ناشطون يشرحون الحملة الدعائية المعادية للبهائيين بعنوان “الطائفة الضالة”

“الطائفة الضالة”، ربما تكون قد سمعت بهذا المصطلح الذي استخدمته حكومة الجمهورية الإيرانية الإسلامية للتمييز وتقييد حريات مجموعات في المجتمع الإيراني، وهم أتباع الديانة البهائية، بحيث يُحرمون من حقوقهم الإنسانية الأساسية منذ الولادة حتى الموت،  كما يتم استخدام هذا المصطلح في الأحكام الصادرة عن المحاكم عندما يتم سجن البهائيين نتيجة معتقداتهم،  يُحرمون من التعليم الجامعي وأحياناً التعليم الثانوي، وتُغلق أعمالهم باستمرار، ويُمنعون من العمل في الشركات الخاصة وحتى لا يُسمح بدفن جثثهم في مقابر عامة، وبينما فرضت الجمهورية الإسلامية، عند استلامها زمام السلطة، هذه القيود ونفذت حكم الإعدام بأكثر من 200 بهائي، فإن التخلص من “الآخرين،” وخاصة البهائيين، له تاريخ أطول من عمر الجمهورية الإسلامية.

فريدون فهمان، عالم لغوي وباحث ومؤلف كتاب 175 عاماً من الاضطهاد: تاريخ البابيين والبهائيين في إيران، مهواش ثابت، واحد من سبعة بهائيين سُجنوا بين عامي 2008 و 2018 لإدارتهم شؤون الطائفة البهائية، وعرفان ثابتي باحث وعالم اجتماع، وسيمين فاهندج، المتحدثة باسم المجتمع البهائي الدولي في الأمم المتحدة وشابنام تولوي المخرج والممثل، وسبهر عطفي، صحفي وعضو في عائلة بهائية فقدت بعض أفرادها جراء الإعدامات التي نفذتها الدولة، و مهناز باراكاند، محامي حقوق الإنسان، اجتمعوا في نادي كلوب هاوس مؤخراً لمناقشة اضطهاد الجمهورية الإسلامية للبهائيين وإصرارها على تصنيفهم على أنهم “طائفة ضالة”،  أدارت الجلسة الناشطة في مجال حقوق الإنسان آسية أميني والصحفية في إيران وير عايدة غجر.

يُعقِد الاجتماع في غرفة “المحرمات الحكومية الصنع” في قناة نادي “عينه [Mirror]”، القناة تستضيفها المحامية، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، شيرين عبادي وآسية أميني وعايدة غجر كل أسبوعين، للاطلاع على المفاهيم التي أنشأتها الجمهورية الإسلامية، والمستخدمة لأغراضها السياسية والتي تتماشى مع أيديولوجيتها، ويتبناها كثير من الناس في المجتمع الإيراني والدوائر الفكرية.

تاريخ من الاضطهاد

لطالما تم انتهاك حقوق البهائيين على نطاق واسع، تظهر أجزاء من هذه الانتهاكات ويتكرر ظهورها في الأخبار، مثل الحرمان من التعليم وإغلاق الشركات والسجن ومصادرة الأراضي وحتى تدمير مقابر البهائيين، لكن هناك جزء آخر لم يظهر حتى في الأخبار، وهو تواطؤ قطاعات من المجتمع الإيراني في الافتراء ونشر الدعاية ضد البهائيين،  يأتي التواطؤ إما من خلال الاستمرارية النشطة لمثل هذه الإهانات أو الصمت الضمني عند حدوثها – وفي كلتا الحالتين تزيد هذه الإهانات من معاناة واضطهاد البهائيين.

الدعاية والاستعارات المعادية للبهائيين تعود إلى ما قبل تاريخ نشأة الجمهورية الإسلامية – فقد تم استخدامها خلال فترتي بهلوي وقاجار.

أوضح فريدون فحمان خلال الاجتماع في نادي كلوب هاوس أن كلمة “ضلالة” أو “ضال” دخلت الثقافة الدينية الإيرانية بعد وصول الإسلام.

“هذه الكلمة تعني في الأصل الجمل الضائع، لكنه تم اعتمادها تدريجياً في مفاهيم مثل التشرد، وفي القرآن أيضاً تعني الضلال، وقد ترجمت الكلمة مؤخراً على أنها مضللة، واليوم تستخدم بشكل خاص للبهائيين، وبشكل استثنائي للمتصوفين والإسماعيليين والمسلمين السنة، يحمل المصطلح في طياته سمات كان [رجال الدين في إيران] يروجون لها منذ أكثر من قرنين، ويشتمل مصطلح “الضال” اليوم مفاهيم مثل الكافر، والملحد، والمرتد، والنجس، والمعادي للدين، الانحطاط في العلاقات الجنسية وما شابه، هذه الكلمة لها خلفية في تاريخنا وليست فريدة من نوعها في الإسلام.

كما تناول فهمان الأحداث المشابهة في تاريخ إيران القديم من وجهة نظر لاهوتية واجتماعية: “لقد حدث مرات عديدة وصف بعض فئات المجتمع بأنها “مضللة” على أساس ديني، وبنظر رجال الدين فإن معظم الإبداعات الاجتماعية هي تطورات سياسية في ستار الدين  ومن أجل الدين أو في معارضة الدين، ولطالما كان تاريخ إيران دينياً منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا، كان الوضع نفسه قبل وصول الساسانيين [الذين حكموا إيران من القرن الثالث إلى القرن السابع الميلادي]، جاء الساسانيون إلى السلطة، ووجدوا مجتمعاً من مختلف التحالفات الزرادشتية والمسيحية واليهودية. سن رجال الدين الزرادشتيين قوانين لتوحيد المجتمع ووضع الديانة الزرادشتية في خدمة سياسة البلاد، لهذا السبب، سرعان ما أصبح الزرادشتيون معادين للسامية. لعب هذا … دوراً مهماً في العلاقات بين إيران والإمبراطورية الرومانية الشرقية [المسيحية] وتسبب في حروب استمرت لعدة قرون وانتهت بنهايتها السلالة الساسانية، أراد الساسانيون نشر الديانة الزرادشتية وقهر البلدان الأخرى، وكذلك فعل الأباطرة الرومان، لقد استخدموا الدين كذريعة لغزو الأراضي، لكن بسبب اعتمادهم على القتل جعلوا الناس يكرهون الدين، لهذا السبب اعتنق كثير من الإيرانيين الإسلام عندما دخل إيران، لأنه ساعدهم في النجاة من اضطهاد الزرادشتيين.”

مفهومي الآخر ومع بعض

عادت مهواش ثابت في تصريحاتها إلى أيام بدايات الثورة الإسلامية عام 1979، عندما كانت تبلغ من العمر 25 عاماً وتعمل كمعلمة: “كانت مخاوفي أقل في تلك الأيام، كنت متفائلة وشعرت أننا [إيران] ستُظهِر طبيعتنا كأمة سلمية وورعة … لكننا واجهنا العديد من المشاكل في إيران، بعد أن تم طردي بعد الثورة الثقافية عام 1980، انضممت إلى لجنة لرعاية الطلاب المطرودين، في جميع أنحاء إيران، تم طرد طلاب الجامعات [البهائيين] وطلاب المرحلة الثانوية الأخيرة، تسلل الذعر والقلق إلى المجتمع البهائي، وعلى الرغم من تفاؤلي، كنت مقتنعة أننا في ورطة.”

انضمت مهواش ثابت لاحقاً إلى المعهد البهائي للتعليم العالي، وهو جامعة غير رسمية أو “سرية” أنشأها المجتمع البهائي في عام 1987، لتقديم التعليم العالي للشباب البهائيين المحرومين من الالتحاق بالجامعة، عملت ثابت في هذه المؤسسة التعليمية لمدة 19 عاماً،  بالنسبة لها، أصبح طرد أو منع الطلاب من الجامعة نقطة محورية في الحياة الروحية للبهائيين والتي أظهرت استقلالهم ومرونتهم لبقية العالم،  تم سجن ثابت بسبب أنشطتها،  لكنها كانت أيضاً “فرصة” لها: “لقد سقط الحاجز العقلي بيننا وبين الإيرانيين الآخرين في السجن، كنا في عنابر السجن مع سجناء سياسيين ورجال ونساء مثقفين وناشطين، أراد البعض فصل ملابسهم عن ملابسنا لأنهم ظنوا أننا “نجسون”، لكن بعد فترة اعتذروا عن ذلك وأصبحوا أصدقاء مقربين، وفي السجن تعرفنا على بعضنا البعض، كانت تجاربنا الأكثر صدقًا خلال سنوات السجن.”

تم تطوير ثقافة الآخر ضد الأقليات الدينية – وصياغة المفاهيم والمحرمات من حولهم – بشكل منهجي وتم إضفاء الطابع المؤسسي عليها في إيران، ولكن في تجربة ثابت، أصبح هؤلاء السجناء صورة مصغرة متحولة للمجتمع الإيراني، ولسنوات ظل الإيرانيون صامتين بينما تقوم الجمهورية الإسلامية بقمع واضطهاد البهائيين – وفيما يلي لمحة عن تغيير جديد.

كسر المحرمات ضد البهائيين

مركز الدفاع عن حقوق الإنسان في إيران، والذي أسسته شيرين عبادي، كان في هذه الأثناء إحدى المنظمات التي كسرت هذا المحظور أيضاً من خلال الاتصال بالجالية البهائية وعرض تمثيلهم في المحكمة.

وتعليقاً على ذلك، قالت عبادي: ” منذ البداية كان مركز الدفاع عن حقوق الإنسان حساساً تجاه قضية البهائيين، [مواجهة] التمييز الديني كان دائماً مهماً بالنسبة لنا. عندما قبض على سبعة من قادة الطائفة البهائية في على إيران وقَبِلتُ تمثيلهم وكالعادة دعوت العديد من المحامين للانضمام إلينا، علمنا أنه يمكن اعتقال كل واحد منا بسبب عملنا، وانضم إلينا مهناز باركند وعبد الفتاح سلطاني، قبل قبول هذه القضية، كنا قد قمنا بتمثيل عدد من الطلاب [البهائيين] الذين طردوا من الجامعة، ولكن يا للأسف رغم أن القانون لا يمنع تعليمهم إلا أننا لم نتمكن من تأمين حقوق هؤلاء الشباب، وتعرض موكلي لضغوط لعزلي عن القضية وحاولت السلطات ثنيي عن متابعة القضية بشتى الطرق. فعلى سبيل المثال، نشروا إشاعة أن عبادي قامت بتغيير دينها، ووفقاً للقوانين القديمة للجمهورية الإسلامية فإن العقاب سيكون شديداً، بدأت هذه الشائعة في صحيفة كيهان، شعرت أنه كان فخًا لإجباري على التنحي عن القضية، لهذا كتبت رسالة إلى آية الله منتظري [رجل دين بارز] وسألت عما إذا كان المحامي المسلم يمكنه الدفاع عن غير مسلم، ورد بالإيجاب، قائلاً إنه إذا علم المحامي أن موكله بريء، فمن واجب المحامي الدفاع عن موكله، … لكن لم يُسمح لي بقراءة ملف قضية البهائيين لمدة عام وأربعة أشهر.”

وفقًا لقوانين الجمهورية الإسلامية، بينما لا تزال القضية قيد التحقيق، لا يحق للمحامي قراءة الملفات أو مقابلة العملاء الذين يواصلون الاستجواب، قالت عبادي إن المحقق في القضية، بعد محاولة عبادي الاطلاع على الملفات، سألها لماذا تدافع عن البهائيين، وقال المحقق “ابناء هذه الطائفة الضالة يضللون شبابنا، يؤسفني أن القانون لا يسمح بذلك، لكن لو كان مسموحاً، كنت سأقوم بقتل أطفالهم أيضاً.”

لم يكن أمام عبادي خيار سوى انتظار تسليم القضية لها “سبعة أشخاص [من البهائيين] اتهموا بالتجسس والعمل ضد الأمن القومي، والسبب علاقتهم بإسرائيل. يجب أن أذكر أن المركز الإداري والديني للبهائيين هو بيت العدل الأعظم في إسرائيل، عندما توفي نبي البهائيين، “حضرة بهاء الله”، لم تكن هناك دولة باسم إسرائيل وفلسطين وقتها كانت تحكمها الإمبراطورية العثمانية، وكانت حكومة قاجار قد نفت بهاء الله إلى فلسطين، وتوفي هناك، وبحسب العقيدة البهائية، يجب دفن الشخص حيث يموت، والاتهام ضد هؤلاء البهائيين السبعة، في الوقت نفسه، أنهم كانوا على اتصال ببيت العدل، ولم يكن هناك دليل [على هذا] في القضية المرفوعة ضد موكلي، بدأت المحاكمة بعد عام 2009 [والاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها] ولم أكن في إيران، حضر زملائي المحاكمة واستشرنا بعضنا البعض خلال فترة المحاكمة، وحُكم على موكلي الأبرياء بما مجموعه 20 عاما من السجن  كانت العقوبة الأطول في هذه المحاكمة لمدة عشر سنوات، لذا من الناحية القانونية، كان عليهم قضاء أطول عقوبة وتم سجنهم لمدة 10 سنوات كاملة.”

لقد تم استخدام الانتماء إلى “الطائفة البهائية الضالة” كتهمة ضد المواطنين البهائيين منذ وصول الجمهورية الإسلامية إلى السلطة.، في فبراير/ شباط 2019 قالت منظمة مراسلون بلا حدود إنها حصلت على وثيقة، عبر الأمم المتحدة، من القضاء الإيراني تُثبت بأن أكثر من 107 ملايين شخص اعتقلوا وسجنوا وأعدموا بين عامي 1979 و 2009، وكانت شيرين عبادي من بين أعضاء اللجنة التي تحققت من هذه الوثيقة،  تُظهر الوثيقة أنه خلال 30 عاماً ، تمت محاكمة أو اعتقال 5760 مواطناً إيرانياً في طهران وحدها بتهمة الانتماء إلى “الطائفة البهائية الضالة” وتم إعدام بعضهم.

الغالبية الصامتة

ولكن كيف تم تشجيع المشاعر المعادية للبهائيين والدعاية من خلال صمت أو تواطؤ المجتمع الإيراني الأوسع؟  ما الذي يفسر هذا الصمت؟

يقول عرفان سابتي: “في الكتاب المقدس، إنجيل مرقس، قرأنا أن يسوع قال لمرقس ألا يكون نبيًا غير مبجلا، إلا في بلده، بين أقاربه وفي بيته، تم تقديم نفس المبدأ من قبل مفكر عصر النهضة ميشيل دي مونتين في إحدى مقالاته الشهيرة، أن الرجل يمكن أن يكون من عجائب الدنيا، بينما زوجته وخدمه لا يرون فيه شيئًا مميزاً، قلة من الناس فاجأت أسرهم، وكثير من الناس مثيرون للاهتمام، لكن إذا كانوا قريبين منا في المكان والزمان، فربما لا نأخذهم على محمل الجد، لأن الناس غالبًا ما يكونون غير واعيين بأهمية من هو على قيد الحياة في الوقت حاضر، أنا أشير بشكل خاص إلى الطبقة المثقفة. انظر إلى ملاحظات المعاصرين والمؤرخين مثل تولستوي وسارة برنارد، المشهوران في القرن التاسع عشر، يثنون على حضرة الباب [مؤسس العقيدة البابية، مقدمًا للديانة البهائية] وقم بمقارنتها مع نقّاد أبناء الباب مثل فريدون أداميات وأحمد كسراوي”.

واستشهد سابتي بكتاب كسراوي وكتاب البهائية: “قال كسراوي إن حضرة الباب كان مضطرب الذهن، كان مغفلاً ووقحاً، وعاجزاً، ومبالغاً وكاذباً وجاهلًا وتافهاً ولا معنى له وقصير النظر وغبياً، وقال أيضاً: إن طاهرة قرة عين [شاعرة بابية مشهورة وشاعرة إيرانية من القرن التاسع عشر] كانت ذات عقل مضطرب. وقال إنه سهل إغواء المرأة بسرعة وكلما تم ابعاد هذه المرأة عن إيران كان ذلك أفضل. ذكر هذا في كتاب أخواتنا وبناتنا.  حتى فريدون ادميات، وهو مؤرخ إيراني علماني معروف، لم يتوقف عند هذا الحد، بل قام بتزوير وثيقة وادعى في كتابه أمير كبير وإيران أن الملا حسين هو أول شخص آمن بحضرة الباب وكان المذكور عميلاً وجاسوساً بريطانياً، وادعى ادميات بأن لديه وثائق تثبت هذه التهمة، لكن الاجتماع [مع البريطانيين]، الذي ادعى ادميات أنه حدث، من المستحيل أن يكون قد حدث لأن الملا حسين كان يبلغ من العمر 16 عاماً وقت الاجتماع المزعوم بينما كان حضرة الباب يبلغ من العمر 11 عاماً فقط.”

لذلك لعب المثقفون والعلماء دورًا في خلق المحظورات حول البهائيين وفكرة أنهم طائفة “مضللة” أو “ضالة” تقبض رواتبها من القوى الأجنبية.

التكاليف الشخصية للدعاية الإعلامية

في وقت لاحق من الاجتماع، تمت قراءة مذكرة كتبتها إلهام حبيبي، إحدى الناجيات من عائلة حبيبي، والتي اعتقل العديد من أفرادها في عام 1981 مع خمسة آخرين من الطائفة البهائية في همدان خلال المذابح الأولى لثورة عام 1979، وتعرض هؤلاء للتعذيب أمام بعضهم البعض حتى ماتوا، ألقت السلطات جثثهم أمام أحد مستشفيات مدينة همدان.

كانت إلهام شابة في المدرسة الثانوية لديها أحلام لمستقبلها، قبل أن يتغير عالمها، وقالت في هذه الملاحظة: “عشية سن الرشد، أقلب صفحات دفتر ملاحظاتي للمرة المئة، لربما في زوايا هذه الذكريات سيكون هناك شيء يهدئ قلبي، في كل مرة، أرى في هذه الصفحات فتاة مراهقة شغوفة وتعمل بجد ولديها آلاف الأحلام، تتمتع بالحب وتدرس وتستعد للذهاب إلى الجامعة، لديها خطط للعودة إلى مجتمعها للخدمة، لكن وبشكل فجائي، فشلت الخطط وبقي الطموح والتطلعات حلما، لأنها بهائية، ولكونها بهائية فهي محرومة من حقوقها الأساسية.، […] وما زلت الآن، بعد سنوات من تذكر إعدام والدي وفقدانه وحرماني من التعليم، إن قلبي ما يزال حزين لدرجة تعجز الكلمات عن التعبير، لا يوجد حتى مكان نذهب إليه للصلاة أمام قبورهم، لم تلتئم هذه الجروح أبدًا، أبدًا، أبدًا، ولن تلتئم أبدًا في حياتي، وستسيطر آثارها على روحي طوال فترة حياتي على هذه الأرض”.

كما حضرت الاجتماع سيمين فاهندج، ممثلة المجتمع البهائي الدولي لدى الأمم المتحدة، وقالت: إن مصطلح “الطائفة الضالة” لا يستخدم فقط في وسائل الإعلام والكتب المدرسية والتاريخ ضد البهائيين، ولكن أيضاً من قبل ممثلي الجمهورية الإسلامية في المحافل الدولية الذين استخدموا هذا المصطلح للإشارة إلى البهائيين. عند سؤالهم عن سبب اضطهاد البهائيين في إيران، يقولون إن البهائيين هم “طائفة ضالة” وغير معترف بها بموجب الدستور الإيراني، البهائيون متهمون ومدانون بنفس التهمة المهينة في المحاكم الإيرانية، يستخدم المصطلح ضد البهائيين لسببين: أولاً، إن تسمية البهائيين بطائفة يحرمهم تلقائياً من الهوية الدينية، ثانياً، تحاول الجمهورية الإسلامية تبرير اضطهاد البهائيين من خلال تسميتهم بمثل هذه المصطلحات، لكن حقوق المواطنة لا تستند إلى المعتقدات الدينية، ويجب أن يتمتع كل إنسان بحقوق المواطنة لمجرد كونه إنسانًا”.

وأشارت فاهندج إلى “الكراهية” كأداة للحكومات الاستبدادية لقمع الأقليات واضطهادها: “فُرضت موجة جديدة من الاضطهاد على البهائيين بعد ثورة 1979، وأعدم أكثر من 200 بهائي في السنوات الأولى وتم اعتقال الآلاف،  في أغسطس/آب 1980، تم اختطاف وإعدام تسعة أعضاء من المجلس الروحي الوطني للجماعة وهي الهيئة الحاكمة المنتخبة، كما تم اعتقال وإعدام عدد من الشخصيات البارزة في الطائفة البهائية المحلية، في عام 1983، دعا المدعي العام الإيراني إلى حل المنظمات البهائية وبناء عليه، قام المجلس الروحي الوطني بحل نفسه بدافع النوايا الحسنة، لكن مع بداية الثورة، تم طرد الموظفين البهائيين من الوظائف الحكومية والخاصة وقطعت معاشاتهم التقاعدية، وتم غصب البعض على إعادة رواتبهم ونهبت ممتلكات البهائيين وحتى مقابرهم”.

شبنام طلوي، وهي مشاركة أخرى في تجمع النادي، مُنعت من الأنشطة الفنية في إيران لأنها بهائية، لم تعد قادرة على التمثيل فغادرت وطنها، تقول طلوي: “سمعت من والدي، المولود عام1938، أنهم هاجروا إلى إحدى المدن [في إيران] وبعد أسبوع، قام أحدهم بطلاء جدار منزلهم بعبارة: “لعنة الله على الطائفة الضالة”، كانت هذه أول علامة شعرت بها عائلتي كدلالة على معاداة البهائية، في عام 2014، قال محمد جواد لاريجاني [سياسي محافظ بارز] إن السلطات الإيرانية لا تفعل شيئًا للبهائيين … كنت من بين أولئك الذين كتبوا له، لقد نشأت في  عائلة نصف مسلمة ونصف بهائية [وتعرضت للتمييز] … أعتقد أنه طالما أن مفهوم الأقليات موجود في إيران، في أي مجموعة وبأي وصف، فإن هذا التمييز سيستمر”.

وأعطت طلوي مثالا عن حدث مشابه في التسعينيات وذلك عندما بدأت لافتات تظهر على نوافذ متاجر البقالة تخبر الناس عما إذا كان البقال مسيحيًا، بحيث يمكن للإيرانيين الذين اعتقدوا أن المسيحيين “غير نظيفين” تجنب الشراء من متجرهم، قالت طلوي: “كنا من بين الذين عارضوا الرأي العام واشترينا منهم، لطالما اعتقدت أنني لست أقلية ولا أغلبية، أنا مجرد إيرانية، وباسم إيران، يجب أن نحظى جميعًا بحقوق متساوية.”

البهائية ليست بجريمة – حسب الدين الإسلامي

كان المتحدث التالي هو صديقة فاسماغي، مختصة في علوم الإسلام، وتحدثت عن سبب اختلاف المسلمين الشيعة مع البهائيين، وأدلت فاسماغي قائلة: “لقد سررت بلقاء بعض البهائيين في السجن وساعدني ذلك في معرفة المزيد عن معاناة مواطني بلدي، إنهم يساهمون في التنمية الثقافية لإيران بمثابرتهم وتماسكهم والمعاناة التي يتحملونها، ولكن هل هذا العداء وعدم التسامح مع المعتقدات الأخرى كالبهائية خاص بالدين الاسلامي، أم نراه في الديانات الأخرى؟ أن هذا التصرف موجود في جميع الأديان – من العصور القديمة إلى يومنا هذا. ومن أخطائنا في المجتمع البشري التعصب الديني وعدم التسامح تجاه أتباع الديانات الأخرى، كما أن المسلمين لم يقبلوا الدين الذي ظهر بعد الإسلام، وحتى في الديانة البابية ترى نفس الرفض للأديان الأخرى … وقد صحح الدين البهائي هذا الأمر، هذه القضية لها جذور تقليدية، ولكن الناس حاولوا تصحيح هذه الأخطاء – تمامًا كما حاول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إنهاء التمييز، في العالم الإسلامي، يشكل الفقهاء عقبة رئيسية أمام التطور الثقافي لأنهم فشلوا في تصحيح الأخطاء التقليدية والتاريخية، إن مبادئ السلام والحرية وحقوق الإنسان غريبة على الفقهاء”.

وأضافت فاسماغي أيضًا إن على البشر واجب تصحيح أخطاء الماضي: “اليوم، خطت الإنسانية خطوة كبيرة إلى الأمام ويعتقد كثير من الناس أنه لا ينبغي لنا أن نجعل حقوق الإنسان معتمدة على المعتقدات والجنس والعرق. ان هذه الإنجازات البشرية قد نتجت عن قرون من الصراع والشدائد – لم تكن بثمن بخس.  من المؤسف أن الأوصياء على الدين ورجال الدين ومدارس التعليم الديني لم يكونوا جزءًا من هذه الإنجازات الإنسانية العقلانية. وبدلاً من ذلك يعتبرونها نتيجة للكفر [بالله] وتأثير من الغرب – وهو نتيجة الجهل، لذلك ما زلنا نشهد هذه المشاكل في بلادنا لأبناء وطننا البهائيين”.

تولى مهناز باراكاند، محامي حقوق الإنسان، قضايا للدفاع عن البهائيين في نفس النظام القضائي الذي يديره هؤلاء الفقهاء، في الواقع، تعتبر الشريعة الإيرانية إحدى الطرق التي يتم بها تنفيذ هذا التمييز، بالإضافة إلى المحرمات التي تم إنشاؤها حول البهائيين، لكن هل معاملة البهائيين بهذه الطريقة لها جذور شرعية؟

يقول باراكاند إن التمييز ضد البهائيين ليس له أساس قانوني أو قضائي: “لا توجد أي مادة في قانون إيران الجنائي تعتبر الايمان بالدين البهائي جرماً – تمامًا كما أن كونك ناشطًا سياسيًا أو ناشطًا في مجال حقوق الإنسان ليس بجرم، وأن تكون درويشًا ليس بجرم أيضاً، لكن يتم التعامل مع كل هذه الجماعات بشكل جنائي ويتم التعامل معهم على أنهم تهديد أمني، يتم اعتماد نفس نوع الجرم لجميع هذه القضايا، وهي تعتبر قضايا أمنية، من قبل الأجهزة الأمنية. تعود المشكلة إلى البنية الأيديولوجية للدولة والدستور واعتماد النظام بأكمله على المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.  لقد أعطت هذه البنية قوة كاملة لشخص واحد، وحيثما كان هناك حديث عن حقوق وحريات الأمة، فإنه مشروط بمفاهيم غامضة مثل الأعراف الإسلامية.  وهذا يفتح الطريق أمام التمييز وتجاهل حقوق المواطنة للشعب الإيراني.  كما أن أجزاء أخرى من المجتمع – بخلاف البهائيين الذين ليسوا في هذا الهيكل – مثل الشيعة الذين لا يقبلون المرشد الأعلى يتعرضون أيضًا للحرمان والقيود”.

وتابع باراكند: “أود أن أذكر بعض الأمثلة على الاتهامات الموجهة إلى البهائيين، فالأمر متروك للمستمعين والجمهور للحكم. من بين التهم الانتماء إلى جماعة غير مشروعة أو” الطائفة البهائية الضالة” بهدف العمل ضد الأمن القومي. تتراوح تهديدات الأمن القومي من الدعاية ضد النظام إلى التجسس. وهناك العديد من القضايا التي يتم تقديمها بداية بنفس المصطلح العام ثم تزداد تدريجياً أثناء الاستجوابات حتى توجيه تهمة “العمل ضد الأمن القومي” للشخص الذي يتم استجوابه. وبناءً على تجربتي، إن التجمعات البهائية تعتبر تجمعاً وتواطؤاً ضد النظام والذي لطالما تم استخدامه لإدانة البهائيين. جميع هذه التهم تبدأ بـ “الانتماء إلى جماعة غير شرعية”، أو “إلى طائفة ضالة”، وأخيراً، يتم توجيه تهمة العمل ضد الأمن القومي. وبالتالي، في أذهان هؤلاء الناس، أن جميع البهائيين يعملون ضد الأمن القومي”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد