طريق المفاوضات الإيرانية المسدود ودور روسيا السلبي المتفاقم فيها

فرامرز داور – إيران وير

مع بدء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك التقى أعضاء الدول الأعضاء في الاتفاق النووي الإيراني مع بعضهم، والتقى “حسين أمير عبد اللهيان”، وزير الخارجية الإيراني الجديد، مع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعة 4+1، لكن لم يَشهد الأمرُ أية مفاوضات جماعية بين الأطراف الـمَعنية.

ما يزال نوع من الوضعية الخاسرة والطريق المسدود في الملف النووي الإيراني مستمراً، لكن روسيا تَسعى إلى تعميق دورها في هذا الملف.

“جو بايدن” و “إبراهيم رئيسي”، رئيسا الولايات المتحدة وإيران على التوالي، لم يتحدثا في مداخلتهما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن شيء جديد حول مباحثات إحياء الاتفاق النووي، مُكتفيَين بالإشارة إلى ضرورة إحيائه شريطة تعاون جميع الأطراف المعنية.

وغيرُ خافٍ على المراقبين أن الذي أوصل مفاوضات إحياء الاتفاق النووي إلى طريق مسدود هو حصيلة تطوير البرنامج النووي الإيراني وكذلك امتناع الولايات المتحدة عن رفع العقوبات غير النووية المفروضة على إيران في عهد “دونالد ترامب”، الرئيس الأمريكي السابق، لكن لا إيران في وضع يَسمح لها بالإعلان عن أنها فقدت الأمل تماماً من إحياء المفاوضات، كما لا يبدو أن لدى أمريكا إجراء جديداً في التعامل مع هذا الموضوع.

وفي وقت يَكون فيه الطرفان، إيران وأمريكا، في وضعية الجمود، فإذا بروسيا تُطلّ مُبديةً عن دورها في هذه المفاوضات خطوةً بخطوة، وتبتعد شيئاً فشيئاً عن كونها الداعمَ الرئيس للنظام الإيراني، فها هو “ميخائيل أوليانوف”، السفير الروسي في المنظمات الدولية الكائنة في فيينا ومنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية والذي حضر محادثات إحياء الاتفاق النووي في ربيع 2021، ينتقد في تغريدة له على التويتر تَتضمن تهديداً مبطَّناً حول إطالة عملية استئناف المفاوضات، قائلاً إن روسيا تطالب باستئنافها من حيث توقّفت، ما تُشير إليه تصريحات السفير الروسي هو أن روسيا، خلافاً لتصريحات “علي خامنئي” النارية والانتقادية لنتائج مفاوضات إحياء الاتفاق النووي في فيينا، لا تُبدي رغبة في التفاوض على قضايا تم اتخاذ القرارات بشأنها سابقاً،

أما “عباس عراقجي”، كبير المفاوضين الإيرانيين في إدارة “حسن روحاني” الذي أعفي من منصبه في إدارة إبراهيم رئيسي،  أعلن في آخر مفاوضات غير مباشرة أجراها مع الولايات المتحدة أن أطراف التفاوض في فيينا توصلت إلى النص النهائي للاتفاق وأن الاختلافات المتبقية منوطة باتخاذ العواصم ولا سيما واشنطن قراراتها.

مع هذه التصريحات كان التكهُّن قائماً على أن أمريكا وإيران على أعتاب إحياء الاتفاق النووي، ما يعني عودةَ إيران مرة أخرى إلى القيود المفروضة على برنامجها النووي، ورفْعَ أمريكا العقوبات النووية المفروضة في عهد دونالد ترامب، لكنْ خلافاً للتوقعات أطلّ خامنئي في آخر لقاء له مع إدارة روحاني بتصريحات غير مسبوقة واصفاً المفاوضات كلها بالفارغة، قائلاً إن الاتفاقيات المتحصَّلة ليست شيئاً يوافق عليه النظام الإيراني: “يَعِد الأمريكيون برفع العقوبات لكنهم لم ولن يرفعوها، ليس هذا فحسب، بل يشترطون إدراج عبارة تُفيد بالحديث عن بعض الموضوعات لاحقاً، وإلا فلن يبرموا اتفاقاً، وهم بذلك يَسعَون إلى التمهيد لتبرير تدخلاتهم اللاحقة في أصل الاتفاق النووي وفي برنامجنا الصاروخي وقضايانا الإقليمية، وحينها إذا لم ترغب إيران في التحدث في هذه المسائل فسيقولون لنا إنكم نقضتم الاتفاق فلا معنى له”.

وبعد هذه التصريحات قام “كاظم غريب آبادي”، السفير الإيراني في الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمرافق لعراقجي في المفاوضات، بإيضاح أن أمريكا تَشترط رفع العقوبات عن الحرس الثوري الإيراني ببند يبدو مرتبطاً بالبرنامج الصاروخي البالستي الإيراني.

كان المفاوضون في فيينا قد وصلوا إلى مرحلة انتهت فيها صياغة ثلاثة وثائق وبيان واحد من أجل إحياء الاتفاق النووي، أما الوثيقة الأولى فهي مرتبطة بالتزامات إيران بخفض تطوير برنامجها النووي والتراجع عنه، والوثيقة الثانية تضمنت إجراءات أمريكا في رفع العقوبات المفروضة من عهد ترامب، والوثيقة الثالثة تدور حول التدابير التنفيذية لكل من إيران وأمريكا، أما البيان فيتعلق بالإعلان عن الوصول إلى الاتفاق النووي.

يمكننا أن نستشف من تصريحات المسؤولين الإيرانيين غير المباشِرة أن التفاوض على البرنامج الصاروخي كان قد أُدرِج في مسودة بيان الإعلان عن إحياء الاتفاق النووي وكان يُعدّ أحد المواضيع المختلَف فيها والتي قال عراقجي إن على العواصم اتخاذ القرار بشأنها.

ومنذ ذلك الوقت حتى الآن قامت إدارة رئيسي بتغيير الفريق المفاوض، فأمسى حسين أمير عبد اللهيان وزير الخارجية الجديد، وكان جندياً لـ “قاسم سليماني”، قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري، وأصبح “علي باقري كني”، من أعضاء عائلة خامنئي وأحد المعارضين اللدودين للاتفاق النووي، معاون وزير الخارجية، وخلف عباس عراقجي، والاثنان يعارضان الاتفاق النووي بنداً بنداً.

أما أطراف الاتفاق النووي الأوروبيون، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيتحدثون عن ضرورة العودة إلى المفاوضات، وكذلك الصين تنتهج هذه السياسة إلى حدٍّ ما، أما روسيا فتتخذ مساراً آخر، فتُصرح علناً بوضع حدود للاستمرار في المفاوضات، وتلوِّح برفض التفاوض على موضوعات تم الاتفاق عليها في وقت سابق.

يشار إلى أن روسيا اتخذت في زمن تفاوض إيران مع مجموعة 5+1 أيضاً موقفاً صارماً للغاية حيال مطالب النظام الإيراني، فهي على سبيل المثال لم تكن موافقة على تأسيس شركة تجارية تنتج المحروقات النووية، أو على إزالة عقوبات مجلس الأمن عن إيران إزالة دائمة، ومع هذا كله فهي موافقة على إحياء الاتفاق النووي، ويبدو أن أحد أولى أهدافها هو تسريع عملية حضورها في منطقة الخليج.

منذ مدة طويلة وروسيا تسعى إلى إيجاد نظام أمني جديد في خليج عمان والخليج الفارسي، لكن العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني وقطع العلاقة بين إيران والسعودية، وهي جميعاً مرتبطة بالاتفاق النووي، يَـحُول دون تقدُّم روسيا في أهدافها في الخليج الفارسي.

يرى النظام الإيراني أن إطالة المفاوضات لا تُلحق ضرراً بإيران، ذلك أن السلطات في طهران تتصور أن التقدّم في البرنامج النووي سيسمح لها بالحصول على امتيازات أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية. في حين أن الإدارة الأمريكية تقول إن استمرار الوضع الحالي قد يَصل بالبرنامج النووي الإيراني إلى مستوى لا تَعود معه العودةُ إلى الاتفاق النووي مفيدةً للولايات المتحدة.

إلى الآن لم تُقدّم أمريكا ولا الدول الأوروبية خطة بديلة في حال فشل مفاوضات إحياء الاتفاق النووي، لكن يبدو أن روسيا تسلك مسلكاً خاصاً بها، فتضغط على النظام الإيراني لتغيير ما آلت إليه الأمور من طريق مسدود، وذلك من خلال خلق المخاوف لدى المسؤولين الإيرانيين. ومن المرجح أن نسمع في الأيام والأسابيع المقبلة تصريحاتٍ أكثرَ صراحة من الجانب الروسي حول مستقبل الاتفاق النووي.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد