وكالة فارس الإيرانية وخليط من الأخبار “المزيَّفة المضلِّلة”

بجمان تهوري – إيران وير 

الأخبار المزيَّفة لا تَقتصر على الأخبار الكاذبة، ذلك أن كل قصة مصطنعة وغير واقعية ومن دون مصدر بل حتى البروباغندا والمعلومات الخاطئة المضللة تُعتبَر أخباراً مزيَّفة، ويَحدث أحياناً أن تُقدِّم بعض وسائل الإعلام معلوماتٍ كاذبة وسط ركام من المعلومات الصحيحة، وهدفها من وراء ذلك جعلُ المعلومات مقبولةً له، لكنْ أنْ تَكون معظم المعلومات المقدَّمة في تقرير واحد كاذبة ومصطنعة وبروباغندا فهو فنٌّ يمكن الوقوف عليه في وسائل الإعلام التابعة للنظام الإيراني، ومن بينها وكالة فارس للأنباء، تعالوا نقرأْ معاً التقرير الذي نشرته هذه الوكالة بتاريخ 2 سبتمبر/أيلول 2021 تحت عنوان “لماذا قمنا باستيراد لقاح كورونا متأخرين؟.. الكشف عن أسرار وعود بتقديم 18 مليون جرعة من اللقاح الصيني”.

قراءة معمقة لتقرير وكالة فارس

وكالة فارس في تقريرها “لماذا قمنا باستيراد لقاح كورونا متأخرين؟.. الكشف عن أسرار وعود بتقديم 18 مليون جرعة من اللقاح الصيني” تُقدِّم للقارئ مجموعة من المعلومات لتثبت أن النظام لم يُقصِّر في توفير اللقاحات لمواطنيه بل كان على الدوام يَضع مصالحه على رأس أولوياته، وتَكتب  وكالة فارس أن النظام واجه بعض الموانع، منها العقوبات ونكْث الدول والشركات المنتجة للقاحات بوعودهم، لكنه استطاع بعد بذل قصارى مساعيه إنتاج اللقاح المحلي كما استطاع تعبيد الطريق أمام استيراد اللقاح الأجنبي.

إن هذا التقرير، الذي يُعتبر بنحو من الأنحاء عَدّاداً لدخول فيروس كورونا إلى إيران و إلى عملية التطعيم، يَتقصّد عمداً في عرض معلومات غير صحيحة للقارئ لتبرئة ذمة النظام من قتل شعبه متوقعاً تقديمَ الشكر لأداء الأجهزة والمؤسسات الخاضعة للمرشد الأعلى علي خامنئي.

يبدأ تقرير وكالة فارس بخبر (مزيف) هو: “كان فيروس كورونا قد دخل البلاد ولم يكن هناك حلٌّ إلا مجابهته التي لم تكن سهلة، لغياب دواء معالج وغياب لقاح للوقاية منه، وحتى لو كان ذلك متوفراً فإن العقوبات الأمريكية لم تَسمح بوصوله إلى إيران، فأمريكا التي منعت دخول الكمامات هل كانت ستسمح بتمرير الأدوية؟ ولم يكن أمام إيران إلا الاعتماد على نفسها”.

بالنسبة إلى أن الدواء أو اللقاح لم يكونا متوفِّرَين ضد فيروس كورونا أوّلَ الأمر فهذا هو الجزء الصحيح من التقرير، لكنّ عزْوَ منع دخول الدواء واللقاح إلى إيران بسبب العقوبات الأمريكية فهذا هو الجزء الكاذب من هذا الزعم، ومَرَدّ ذلك إلى أن وزارة الصحة الإيرانية نفسها تَشهد أنها استوردت في السنوات المنصرمة على الأقل 5% من الأدوية المستهلكة وقسماً من المواد الأولية لإنتاج الدواء المحلي.

وفي هذا الصدد صرّح “ناصر رياحي”، نائب رئيس لجنة اقتصاد السلامة في غرفة تجارة طهران لوكالة إيلنا قائلاً: “30% من الأدوية المستوردة إلى إيران شهرياً تأتي من أمريكا في الوقت الراهن، وعلينا الأخذ في الاعتبار أن العقوبات لا تَشمل اللقاحات”.

يسعى تقرير وكالة فارس متوسلاً بتقنية المغالطة إلى إرجاع عدم تعاون إيران في عملية إنتاج اللقاح إلى إستراتيجية النظام الإيراني للحفاظ على حياة المواطنين والـحَؤول دون تحويلهم إلى “فئران المختبرات”. فيكتب: “في وقت كانت فيه جميع اللقاحات في العالَم تَعيش مراحل اختباراتها الأولى كانت المشاركة في مرحلة الاختبارات السريرية هي الاقتراح الرئيسي لكل صانع لقاح للدول الشارية … لكن جميع المؤسسات التي تتخذ القرار في هذا المجال لم تبدِ استعدادها في قبول هذه المغامرة، وذلك بسبب عدم ثقتها بسلامة تلك اللقاحات، لأن أي شركة لم تبدِ رغبتها في عرض وثائقها الفنية وأوراقها عن اللقاحات التي لديها، فضلاً عن أن كثيراً من وسائل الإعلام المناهضة للثورة خلقت أجواء سلبية أدّت إلى شكوك الرأي العام باللقاحَين الصيني والروسي، الأمر الذي صعّب التعاون المشترك مع تلك الدول”.

ولا يقول هذا التقرير إننا لو تعاونّا مع الشركات المعتبَرة المصنِّعة للقاحات حول العالَـم في مراحل الاختبار السريري لَتَلقى آلاف الإيرانيين لقاحات اختبارية بشكل طوعي ولَـحَظَوا بالأولوية بعد إنتاج تلك اللقاحات، وبالتالي كان سيَحول دون موت الآلاف من الإيرانيين الذين يَفقدون حياتهم في الأيام الأخيرة، أي أن التقرير يغضّ الطرف عن عدم تحلي النظام برؤية مستقبلية ساعياً عن قصد إلى تحويل نقطة الضعف هذه إلى نقطة قوة للنظام في اتخاذ القرارات الصائبة، كما أنه لا يتوانى عن إلقاء المسؤولية على عاتق وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية خارج إيران ووصفها بأنها “ضد الثورة الإسلامية”.

يتابع كاتب التقرير عن عرض بعض الأخبار الصحيحة ويُصنِّفها بطريقة تَصِل به إلى النتيجة التي يَنشدها هو، وفي واقع الحال إنه يلتفت إلى تصنيف مضلِّل للمعلومات ويكتب: “منعت أمريكا منذ البداية بيع اللقاحات وتصديرها كي تَقوم بتطعيم جميع مواطنيها أولاً، ولم تكنِ الحال أفضل في الدول الأخرى المنتجة للقاحات، وفي المرحلة الثانية تَسلمت اللقاحاتِ الدولُ التي شاركت في مراحل الاختبارات السريرية، ما يَعني أن تحديد مستهلكي مئات الملايين من جرعات اللقاح قد تـمّ قبل البدء بعملية التطعيم، وكان من المستبعد أن تصل اللقاحات إلى دول أخرى قبل مرور عدة أشهر، فدَفَع القلق من التوزيع غير العادل للقاحات واحتكارها في الدول الغنية إلى تقديم الأمم المتحدة قبل ذلك بعدة أشهر برنامجاً لدعم بقية الدول للحصول على اللقاحات، سُـمّي هذا البرنامج بـ ‘كواكس’… ولكن بعد أن صار حلم اللقاح حقيقةً صار كواكس نفسُه حلماً”.

على أن القرار الطبيعي كان أن تَحظى الدول التي أنتجت اللقاحات و دفعت تكاليفها وخضع مواطنوها للاختبارات السريرية بأولوية التطعيم، الأمر الذي حصل على أرض الواقع، لماذا ينبغي لدولة منح لقاح تحتاجه هي لدولة أخرى لم تُبدِ أي استعداد في المشاركة في إنتاجه واختباراته؟ فهل يُسمى هذا ‘احتكاراً’؟”.

بحسب تقرير وكالة فارس للأنباء فقد وصلت اللقاحات إلى إيران متأخرة، لأن:

– كواكس لم تَفِ بالتزاماتها.

– الدول المصنِّعة للقاحات لم تُبدِ رغبة في وضعها بين أيدي إيران.

– الدول نكثت بوعودها في تسليم اللقاحات لإيران.

– العقوبات حالت دون استيراد اللقاحات في الوقت المناسب.

على أنّ هذه القراءة مرفَقة بأخبار مزيفة وإخفاء المعلومات الحقيقية وتضليل المخاطَب تضليلاً عامداً، لأن:

1. حصة إيران من لقاح كواكس وصلت متأخرة عن الموعد لأن المرشد الأعلى علي خامنئي حظّر دخول اللقاحات البريطانية والأمريكية إلى إيران، وبهذا أرسلت إيران إلى كواكس رسالة مفادها أننا نتمتع “بحق الاختيار”، وكانت كواكس قد أعلنت منذ البداية أن حصة الدول ستكون على أساس اللقاحات المتوفرة، وإذا طلبت دولةٌ ما لقاحاً بعينه فعليها البقاء على لائحة الانتظار، وبغض النظر عن أن كواكس سلّمت حصص الدول ببطء كبير لعدم توفر اللقاح الكافي فإنها اضطرت إلى تقديم حصة إيران بتأخير أكثر، لأن الأخيرة لم تَقبل باستلام لقاحات فايزر وموديرنا وأسترازينيكا التي شَهدت أكبر استهلاك في يناير/كانون الثاني 2021.

2. من البداية لم يكن مقرَّراً أن تبيع أو تُعطي كلٌّ من أمريكا وبريطانيا والصين وروسيا، بوصفها الدول المصنِّعة للقاحات، اللقاحات للدول الأخرى قبل تطعيم مواطنيها، بل تَعهدت تلك الدول بتقديم بعض لقاحاتها لكواكس، وبطبيعة الحال حين تفشى الفيروس أكثر من الحد المتنبَّأ به فقد تقلصت درجة تسليم اللقاح المتوقَّعة لكواكس.

3. الأمر الذي زاد من تأخير وصول اللقاح إلى إيران هو، فضلاً عن حظر خامنئي دخول اللقاحات الأمريكية والبريطانية، عدم انضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي (FATF) وحدوث مشكلة في تحويل الأموال، في هذا الصدد تحدثت أخبار كثيرة في خريف 2020 عن مفاوضات إيران مع كواكس والدول الـمَعنية لدفع المبالغ المترتبة على إيران من كوريا الجنوبية لقاء حصتها في كواكس، في حقيقة الأمر إن عدم انضمام إيران إلى جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT) أحدث خللاً في تحويل المبالغ المالية، وهذا لا علاقة له بالعقوبات المفروضة على نظام الجمهورية الإيرانية.

ويَنتهي تقرير وكالة فارس بروباغندا تامة الأركان لصالح النظام الإيراني والشركة المصنعة للقاح بركت المحلي، حيث يَزعم أن “بركت جاء، وازدادت سرعة الاستيراد، وأصبحت اللقاحات رخيصة”، وحتى المرشد الأعلى نفسه أشار إلى هذا الزعم وقال في وقت سابق: “لحسن الحظ أن إنتاج اللقاح المحلي جعل الطريق معبَّداً أمام استيراد اللقاحات الأجنبية أيضاً، وقبل ذلك كان البائعون الأجانب ينكثون بوعودهم مع أننا كنا ندفع ثمن اللقاحات”.

لكن هذا الزعم يتنافى مع الواقع، لأن:

1. لقاح بركت دخل السوق في وقت كانت فيه الدول المصنعة للقاحات قد أنهت إلى حد ما عملية تطعيم مواطنيها، وبقي لديهم فائض من اللقاحات.

2. الذي أدى إلى تيسير وتسهيل استيراد اللقاح هو زيادة إنتاج اللقاحات في أرجاء العالم وانخفاض الطلب عليها وتغيير سياسة إيران بخصوص حظر استيراد اللقاحات الأمريكية والبريطانية، وحين واجه النظام الإيراني أعداداً هائلة من الوفيات أعلن أن دخول لقاحَـي فايزر وأسترازينيكا المصنَّعَين خارج أمريكا وبريطانيا إلى إيران مسموح به، ومن الطبيعي أن سوق الاحتكار حين يَنكسر تَضطر الصين أيضاً إلى تقليص أسعار اللقاحات وإرسالها إلى إيران بسهولة أكبر.

إذاً، لا ينبغي أن ننسى أن البروباغندا والمساعي الإعلامية من خلال استثمار الأخبار الصحيحة والكاذبة والمضرّة بهدف التأثير في الرأي العام هي لصالح النظام الإيراني، بالضبط مثلما شاهدناه في تقرير وكالة فارس الآنف الذكر، إذ تحاول فارس وكذلك وزارة التربية والتعليم من خلال تحريف الحقائق في الكتب الدرسية تقديم النظام الإيراني بوصفه بطلاً في محاربة تفشي فيروس كورونا، في حين أن موت مئات الإيرانيين يومياً لا يَعود سوى إلى اتخاذ قرارات غير واقعية وغير احترافية وإلى تسييس سلامة الإيرانيين وأرواحهم.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد