إلى ما يقومون به. وبعد الكيانات والأشخاص الإيرانيين، يحتل الأشخاص والشركات الصينية الدرجة الثانية في تلقي العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ومن يتعامل معها؛ ومردُّ ذلك إلى التفافهم على العقوبات أو لتقديمهم المساعدة للنظام الإيراني من أجل تعطيل العقوبات الأمريكية.

والصين بشكل تقليدي هي أكبر مُشترٍ للنفط الإيراني الخام. كما أن بعض المصافي الصينية تم تصميمها وصنعها لتناسب نوعية النفط الإيراني الخام الذي يُشكِّل نوعاً خاصاً من النفط الثقيل. ولهذا، لا حلّ لهذه المصافي سوى استعمال هذا النوع من النفط الخام الثقيل والاستمرار في شرائه. وفي الوقت الذي لا يتمّ فيه بيع النفط الإيراني بسهولة، حتى إن الموانئ الصينية تَمنع دخول البواخر الإيرانية إليها خوفاً من العقوبات الأمريكية، فإن شراء النفط الإيراني بسعر أقل يمكن أن يُشكِّل لعبة الفائز-الفائز للطرفين الصيني والروسي.

تبيع إيران نفطها الخاضع للعقوبات والذي لا مشترين له إلى الصين بأسعار أقل، كما أن الصين في المقابل تشتري نفطاً كان ينبغي أن يكون بسعر أعلى، لكنها تشتريه بسعر أقل وبصعوبة أكبر، كشرائه من الباخرة الراسية وسط البحر.

لماذا تحاول الصين إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني؟

إن دافع الصين الفوري في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني يَكمن في رفع العقوبات الأمريكية عن الشركات الصينية أو إصدار العفو عن تغريمها، وكذلك في استمرار شراء النفط الإيراني بطرق أسهل، كاستلامه في الموانئ الصينية.

لكن هذا لا يُشكِّل الدافع الوحيد للصين في إزالة العقوبات الأمريكية عن كاهل إيران؛ ذلك أن الصين أبرمت اتفاقية الـ25 سنة مع إيران، ويُشكِّل بيع النفط الرخيص فيها لمدة ربع قرن من أكثر تعهدات إيران غرابة.

وفي هذه الاتفاقية يَعهَد النظام الإيراني إلى الصين بمهمة تطوير قسم واسع جداً من البنى التحتية والتحكم بها؛ ويتضمن ذلك استثمارَ المعادن والخزانات النفطية وبناء المطارات الإيرانية والتحكم بها.

إن الحضور بقوة في منطقة الخليج يُشكل سياسة الصين على المدى الطويل. وفي زيارة طويلة أجراها وزير الخارجية الصيني في دول الخليج وإيران، وقّع اتفاقية الـ25 سنة في طهران في ربيع 2021، الأمر الذي قوبِل بمعارضة الإيرانيين ومخاوفهم الكبيرة.

وروسيا أيضاً تحاول، شأنها شأن الصين، توطيد مكانتها في دول الخليج، وذلك في وقت تُقلِّل فيه الولايات المتحدة من حضورها في هذه المنطقة. وحالياً تتنافس الصين مع روسيا في منطقة الخليج، وتتعاون مع أمريكا، التي تزايد التوتر معها بدءاً من عهد الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، في قضية لجْم البرنامج النووي الإيراني.

إيران هي القضية التي تجمع الصينَ وأمريكا على طاولة واحدة لهدف واحد. كما أنها فرصة لروسيا في الاحتفاظ باتصالاتها مع الدول الغربية بشأن القضية الإيرانية.

ساءت علاقات أوروبا وأمريكا مع روسيا على خلفية تدخلات الأخيرة العسكرية والأمنية الواضحة والخفية في أوكرانيا، ولذلك فرضوا عقوبات على روسيا. لكن إيران أصبحت مُتنفّساً لهذه الدول التي ما إنْ يصبحُ الموضوع عن إيران حتى تضع جميع خلافاتها القديمة جانباً.

متى تدخلت الصين على خط المفاوضات النووية الإيرانية؟

منذ أن تمت إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة، انضمت الصين إلى اللاعبين النوويين الجديين مع طهران. وقبل ذلك كانت الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، هي التي تؤدي دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة. لكن طرح الموضوع في مجلس الأمن أتاح الفرصة للصين وروسيا أيضاً لإضافتهما إلى الدول المؤثرة في مصير الملف النووي الإيراني. ومع هذا كله، فقد كانت الصين قبل مجلس الأمن أيضاً تَقوم بدور الناصح المشفِق في البرنامج النووي الإيراني.

ومع بدايات وصول الملف النووي الإيراني إلى مرحلة التأزم الدولي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، زار وزير الخارجية الصيني طهران، والتقى “حسن روحاني”، المسؤول الرئيس عن البرنامج النووي الإيراني حينها.

يكتب روحاني في مذكراته أن وزير الخارجية الصيني نصح في ذلك اللقاء صنّاع القرار الإيرانيين أن يتخذوا من الصين مثلاً لهم، ويأخذوا في اعتبارهم فترة زمنية لتقوية بلدهم اقتصادياً، ويتخلَّوا عن البرنامج النووي في هذه الفترة حتى تَقوى البنية الاقتصادية الإيرانية. ثم إذا لزم الأمر، يمكن لإيران الدخول حينها مع الدول الكبرى في التفاوض والمساومة بخصوص البرنامج النووي.

لم يُطبّق النظام الحاكم في إيران النصيحة الصينية، وكان مستعجلاً في الوصول إلى البرنامج النووي وخاصة إلى دورة الوقود الذري. وقد أوقفت إيران تخصيب اليورانيوم لفترة وجيزة لكنها سرعان ما فقدت صبرها. والآن مرّ حوالي عقدين من الزمن تَسبّب فيهما البرنامج النووي والعقوبات الناجمة عنه في وصول النمو الاقتصادي الإيراني من زائد 7 بالمئة إلى سالب 7، وإلى الآن لم يتم حلّ الاختلافات النووية بين إيران والقوى العالمية العظمى.

ما الدور الذي تؤديه الصين في المذاكرات النووية؟

أثناء 22 شهراً من مفاوضات النظام الإيراني مع وزراء الخارجية للقوى العظمى، حيث كانت الولايات المتحدة اللاعبَ الرئيس فيها، كان للصين دور هامشي في الظاهر. وكان الرأي العام يتصور أن وزير الخارجية الصيني سينضم إلى المفاوضات حين يكون الاتفاق الرئيس بين إيران وأمريكا قد تم التوصل إليه.

لكن “محمد جواد ظريف”، وزير الخارجية الإيراني حينها، يُقدِّم صورة أخرى عن مفاوضات الاتفاق النووي في كتابه “السرّ المختوم”. وبحسب ظريف، كانت المفاوضات كلما وصلت إلى طريق مسدود، يُقدّم وزير الخارجية الصيني مبادرة من أجل إنقاذ المحادثات من الفشل، وتُدرَج فيها مطالب النظام الإيراني ومطالب الولايات المتحدة معاً.

وفي مفاوضات إحياء الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة اللتين لا تتفاوضان بشكل مباشر إثر حظر خامنئي ذلك، فقد لحق التغييرُ دورَ الصين أيضاً.

إن الصين، التي كانت توفِّر الاتفاقات بين إيران وأمريكا بوصفها أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، هي اليومَ وسيط بين البلدين حتى يَخرج الاتفاق النووي المبرَم قبل ست سنوات من حالة الغيبوبة ويتم إحياؤه مجدداً.

تنتظر الصين تنفيذ اتفاقية الـ25 سنة مع إيران التي يَستحيل تطبيقها مع استمرار العقوبات الأمريكية. لهذا السبب، يتعاون وانغ كان، المندوب الدائم وسفير الصين لدى الأمم المتحدة، مع نظيره وغريمه الروسي، ويَضع جانباً على نحو مؤقت الخلافات مع أمريكا بسبب قضايا تجارية والاختلاف حول تايوان ومياه الصين الجنوبية، ويتفاوض لساعات طويلة مع “روبرت مالي”، المبعوث الأمريكي، في فندق “كوبورغ” في فيينا.

كلما لاحت احتمالية وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، يكون هناك حضور للسفير الصيني، ويُعلِن السفير الروسي فجأة أن المفاوضات سارية في مسارها الصحيح حالياً.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد