قناة هوسا TV.. بروباغندا النظام الإيراني في أفريقيا

دانيال كيوان فر – إيران وير 

عين المرشد الأعلى “علي خامنئي” “بيمان جبلي” مديراً جديداً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية؛ في 29 أيلول/سبتمبر من العام الجاري، وأحد أبرز الأمور في سجل المدير الجديد هو إطلاق قنوات عابرة للحدود الإيرانية، الأمر الذي تَعتبره كثير من وسائل إعلام النظام الإيراني ألمع ما قام جبلي. 

وإحدى تلك القنوات هي القناة الإنترنتية “هوسا TV”، فما هي هوسا TV وما البرامج التي يقدمها النظام الإيراني لجمهور هذه القناة؟

هوسا TV قناة مزدوجة اللغة، يقول عنها مسؤولو هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية إنها تخاطب الجمهور الأفريقي الناطق باللغة الهوسية السائدة في كلٍّ من نيجيريا وليبيريا وغانا وبوركينافاسو والنيجر وساحل العاج وتشاد والسودان وتوغو. واللغة الأولى والرئيسة في بعض هذه الدول هي الإنكليزية، وتمثل اللغة الهوسية لغةً ثانية فيها. وفي ما يتعلق بعدد الناطقين باللغة الهوسية تتراوح التقديرات بين 35 مليوناً إلى 200 مليون نسمة.

يصرح القائمون على التلفزيون الإيراني أن هدف هوسا TV هو مكافحة إيرانوفوبيا والترويج لخطاب النظام الإيراني، وبالتالي تتركز أنشطتها في هذا المجال، وفضلاً عن اللغة الهوسية، تبث هذه القناة برامجها باللغة الإنكليزية أيضاً.

كيف تأسست هوسا TV؟

إن الدائرة المعنية بالشؤون العابرة للحدود في هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية هي أحد أهم أقسام هذه الهيئة؛ تُنتج وتَبثّ برامج مختلفة لجماهيرها خارج إيران، وتتضمن هذه الدائرة عدداً كبيراً من الإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإنترنتية.

أما في ما يتعلق بأسباب إطلاق هوسا TV فيقول مؤسس قناة “آي فيلم” الذي أصبح في ما بعدُ مديراً لقناة هوسا TV في مقابلة أجراها مع وكالة “فارس” للأنباء بتاريخ 19 يونيو/حزيران 2017: “جميع السنّة تقريباً في نيجيريا يظهرون حبَّهم لإيران، ويُعرَف الشيعة في نيجيريا بالخمينيِّين بسبب شغفهم بنظام الجمهورية الإيرانية، ولهم حضور وافر في المراسم والطقوس الدينية هناك؛ فالمسيرات المليونية في مراسم الأربعين وعيد القدس، وكذلك مشاركة المسيحيين إلى جانب المسلمين تنمّ عن الروح المطالبة بالحق والعدالة التي تتمتع بها شعوب تلك الدول. ومع وجود انقسامات واختلافات بين أتباع الأديان والمذاهب المختلفة في نيجيريا إلا أنهم جميعاً يتفقون في قضية واحدة؛ وهي احترام هويتهم الأفريقية وكره إهانة ذوي البشرة السوداء والتمييز العنصري العرقي. وفي الآن ذاته يُبدون احتراماً فائقاً لنظام الجمهورية الإسلامية بوصفه رمزاً لمجابهة الاستكبار والاستعمار”.

في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2017 أعلن التلفزيون الإيراني رسمياً عن أن القناة الفضائية “Hausa TV” بوصفها أول قناة إيرانية خاصة بأفريقيا بدأت برامجَها التجريبية في العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي.  

وفي 5 أغسطس/آب 2018 قدّم قسم العلاقات العامة في هوسا TV تقريراً عن طريقة أنشطة هذه القناة جاء فيه: “مؤخراً انتهت بنجاح الدورة التدريبية لمذيعي القناة باللغة الهوسية. وتم اختيار مذيعيها الأفارقة من الأكاديميين المتخصصين المقيمين في إيران الذين اكتسبوا في الأشهر الأخيرة مهارات تقديم البرامج التلفزيونية في قناة هوسا TV”.

أثارت أنشطة هوسا TV المقدَّمة في إطار إنترنتي للجمهور الأفريقي وكذلك طريقة بثّ الأخبار الموجَّه أو ما يُطلَق عليه بروباغندا النظام الإيراني موجةَ احتجاجات على وسائل الإعلام الأفريقية.

وفي أغسطس/ آب 2018 نَشرت صحيفة الأهرام، إحدى أشهر الصحف العربية، مقالة لـ “أشرف عبد المنعم” الصحفي المصري البارز، تطرق فيها بشكل خاص إلى القناة الأفريقية للنظام الإيراني. جاء في هذه المقالة قوله: “هوسا TV سلاح إيراني إعلامي جديد، وهذه المرة يَستهدف أفريقيا الغربية”. 

وفي مقالته هذه يَعتبر الكاتب هوسا TV رمزاً لمطامح النظام الإيراني الرامية إلى تحويل ملايين الأفارقة إلى “شيعة” و“أعداء الآخرين”.

وفي قسم آخر من المقالة يشير إلى حسينيات يَنشرها النظام الإيراني في جميع أرجاء الدول العربية، كما يشار إلى إحداث شبكة من المدارس والمشافي والشركات التجارية في جميع أرجاء مناطق المتحدثين باللغة الهوسية، وبالتالي فإن هذه المساعدات الاقتصادية والعسكرية وحالياً الإعلامية تحاصر عرب شمالي أفريقيا.

في 30 ديسمبر/كانون الأول 2018 أعلنت العلاقات العامة لقناة هوسا TV: “حالياً لدينا برامج تُبثّ لست ساعات يومياً، ويتم تكرارها ثلاث مرات ليلاً نهاراً بحسب التوقيت المناسب لدول القارة الأفريقية”.

وفي مقابلة مع وكالة “تسنيم” في أبريل/نيسان 2020 صرح بيمان جبلي قائلاً: “إن رغبة واستعداد الشعب الأفريقي لإقامة العلاقة مع إيران والثورة الإسلامية وجبهة المقاومة يَتطلب وسائل إعلام متنوعة تشمل دائرة أوسع، وما هوسا TV إلا واحدة من تلك الوسائل الإعلامية، وجمهورنا يلح جادّاً في البث الفضائي والتلفزيوني. وكلنا أملٌ في توفير ميزانية لبث هذا القناة فضائياً”، لكن البث الفضائي لم يتحقق حتى الآن علماً أن تواريخ مختلفة أُعلِنت له.

في 19 أبريل/ نيسان 2020 أعلن محمد رضا حاتمي مدير قناة هوسا، أن “مهمة هذه القناة العابرة للحدود تَكمن في دعم توسيع نطاق العلاقات بين إيران وبين دول القارة الأفريقية وفي مكافحة تيار إيرانوفوبيا وإسلاموفوبيا”. 

وبعد ذلك بعدة أيام كتبت صحيفة “كيهان” في افتتاحية مقالها: “دفاعاً عن الإنسانية وحقوق الإنسان لا بد من وجود قناة مثل هوسا TV لإيصال صوت المظالم الواقعة بحق شعوب تلك البلاد”.

في 6 أبريل/ نيسان 2021 اعتبرت وكالة فارس في تقرير لها أن “نسبة زيارة موقع هوسا TV ومرتبتها العالمية أفضل بما يقارب 28 ضعفاً من أكثر المواقع مشاهدة وهو القناة الهوسية المحلية آريوا 24، وما يقارب 49 ضعفاً للموقع الهوسي الأمريكي VOA، وأن هذه القناة صارت إحدى أكثر القنوات مشاهدةً في القارة السمراء”، لكن هذه الرؤية لا يتناسب مع الواقع والحقيقة يصورة تفوق الحد.

كم هي موازنة قناة هوسا وما مصدر تأمينها؟

يكاد يكون مستحيلاً الجواب عن سؤال ما هي كمية المبلغ المحدد من الموازنة العامة المخصصة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، ذلك أن مدير هذه الهيئة يتم تعيينه مباشرة من قِبَل المرشد الأعلى، وعليه فهو لا يتحمل أي مسؤولية أمام أحد باستثناء خامنئي. وفي السنوات الأخيرة يتم توجيه انتقادات كثيرة لدرجة وطريقة صرف أموال هذه الهيئة لكنها جميعاً تبقى بلا إجابات مقنعة.

في 1 أبريل/ نيسان 2019 أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية أن البرلمان وافق على تخصيص عدة ملايين يورو لهيئة الإذاعة والتلفزيون من مصادر صندوق التنمية الوطنية، وقد وصل هذا الرقم في العام الجاري إلى 150 مليون يورو. تأسيساً على ذلك يمكن التكهن بأن جزءاً من هذا المبلغ يُخصَّص للقنوات العابرة للحدود؛ قنوات مثل هوسا TV و“العالم” السورية التي قال عنها بيمان جبلي في مقابلة له مع وكالة “مهر” في العام 2021 إن “أحد الأسباب المهمة في إطلاق قناة العالم السورية وأحد العوامل الذي ضاعف رغبتنا وحافزنا في إطلاقها هو تأكيد قاسم سليماني من أجل الحفاظ على منجزات محور المقاومة”.

ما تُروجه قناة هوسا TV للشعب الأفريقي

أحد أهم استعمالات هوسا TV هو ارتباطها بالترويج لأفكار رجل الدين الشيعي المقيم في نيجيريا، الشيخ “إبراهيم زكزاكي” زعيم الحركة الإسلامية في نيجيريا والمدعوم إيرانياً.

في قسم “من نحن” في موقع هوسا TV نقرأ ما يلي: “هدف هوسا TV الرئيس هو عرض دروس طريقة العيش للمشاهدين الأفارقة وكذلك مجابهة إيرانوفوبيا في هذه القارة وتطوير العلاقات الأكثر تعزيزاً بين إيران وأفريقيا”.

يُشار إلى أن بثّ خطابات كلٍّ من خامنئي و“حسن نصر الله” زعيم حزب الله اللبناني، والشيخ زكزاكي دائماً ما يَكون على أجندة هذه القناة، ويكفي المخاطبَ غيرَ الأفريقي إلقاءُ نظرة على برامج موقع هوسا حتى يشعر بالصدمة، وإن كان ممكناً أن تبدو طبيعية للجمهور الأفريقي غير المطلع على الداخل الإيراني.

في مادة نُشِرت باللغتين الإنكليزية والهوسية على موقع هوسا في 19 يونيو/حزيران 2021، أيْ بعد يوم من الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ومن دون الإشارة إلى عزوف أكثر من نصف المؤهلين عن التصويت كَتب الموقع: “ها هو الشعب الإيراني الغيور يُشارك مرة ثانية بحماس في الدورة الثالثة عشرة من الانتخابات الرئاسية منذ انتصار الثورة الإسلامية. وقد تجلت حماسة حضورهم في مراكز الاقتراع حتى قبل فتحها، إلى درجة مشاهدة طوابير طويلة أمام تلك المراكز في جميع أرجاء البلاد. وقد انضم في هذا اليوم الوطني العظيم أتباع جميع الأديان، كاليهودية والمسيحية والزرادشتية، إلى إخوتهم المسلمين كي يقولوا كلمتهم بشأن مستقبل وطنهم السياسي. وكان كثيرون من الناخبين يحملون في أيديهم صورة البطل القومي قاسم سليماني المحبوب كثيراً والذي اغتالته القوات الأمريكية الإرهابية في العام الماضي”.

ارتباطاً بالموضوع الأخير، يمتلئ موقع هوسا على نحو مكرر وغريب بموادَّ وتقاريرَ في مدح قاسم سليماني؛ ففي أحد الوثائقيات يُوصَف قاسم سليماني بالرجل الاستراتيجي الذي قدّم مخططاً تاماً لتوسيع نطاق سلطة ونفوذ النظام الإيراني بعد الحرب الإيرانية العراقية التي استغرقت ثماني سنوات. كما أن هناك مقاطع فيديو موسيقية كثيرة باللغتين الإنكليزية والهوسية عن القائد السابق لفيلق القدس الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني. فضلاً عن أن مواد ووثائقيات ومقاطع فيديو كثيرة ضد إسرائيل تُعرَض على هوسا TV.

إحدى المواد الفظيعة على هذه القناة هي نشر أخبار متعلقة بهجوم الحرس الثوري الصاروخي على الطائرة الأوكرانية الذي راح ضحيته 176 شخصاً في يناير/كانون الثاني 2020. تَرِد في عدة مواد منشورة بهذا الشأن عبارات مثل “السقوط المفاجئ” و“السقوط صدفةً”. 

وفي 16 يناير/ كانون الثاني 2020، أيْ بعد 12 يوماً من إسقاط الطائرة بصواريخ الحرس الثوري، نَشر موقع هوسا تقريراً لأستاذ في وسائل الإعلام في جامعة كوفينتري، جاء فيه أن “مسؤولية سقوط الطائرة الأوكرانية المدنية غير المتعمَّدة تَقع على عاتق ‘دونالد ترامب’، الرئيس الأمريكي السابق. وهذا الحدث المرير يُنسَب على نحو مباشر إلى النظام الأمريكي المجرم الذي قام بعمليات مخادعة فأحدث خللاً في نظام القيادة والتحكم بنظام الدفاع الصاروخي الإيراني. وبالتالي تُضاف هذه الجريمة الكبرى إلى قائمة جرائم هذا القرن التي لا نهاية لها”. 

ويتابع التقرير مشيراً إلى احتمالية قيام أمريكا بحرب إلكترونية، ويكتب: “هناك شواهد تفيد بدور الولايات المتحدة في الحرب الإلكترونية في إسقاط الطائرة الأوكرانية ومقتل المواطنين الإيرانيين ومواطني بقية الدول. ومن هذه الشواهد إظهار الطائرة للرادار بوصفها صاروخَ كروز وقطع التواصل بين النظام الدفاعي مع القيادة”.

بعد ذلك بأربعة أيام، كتب الموقع في 20 يناير/ كانون الثاني: “هناك احتمالية هجوم سيبراني قامت به كل من أمريكا وإسرائيل كان له دور في سقوط الطائرة الأوكرانية بالصدفة في أوائل الشهر الجاري. وبالنظر إلى ما حدث في صباح ذلك اليوم في طهران يمكن افتراض أن شيئاً أو أحداً تدخل عمداً في نظام الدفاع الصاروخي وفي جهاز الإرسال الجوي كي يُظهِر إيرانَ مسؤولةً عن هذا السقوط”.

ليست قليلةً هذه الأمورُ في قناة وموقع هوسا، وتم تكرار هذه الطريقة في التعامل مع أوضاع كورونا في إيران أيضاً؛ ففي مايو/أيار 2021 وكانت جائحة كورونا على مشارف الدخول في الموجة الخامسة في إيران كتب هوسا: “إيران من الدول القليلة المصنِّعة للقاحات المضادة لكوفيد-19. وفي وقت كان العالم يعيش في ظل جائحة تَفوق كارثيتها كلَّ بلاء طبيعي آخر وكان يبدو أنها خرجت عن التحكم فإذا بالشعب الإيراني يقاومها ويَتحكم بها من خلال إنتاج وصناعة اللقاحات المضادة لها. كان كثير من الدول غير مستعدة بهذا المستوى، وكان هناك سباق من أجل الوصول إلى حل، لكن إنتاج وتطعيم اللقاح الإيراني قدّم الحلول للشعب الإيراني وأزال عنه المخاوف”.

في الشهر نفسه ظهر مقطع فيديو خبري يَزعم أن “إيران من الدول المتقدمة في مجال لقاحات كوفيد-19. وسيتم إنتاج أنواع متعددة من اللقاحات المصنَّعة في إيران في شهر سبتمبر/أيلول وستصبح إيران قطباً في إنتاج اللقاح على مستوى العالم”.

ولكن بعد تفاقم عدد الوفيات إثر الإصابة بكورونا في إيران غيّر هذا الموقع، حالُه حالُ كثير من المسؤولين الإيرانيين ومن بينهم خامنئي، موقفَه واعتبر أن أزمة كورونا ناجمة من العقوبات وعدم تسليم اللقاحات الأجنبية لإيران، وكتب: “لم يَفِ المنتجون الأجانب للقاحات المضادة لكورونا بوعودهم في بداية الأمر وامتنعوا عن بيعها لإيران. وتذرعت الدول الأجنبية بالعقوبات كيلا يُسلِّموا اللقاحات التي اشترتها إيران مسبقاً”. 

وفي أغسطس/آب 2021 أطل موقع هوسا مرة أخرى بتقرير زعم فيه عدم فاعلية اللقاحات المصنَّعة في أمريكا وبريطانيا وقال: “يَذهب مفعول لقاحات كوفيد-19 الأمريكية والبريطانية في غضون ستة أشهر. وبحسب باحثين بريطانيين فإن الحصانة ضد كوفيد-19 بلقاحَـي فايزر وأسترازينيكا تَزول بعد ستة أشهر من التطعيم”.

يبلغ الكذب والمعلومات المغلوطة في هذا الموقع والقناة مبلغاً يَجعلك تَقف عليه حتى لو اخترت عشوائياً مادة تقرؤها أو مقطع فيديو تشاهده. الأكيد والمسلَّم به أن قناة هوسا TV كغيرها من وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام الإيراني أداةٌ في تطوير بروباغندا نظام يَزعم أن له نفوذاً إيديولوجياً في جميع أرجاء العالم.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد