ثلاثون عاماً من التغييب القسري.. معتقلون لبنانيون في سجون النظام السوري

في آذار عام 1998، صدر عفو عن 121 لبنانياً من قبل النظام السوري، والذي كان على رأس الحكم يومها حافظ الأسد، والد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، وكان من بين من طاله قرار العفو الأخوين ريمون وميشال سويدان.

يسترجع ريمون سويدان سنوات الاعتقال قائلاً: ” مهما تحدثت، يبقى الكلام مختلفاً عن الواقع الذي عشته”، ويضيف ريمون أن الشخص الذي قاد بهم السيارة من بيروت إلى دمشق، رفع صوت الموسيقى التي يسمعها وكانت أغنية “وابتدا المشوار، وآه يا خوفي من آخر المشوار”، السائق كان يعيد المقطع فور انتهائه، ربما، إشارة من السائق على ما سنواجه في المستقبل”.

بدأت رحلة آل سويدان من البوريفاج في لبنان (البوريفاج، هو فندق استخدمه الجيش و المخابرات السورية أثناء تواجدها  في لبنان كمركز احتجاز) ، واستمرت لعدة أعوام، وانتهت في المزة في سوريا، يتذكرها ريمون الذي كان ينتمي إلى الجيش اللبناني قائلاً: “الألم الذي أحدثته فترة الاعتقال سيرافقني حتى آخر يوم في حياتي، كنت أعمل في المؤسسة العسكرية حين اعتقلني ضابط من الجيش اللبناني بتهمة مناهضة الوجود السوري في لبنان.”

شارك ريمون إلى جانب حزب القوات اللبنانية الذي ينتمي إليه في المعارك التي دارت في لبنان ضد الحزب السوري (حزب لبناني)، الذي دخل لبنان تحت مسمى قوات الردع العربية بُعيد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، بالإضافة إلى معارك أخرى داخلية.

درس سويدان في الجامعة اللبنانية، في كلية الأعمال الإدارية تحديداً، والتحق عام 1990 بصفوف الجيش اللبناني بعد حل حزب القوات اللبنانية وتسليم سلاحه.

يقول ريمون: “اعتقلت ظهر يوم 13 أغسطس/آب 1993، ونقلت إلى منطقة البوريفاج التي كانت تضم حينها مبنى للجيش السوري، وبعدها أحضروا أخي ميشال من منطقة الأشرفية التي كنا نقطن فيها إلى المكان نفسه، حقق معي رستم غزالي آنذاك بتهمتي الانقلاب على الدولة اللبنانية، والتحريض ضد نظام شقيق”.

ويضيف: “هي المرة الأولى التي أدخل فيها وسط الدولاب لم يكن سهلاً على الإطلاق أن أرى أخي ويراني أثناء تعرضنا للضرب”، والدولاب: طريقة تعذيب تستخدمها المخابرات السورية، حيث يوضع الشخص وسط دولاب ويثني جسمه، وفي هذه الأثناء يضرب بأدوات مخصصة لذلك من أجل الضغط عليه للاعتراف.

الصورة تعبيرية

نُقل ريمون وشقيقه ميشال إلى منطقة عنجر من البوريفاج، تحديداً إلى نقطة النبي يوسف حيث يقول: “هناك، وجهت لنا تهمة التعامل مع إسرائيل، فلم يكن يومها أسهل من إلصاق تهمة التعامل مع إسرائيل باللبنانيين، اتهموني بالعمل كمرشد للإسرائيليين أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كنت أبلغ حينها 12 عاماً فقط، أخبرتهم أنني كنت طفلاً، ولكنهم لم يصدقوني، عذبوني بالكرسي الألماني (طريقة التعذيب بالكرسي الألماني مستوحاة من أساليب التعذيب لدى النازيين خلال الحرب العالمية الثانية)، وبساط الريح (وهو أسلوب تعذيب تستخدمه المخابرات السورية) ، وتعرضت للتعذيب بصاعق الكهرباء، ثم اقتنعوا بعدها ببطلان هذه التهمة حين تأكدوا من عمري من خلال بطاقة الجيش خاصتي، فبدلوا التهم القديمة بالانتماء إلى تنظيم القوات اللبنانية المعادي على حد تعبيرهم.”

في باص أزرق نقل ريمون سويدان مع 21 لبنانياً آخرين إلى دمشق، ووصل إلى فرع فلسطين ليلاً (فرع فلسطين هو فرع تابع للنظام السوري في دمشق)، وضعت في غرفة تحمل الرقم 3 تحت الأرض “في كل غرفة كان هناك شباك صغير يستطيع الموقوف أن يسمع من خلاله الأصوات المنبعثة من غرفة التحقيق، كان ذلك من أنواع الضغط النفسي على المعتقلين، ويتواجد في غرفتنا 40 شخصاً، عشنا أياماً مريرة ذقنا خلالها عذاباً لا يحتمل، استطاعت عائلتي الوصول إلى مكان اعتقالي مقابل 250 ألف دولار، ناهيك عن الذهب والهدايا التي قدمها والدي للضباط السوريين للإفراج عنا، وكانت عائلتي تتلقى وعوداً لا تُترجم على الأرض.”

من فرع فلسطين إلى المزة (هو فرع تابع للمخابرات الجوية السورية) نُقل ريمون وميشال سويدان: “أعدموا شخصاً لبنانياً اسمه غسان مدلج أمام أعيننا، كانوا يرشون أجسادنا بالأسيد، وكانوا يتلذذون بتعذيبنا..”

 رئيس جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، المعتقل السابق، علي أبو دهن في حديثه لـ ” إيران واير”  ناسف عن عدم حصول أي تحرك من جانب الدولة اللبنانية بخصوص ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، ويشير أبو دهن إلى أن عدد المعتقلين اللبنانيين في سوريا الموثقين من قبل جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وجمعية سوليد، وجمعية حق الإنسان و الحقل الإنساني، وغيرها من الجمعيات يبلغ 628 معتقلاً، سلمت السلطات السورية 4 جثامين من هؤلاء المعتقلين، وأبلغت عائلتان من ذوي المعتقلين عن وفاة ولديهم ليصبح العدد الموثق 622 معتقلاً اليوم.

وأضاف أبو دهن إلى أن “أعضاء الجمعيات المختصة بشؤون المعتقلين اللبنانيين في سجون سوريا زاروا عدة مرات مسؤولين سياسيين من أجل تحريك الملف، وسلموا لائحة بأسماء المعتقلين إلى رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي زار رئيس النظام السوري، وطلبوا منه تسليم اللائحة باليد إلى الأسد، وقتها ظهر الحريري بمؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الحكومة السورية وكان يومها محمد ناجي العطري، وأكد الطرفان على متابعة الملف من أجل الوصول إلى النتائج المرجوة، إلا أن إسقاط حكومة الحريري بعد فترة وجيزة أعاق تقدم هذا الملف”.

أمين عام حزب الله حسن نصر الله اللبناني نقل عن الرئيس السوري بشار الأسد نفيه وجود معتقلين لبنانيين في سجونه عبر مقابلة قديمة بثتها قناة أو تي في، ما دفع أهالي المعتقلين لنصب الخيم في حديقة جبران خليل جبران مقابل مبنى الاسكوا التابع للأمم المتحدة في بيروت، مطالبين بتدويل التحقيق.

وكشف ضابط في فرع المخابرات الجوية التابع للنظام السوري، فضل عدم الكشف عن اسمه، ل “إيران وير” عن وجود 736 معتقلاً لبنانيا في سجون النظام، موزعين على 3 محافظات سورية بينهم نساء، وتفوق أعمار معظمهم 37 عاماً، ينتمون إلى كافة الطوائف اللبنانية، وأشار إلى أن بعض المعتقلين اعتقلوا في دول أخرى وتم ترحيلهم إلى سوريا.

وقال الضابط إن القيادي البارز في حزب الكتائب اللبنانية بطرس خوند الذي خُطف من أمام منزله في حرش تابت في 15 سبتمبر/أيلول عام 1992 ما زال حياً في سجون النظام.

وسلم حزب القوات اللبنانية الذي يترأسه سمير جعجع، منذ سنتين، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش رسالة موجهة إلى الموفد الخاص للأمم المتحدة غير بيدرسون حول قضية المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون النظام السوري وفق موقع المركزية.

وحين كان سعد الحريري رئيساً للحكومة اللبنانية، تم تشكيل لجنة برئاسة وزير الدولة جان أوغاسابيان آنذاك لمتابعة هذا الملف، وحاولت اللجنة التفاوض مع النظام بشأنه، إلا أنها وصلت إلى طريق مسدود بسبب ممارسات النظام وتنصله وفق تصريح سابق لعضو كتلة المستقبل النيابية محمد الحجار لـ “إيران وير”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد