عالم بهائي ممنوع من دخول إيران يحقق قفزة نوعية مع جوجل

نُشر هذا المقال أول مرة على “إيران وير” بتاريخ 4سبتمبر/أيلول 2020

آراش عزيزي – إيران وير

لم يعش بيدرام روشان في إيران منذ حوالي 20 عاماً، ويقول: “إن ذكريات الوطن تتلاشى تدريجياً مع كل يوم”، لكنه يتذكر بوضوح أفضل تعريف سمعه في حياته عن الفيزياء، لم يأت التعريف من أستاذ جامعي رفيع المستوى في جامعة آيفي في الولايات المتحدة، وإنما من السيد دهقان معلم في المدرسة الثانوية في مدينة ساري شمال إيران.

قال لي  الدكتور روشان في محادثة هاتفية من منزله في سانتا باربرا كاليفورنيا: “في تلك الأيام في إيران، كان الجميع يقول إن الفيزياء مادة صعبة للغاية، لكن لم يستطع أحد أن يشرح ماهي الفيزياء بالضبط، السيد دهقان أعطاني أفضل تعريف حصلت عليه في حياتي، تحدث عن أسلافنا الذين أرادوا صيد الغزلان بالأقواس والسهام، وأنهم لم يطلقوا السهام مباشرة على الغزلان، بل كانوا يصوبون للأمام حتى يصطدم الغزال بالسهم، كان هذا هو مفهوم السرعة النسبية”.

كان  الشاب بيدرام منبهراً بهذه العلوم، في مدينة ساري وقرر متابعة الموضوع الذي سخر منه الجميع باعتباره صعباً للغاية، وكان ذلك في التسعينيات حيث لا توجد إنترنت، لذا كان عليه متابعة حبه للفيزياء من خلال أي كتاب قديم يجده على الرفوف في منزل والديه، أو في أي مكان آخر، لكن من الواضح أن الفائدة آتت أُكُلَها.

في صباح يوم ٢٧ آب/أغسطس ٢٠٢٠ حقق بيدرام روشان لذاته أعلى إنجاز احترافي في مسيرته حتى الآن.

نشر اليوم فريق Google Artificial Intelligence Quantum وهو فريق يضم بيدرام كعضو فيه، مقالة في مجلة Science Magazine؛ المجلة الأكاديمية الرائدة من نوعها في العالم، والتي تخضع للمراجعة والتدقيق من قبل علماء آخرين، وشرحت المقالة كيف توصل فريق العمل لأداء “أكبر محاكاة كيميائية تم إجراؤها على جهاز كمبيوتر كمي حتى الآن”.

كان بيدرام قد تصدر الأخبار العام الماضي عندما ساعد Google في تطوير كمبيوتر كمي رائد، ولكن في هذا المجال سريع التطور، تتابع التطورات بسرعة  بحيث استطاع بيدرام تحقيق إنجاز آخر في وقت قياسي.

قال بيدرام : “إن دقة هذه المعالجة الكمية هي حقاً حالة فنية”، في محاولة لشرح عمله المعقد  على أجهزة الكمبيوتر الكمية، وكيف تختلف اختلافاً جوهرياً عن أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية، مثل  الكمبيوتر العادي .

يقول بيدرام: “لا تزال المعالجات الكمية في مهدها، لكي نكون صادقين تماماً، ما نفعله بهذه المعالجات الآن، لا يزال من الممكن القيام به باستخدام أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية، لكننا اتخذنا الآن خطوات كبيرة للذهاب أبعد من ذلك”.

يوضح بيدرام أنه على الرغم من أن المشكلات  تم حلها بواسطة أجهزة الكمبيوتر الكمية من قبل Google في العام الماضي وتم تصميمها لتكون سهلة، إلا أن Google هذه المرة “لم تقم بانتقاء المشكلات”، وحاولت “حل مشكلة هامة للغاية في الكيمياء الكمية.”

ممنوع من دخول الجامعة

في عمر الـ ٤٢، لدى روشان الشاب أحلام كثيرة لمستقبله وحياته المهنية، لكن الفيزيائي الناشئ كان سيُمنع من أي تعليم ما بعد الثانوي لو بقي في وطنه إيران، ما السبب؟ لأنه  بهائي ولد في أقلية دينية مضطهدة بشدة في البلاد، يُمنع فيها جميع البهائيون من متابعة التعليم الجامعي، وهو جزء من السياسة المفتوحة لتهميش أكبر أقلية دينية في إيران تضم حوالي 300 ألف من أتباعها.

نشأ بيدرام في مقاطعة مازندران الشمالي، على ساحل بحر قزوين، أدى ظهور والده في التجمعات البهائية المحلية إلى قمع الأسرة، مما أجبرهم على التنقل في جميع أنحاء البلاد.

بعد استبعاده من النظام الأكاديمي في البلاد، لجأ بيدرام إلى المعهد البهائي للتعليم العالي، المعروف باسم BIHE الذي تأسس في عام ١٩٨٧، وهو جامعة غير رسمية أو “سرية” تخدم الشباب البهائي الممنوع من التعليم الجامعي الرسمي.

على مر السنين، أقامت هذه الجامعة روابط مع الجامعات الكبرى في جميع أنحاء العالم، وقد اعترف الكثيرون بمؤهلاتها.

وصل بيدرام إلى الولايات المتحدة في عام ٢٠٠١، وبعد الدراسة في جامعة بيتسبرغ وجامعة برينستون، حيث حصل على درجة الدكتوراه، بدأ العمل في مختبر بجامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، وعمل مع البروفيسور جون مارتينيز الحائز على جائزة الفيزيائي الأمريكي، وبدأ بحثهم منذ حوالي ثماني سنوات.

كانت النتائج مبهرة للغاية لدرجة أن Google تعاقدت مع الفريق بأكمله في عام ٢٠١٤.

نما الفريق الأساسي المكون من ستة أو سبعة باحثين إلى مجموعة مكونة الآن من ٧٠ أو ٨٠ شخصاً، “ويتألف من مهندسي الأجهزة والبرمجيات، وعلماء الفيزياء التجريبية والنظرية، ومعظمهم يقيم في سانتا باربرا، كما انتشروا أيضاً في جميع أنحاء العالم بما في ذلك لوس أنجلوس وسياتل وميونيخ في ألمانيا”.

يؤكد بيدرام أنه يحب فريقه خاصة لأنه يركز على “إنتاج شيء عملي على نطاق صناعي”.

أما بالنسبة لإيران حيث وُلِدَ بيدرام، فلم يحمل في قلبه أي غضب أو مرارة تجاه بلد كاد أن يسحق حياته المهنية قبل أن تتاح له الفرصة للبدء، ويقول: “أتذكر أساتذتي وأصدقائي، ولدي ذكريات جميلة جداً،” على الرغم من أن معظم هؤلاء الأصدقاء قد حذوا حذوه من خلال مغادرة بلدهم أيضاً، وانتشروا الآن في جميع أنحاء العالم، من أستراليا إلى كندا.

ويضيف روشان: “إن الظلم الممنهج ضد البهائيين لم يتحسن أبداً، بالطبع”.

توضح قصة بيدرام روشان ما أطلق عليه “إيران وير” لبعض الوقت اسم “تكلفة التمييز”، في هذا المشروع ننظر إلى الثمن المادي والمعنوي الذي تدفعه المجتمعات عندما تحرم نفسها من مواهب مثل بيدرام (لقد غادر مئات الآلاف من هؤلاء الإيرانيين الموهوبين بلادهم في العقود القليلة الماضية لأنهم بهائيون وغادر  أيضاً الآلاف من غير البهائيين).

يقول بيدرام: “لكي تتطور إيران في مجال الفيزياء، فإنها بحاجة إلى التغلب على هذه القيود، وتطوير “ثقافة البحث على جميع المستويات” ومع ذلك  يقول: “إن مستوى موهبة إيران وجودة العمل الذي أظهره العلماء الإيرانيون مثير للإعجاب مقارنة بالدول المجاورة”.

يضيف بيدرام روشان إنه يظهر مستوى الحماس نفسه الذي كان  يظهره كشاب يملؤه الحماس في ساري، مبهوراً بطريقة استخدام أسلافه لفيزياء عصرهم لقتل غزال.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد