التضليل الإعلامي يكبح حماسة اللبنانيين لتلقي لقاح كورونا

بعد أسبوعين من تلقي الجرعة الأولى من لقاح “أسترازينيكا” الخاص بفيروس “كورونا” خلال شهر أيار من العام الحالي، تعرّض اللبناني جان معلوف لجلطة دماغية أودت بحياته.

هذه الواقعة شكّلت صدمة لدى الرأي العام في لبنان، بعد انتشار الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدث عن  الشاب جان أنه  لم يكن يعاني من أيّ مشكلات صحيّة، وقد سبق وفاته بأيام، خبر وفاة مواطن لبناني آخر اسمه محمود الحلبي حصل أيضاً على لقاح كورونا، لكن لم تُحدّد نوعية اللقاح الذي تلقاه.

عائلتا الضحيتين اعتبرتا في تصريحات إعلامية، أنّ اللقاح ضد الفيروس كان سبباً لوفاة ابنيهما، فيما كشفت وزارة الصحة العامة اللبنانية أنّها باشرت التحقيقات حول حالتي الوفاة للتأكد مما حصل والتحقق من وجود أيّ علاقة ما بين  اللقاح الوفاة التي تلت تلقيه خلال فترة قصيرة نسبياً.

إلى جانب هاتين الحالتين، انتشرت مجموعة أسماء لمواطنين لبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، قيل إنهم توفوا بعد تلقيهم لقاحات كورونا، فجرى تداول الخبر على نطاق واسع،  صحف لبنانية محلية كذبت الخبر بواسطة التحقّق من خلال الكشف عن تفاصيل هذه الأسماء وتفنيد حالات وفاتهم، من أجل عدم نشر الرعب في نفوس المواطنين.

وفي بيان لها، قالت وزارة الصحة اللبنانية في حينه إنّها تُحقق “في كل حالة يتم التبليغ عنها بخصوص الأعراض الجانبية الخطرة وغير الخطرة للقاحات، للتأكد من مدى ارتباط هذه الأعراض باللقاحات من الناحيتين العلمية والطبية”، مذكّرة بأنّ لبنان “من الدول القليلة التي قررت اعتماد هذا الإجراء أسوة بالدول المتقدمة”.

الوزارة كشفت أيضاً أنها تتقصّى “أسباب حالات الوفاة التي تناولتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ومدى ارتباطها بتلقي اللقاح”.

كان ذلك بداية شهر أيار/مايو 2021، لكن إلى اليوم لم تصدر نتائج التحقيقات، أو لم تأخذ مكانتها في وسائل الإعلام. 

وبعيد الحادثتين، كشف وزير الصحة اللبناني السابق حمد حسن (في 25/05/2021) أنّ الوزارة تدرس وفاة مواطن بعد تلقيه لقاح “أسترازينيكا” وهي تقوم بالتحقق من المعلومات الخاصة بوفاة ثمانية مواطنين آخرين تلقوا تطعيمات من شركات أخرى.

ويقول رئيس اللجنة الصحية النائب الدكتور عاصم عراجي لـ”إيران وير”  “بحسب ما أعلم، لم تكن النتيجة واضحة بعد، وحتى اللحظة فإنّ المؤشرات الأولية تظهر أنّ اللقاح لم يكن السبب المباشر خلف الوفاة”، مضيفا “يمكن أن يتسبب اللقاح بحالات وفاة واحتمالات ذلك بسبب لقاح أسترازينيكا هي بحدود 1 في المئة، وفايزر أقل من ذلك بقليل”.

ويضيف عراجي أنّ في بعض المرات، فإنّ “حبة أسبرين (مسيّل الدم) تتسبب بمضاعفات ولكلّ منتج دوائي حسناته وسيّئاته، لكن الحسنات هي أكبر بكثير وعلينا أن نعتبر ذلك دوماً”.

هذه الشائعات و شائعات أخرى أخّرت عملية تلقيح اللبنانيين، لأنّها دفعت بهم نحو الخوف من اللقاح بشكل عام، أو في بعض الحالات دفعتهم إلى التمييز بين لقاح وآخر، والانتظار المزيد من الوقت من أجل الحصول على هذا اللقاح دون ذاك، خصوصاً لناحية انتظار وصول دور الفئات العمرية بعد اعتماد وزارة الصحة مبدأ التدرّج في إعطاء اللقاح للأصحاء، من الأكبر إلى الأصغر.

خوف وهلع

 يقول الأستاذ الجامعي محمد فحيلي في اتصال مع “إيران وير”  “سجلت اسمي على منصة وزارة الصحة، لتلقي اللقاح الخاص بـ كورونا، ثم بعد أيام جاء الرد بالموافقة على لقاح أسترازينيكا حصراً، تشاورت مع طبيبي الذي اشترط أخذ مسيّل الدم قبل موعد اللقاح بنحو أسبوع ولمدة ٣ أشهر من بعده، نصحني أيضاً بالمحاولة للحصول على لقاح بديل”.

ويضيف فحيلي، هذا الكلام من الطبيب لم يشعرني بالراحة، إضافة إلى ما تمّ تداوله في وسائل الإعلام الموثوق بها، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لجهة تقدّم الشركة بمعلومات لا تعكس الواقع حول فعالية هذا اللقاح… فكان قراره النهائي بعدم أخذه!”.

أما نجوى وهي ربة منزل في نهاية العقد الأربعيني، فلم تتقدم إلى منصة “كوفاكس” (المنصة المعتمدة من وزارة الصحة اللبنانية لتلقيح المواطنين) للحصول على اللقاح إلاّ حينما أصبح لقاح “فايزر” متاحاً للفئة العمرية التي تقع ضمنها، لأنّ خوفها من بقية اللقاحات والحديث عن حالات وفاة بها حول العالم جعلها تتردّد في تلقي اللقاح سريعاً.

وتقول نجوى لـ”إيران وير” (49 عاماً) “تريّثت حتى أضمن حصولي على اللقاح الأكثر أماناً”. سألناها كيف علمت أنه كذلك، فقالت: “لا أعلم. أسمع هكذا من الناس ومن كل الأصدقاء الذين التقيهم”. 

وتابعت نجوى حديثها أنّها حتى حينما قصدت مركز التلقيح في “مستشفى المقاصد” في العاصمة بيروت للحصول على الجرعة الأولى من لقاح “فايزر” ترددت لأنها كانت تعاني من آلام في الرأس، وخوفها دفعها للاستئذان من الفريق الطبي لتأجيل الموعد، وهكذا حصل إذ كان مقرراً أن تحصل على لقاحها يوم الخميس، فأخّرت الموعد حتى يوم الاثنين.

تؤكد نجوى أنها كانت تشعر بالخوف رغم علمها بأنّ الحصول على اللقاح أفضل وأسلم من عدم الحصول عليه، لكنّ “الاضطراب والخوف كانا أقوى من المنطق”.

أم محمد سيدة ثمانينية تأبى الحصول على اللقاح بشكل كامل، وتعتبر أنّ صحتها لا تسمح بذلك على الرغم من أن سنّها يخولها أن تكون من بين أوائل اللبنانيين المرشحين للحصول على اللقاح، سألناها هل، أخذت نصيحة صحية من طبيبها أو إن كان هو من نصحها بذلك؟ فتردّ: “لا أريد اللقاح أبداً، حبة الدواء تتسبّب بطرحي في الفراش لأيام، فما بالك باللقاح؟… لا أريده”.

هذا الأمر لم ينسحب على هذه السيدة، بل أنّ هذا الجو الترهيبي من اللقاح طال أولادها أيضاً، فتخبرنا أم محمد أنّ ابنتها وابنها يسيران على خطاها، وهما يفضلون عدم الحصول على أي لقاح أيضاً، ويلتزمون بإجراءات الوقاية وعدم الاختلاط، ويعتبرون أنّ ذلك ربّما يكون كافياً.

وفي هذا الصدد، كشف رئيس اللجنة الصحية النائب الدكتور عاصم عراجة لـ”إيران وير” أنّ “نحو 8 أشهر مرّت منذ أن بدأوا بحملة التلقيح، وحتى اليوم ما زال رقم المسجلين لتلقي اللقاح يراوح بين 30 إلى 31% من تعداد السكان في لبنان، وهذا يؤكد أن الناس ما زالت مترددة”.

 ويشير عراجي إلى أنّ هذا مؤشر غير صحيّ ولا يجوز أبداً، وإذا لم يصلوا إلى مستويات المناعة المجتمعية، فسوف يواجهون الكثير من الأخطار، خصوصاً أنّ المتحوّرات الجديدة مثل دلتا وغيره هي سريعة الانتشار وتنقل العدوى بثواني، كما أنّ حديتها أكثر من المتحورات السابقة”.

وأشار وزير الصحة السابق حمد حسن إلى أن “هناك 900 ألف شخص سجلوا على المنصة ولم يتلقوا أيّ جرعة لقاح حتى الآن”، داعياً من سجل على المنصة ولم يحضر في موعده إلى “إعادة التسجيل ووضع رقم هاتف آخر”، وقال إنه “ليس لدينا كميات كبيرة من لقاح أسترازينيكا”، معلناً أنه “بحلول منتصف يوليو سنصل إلى نسبة 70% من المناعة المجتمعية”، لكن هذا الأمر لم يتحقّق!

وبدوره كشف رئيس “لجنة لقاح كورونا في لبنان” الدكتور عبد الرحمن البزري، أنّ “إقبال المواطنين اللبنانيين على تلقي اللقاحات ليس حتى اللحظة من ضمن التوقعات”، وقال البزري في اتصال مع “إيران وير” إنّ المسجلين على المنصة حتى تاريخه “هم نحو 2.7 مليون مواطن، فيما المتوقع كان الضعف، أي نحو 5 مليون مواطن”.

ويعزو البزري هذا الأمر إلى ثلاثة  أسباب، و يلخصها على الشكل التالي:

1.   الحملة ضد اللقاحات غير مبررة، وخصوصاً من جانب بعض الأطباء اللبنانيين غير المتخصصين في مجالات الفيروسات الذين سمحوا لأنفسهم بالتشخيص في هذه الجائحة.

2.   القصور التكنولوجي لدى الكثير من المواطنين الذين عانوا من صعوبات في الولوج إلى المنصة الإلكترونية  في شبكة الإنترنت إن كان بواسطة الهواتف الذكية أو بواسطة أجهزة الكومبيوتر، وهذا تسبّب بعدم إقبال الناس على تلقي اللقاح.

3.   عدد من اللبنانيين الذين استبقوا وصول اللقاح إلى لبنان بواسطة وزارة الصحة، فإمّا تلقوا هذه اللقاحات خارج لبنان، أو من خلال القطاع الخاص وعلى نفقتهم الخاصة، وفي كلتي الحالتين، تظهر أعدادهم على منصة وزارة الصحة، ما يعني أن الأعداد الملقحة باتت أكبر من الأرقام المعلنة.

وتُظهر بيانات وزارة الصحة اللبنانية، أنّ عدد المسجلين على منصة التلقيح لغاية 3/10/2021  كان نحو 2.7 مليون شخصاً، لكن الذين تلقوا الجرعة الأولى من اللقاح لا يتخطى عددهم 1.7 مليون فقط، في حين أن عدد الذين تلقوا الجرعتين هو 1.4 مليون، أي نحو 26.5 بالمئة فقط، مع العلم أنّ عدد المصابين في لبنان وصل إلى 543 ألفاً، في حين بلغ عدد الوفيات جراء هذا الفيروس نحو 7832 شخصاً.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد