العلاقة بين إيران وروسيا.. من معركة ظفار العُمانية إلى الساحة السورية

فرامرز داور- إيران وير

كانت العلاقات مع روسيا من أكثر العلاقات اضطرابًا في تاريخ إيران، ويمكن اعتبارها علاقة مفعمة بـ “الجرائم والمكافآت” بالنسبة للإيرانيين وكأنها مستوحاة من اسم الرواية الروسية الشهيرة. 

في سلسلة تقارير، يتناول موقع إيران وير العلاقة بين إيران وروسيا في الفترة المعاصرة. وقد تناول الموقع حتى الآن تأثير انهيار الاتحاد السوفيتي على حكم علي خامنئي، ودور روسيا في برنامج إيران النووي، وتقسيم بحر قزوين. وفي هذا التقرير سنناقش العلاقات العسكرية بين البلدين.

إذا عدنا إلى تفسير الحروب بالوكالة حتى سبعينات القرن الماضي، سنجد أن الاتحاد السوفيتي قد خسر أمام الجيش الإمبراطوري الإيراني في معركة ظفار في سلطنة عمان، كانت ظفار معركة بين المتمردين الشيوعيين في عمان وبين الحكومة المركزية بقيادة السلطان قابوس، حيث كانت هناك محاولة للإطاحة بالحكومة المركزية وإقامة حكومة شيوعية في عمان من خلال إنشاء “جبهة تحرير ظفار” ودعم الاتحاد السوفييتي لها.

استطاع السلطان قابوس عبر دعوته للجيش الإيراني وتلبية “محمد رضا بهلوي” لهذا المطلب، أن ينتصر في حرب ظفار بمساعدة حاسمة من إيران، ومع ترسيخ أسس حكومته، تمكن من الحد من خطر النفوذ السوفيتي والنظام الشيوعي ليس في عمان فحسب بل في جنوب الخليج حيث كان هذا الخطر يتنامى عبر جنوب اليمن.

كان التعزيز العسكري للرئيس العراقي صدام حسين في غزو إيران نوعًا من رد الاتحاد السوفيتي على هزيمته أمام الجيش الإيراني في عمان، كان الاعتماد الأساسي لصدام وخاصة في الأشهر الأولى من الحرب، على الأسلحة الروسية والمساعدات السوفيتية، تمامًا مثلما قدمت الولايات المتحدة المزيد من المساعدة العسكرية لإيران ضد العراق.

كان من أولى الإجراءات الخارجية الإيرانية عقب وفاة “روح الله الخميني”، صفقة أسلحة سرية مع الاتحاد السوفيتي، تم إبرامها خلال زيارة “أكبر هاشمي رفسنجاني” لهذا البلد، كان هاشمي رفسنجاني لا يزال رئيس البرلمان الإيراني في ذلك الوقت، وبعد فترة وجيزة من هذه الزيارة وصفقات الأسلحة الخاصة بها – والتي ظلت سرية حتى يومنا هذا-، أجريت انتخابات رئاسية، وتابع هاشمي رفسنجاني، بصفته المسؤول التنفيذي الأول في البلاد، تنفيذ هذه الصفقة.

وقد أحالت الجمهورية الإيرانية تمرير هذه الصفقة إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام في إجراء مخالف للدستور حفاظًا على سرية هذه الصفقة، وذلك بحسب ما ورد في مذكرات هاشمي رفسنجاني عام 1990، وفي ظل فرض الولايات المتحدة عقوبات على الجمهورية الإيرانية لاحتجاز الرهائن ودعمها لتفجير في قاعدة مشاة البحرية الأمريكية في بيروت، وعدم بيع أي أسلحة أو معدات عسكرية لها، لبت الجمهورية الإيرانية احتياجها للمعدات العسكرية من الاتحاد السوفيتي الذي كان على أعتاب الانهيار.

وبعد ثلاثة عقود، تفاقم ظمأ الجمهورية الإيرانية للتعاون العسكري مع روسيا، لدرجة أنه ولأول مرة في تاريخ البلاد، سلمت إيران سرًا قاعدتها الجوية في همدان إلى القوات الجوية الروسية خلافًا للدستور الإيراني.

رئيس الحكومة السورية بشار الأسد

استخدمت الطائرات المقاتلة الروسية، الأراضي الإيرانية من خلال نقل معداتها إلى مدينة همدان، واستخدمت قاعدة “نوجه” الجوية سرًا لتنفيذ العمليات في سوريا، حتى تسرب الأمر إلى وسائل إعلام غير إيرانية، ومع فضح الأمر في إيران، كان يبدو أن القوات الجوية الروسية قد أخلت قاعدة همدان وغادرت إيران.

في نهاية عهد “حسن روحاني” الذي استمر ثماني سنوات، وبينما لم يكن من المقرر نشر المقابلة السرية التي أُجريت مع محمد جواد ظريف بشأن أهم مشكلات هذه الفترة، تم تسريبها إلى وسائل الإعلام واتضح أنه بينما كانت روسيا تقاتل في سوريا بسلاحها الجوي من أجل إبقاء “بشار الأسد” في السلطة ضد “الدولة الإسلامية” أو داعش، وكذلك معارضي الأسد المحليين، استغلت إيران وجرت فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني إلى حرب برية ومواجهة مباشرة ضد المعارضة السورية.

وأوضح ظريف في هذه المقابلة المسربة أن “قاسم سليماني” قائد فيلق القدس الذي اغتالته أمريكا لاحقًا في ضواحي بغداد في ديسمبر 2019، كان يرغب في زيارة موسكو وملاقاة “فلاديمير بوتين” قبل أشهر طويلة من إبرام الاتفاق النووي، لكن الروس لم يسمحوا له بالدخول حتى يتم التوصل إلى اتفاق، ووصف ظريف لقاء سليماني بـ بوتين بأنه كان تمهيدًا لجر إيران إلى الحرب البرية في سوريا.

في مثل هذه الحروب من الصراع الانفرادي المباشر، تتكبد القوات البرية خسائر في الأرواح مقارنةً بالقوات الجوية، ورغم تكبد الجمهورية الإيرانية خسائر بشرية بسبب مواصلتها التعاون العسكري مع روسيا، إلا أنها قد استغلت الفرصة لبناء قواعد عسكرية في مختلف المدن السورية المتاخمة للحدود الإسرائيلية.

بعد فترة، بدأت إسرائيل قصفًا جويًا لهذه القواعد، وبحسب ما تم تسريبه للإعلام، كان المسؤولون الإسرائيليون يبلغون القوات الروسية بخطة غاراتهم الجوية قبل لحظات من بدء الهجوم، وكانوا يوفرون المجال للهجوم الإسرائيلي على المواقع الإيرانية عبر التأكد من عدم وجود أي قوات لهم في المكان وإغلاق أنظمة الدفاع الروسية المستخدمة على الأراضي السورية.

قال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ذات مرة بصراحة عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الجمهورية الإيرانية والحرس الثوري يجب ألا يبقيا على الأراضي السورية لفترة طويلة، لقد استمرت الحرب بالوكالة التي بدأت في عمان بشكل مختلف في العراق ثم سوريا، لكن هذه المرة خسر الإيرانيون أمام الروس.

في هذه الفترة، باعت روسيا علنًا نظام دفاع جوي من طراز S-300 إلى الجمهورية الإيرانية، وقد تمت صفقة البيع قبل فرض العقوبات الدولية على البرنامج النووي الإيراني، ومع بدء هذه العقوبات في مجلس الأمن الدولي والتي وافقت عليها روسيا أيضًا، تم تأجيل تسليم النظام الدفاعي إلى إيران إلى ما بعد الاتفاق النووي.

على الرغم من أن الجمهورية الإيرانية كانت لا تزال تحت حظر التسليح الذي فرضته الأمم المتحدة، إلا أن روسيا في تفسيرها للهيكل الفني لأنظمة الدفاع الجوي، لم تعتبر S-300 مشمولًا في عقوبات الأمم المتحدة وسلمتها لإيران بعد الاتفاق النووي، ومع ذلك، فإن نظام S-300 كان قد عفا عليه الزمن أمام الجيل الجديد من هذا النظام.

في أكتوبر 2020، ومع رفع عقوبات التسلح التي فرضتها الأمم المتحدة على إيران بموجب القرار الأممي رقم 2231، سعت الجمهورية الإيرانية إلى شراء أسلحة روسية مرة أخرى، كما حدث في يونيو 1989 عندما زار هاشمي رفسنجاني موسكو.

بعد مرور عام على رفع حظر التسلح، أعلن رئيس الأركان العامة للقوات الإيرانية المسلحة اللواء محمد باقري خلال زيارته لروسيا، أن إيران وقعت اتفاقية مع روسيا لشراء طائرات مقاتلة وطائرات تدريب وطائرات هليكوبتر حربية، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد.

في العقد الأول من عمر الجمهورية الإيرانية، ساعد الاتحاد السوفيتي صدام في الحرب الإيرانية العراقية، وفي العقد الثاني، باعت سرا أسلحة لا تزال تفاصيلها غير واضحة للرأي العام، لكنها لم تلب حاجة إيران المُلحة للطائرات العسكرية، فقد اكتفت ببيعها نظام دفاع صاروخي.

بينما في العقد الرابع من عمر الجمهورية الإيرانية، جرَّت روسيا، عبر قاسم سليماني، إيران إلى حرب برية في سوريا. تلك الحرب التي يُقال إنها الحرب الأكثر دموية بعد الحرب الإيرانية العراقية لمقتل 6500 جندي إيراني خلال عملياتها العسكرية. هذا فضلًا عن تخلي روسيا عن إيران في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المستمرة على مواقع الحرس الثوري في سوريا.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد