إحصائيّات وقصص الاختفاء القسري في سوريا.. معاناة لا تنتهي

أصلان اسماعيل – رامي محمد 

منذ عام 2012 تناضل مريم الحلاق لمعرفة مصير ابنها طبيب الأسنان أيهم غزول، الذي اعتقلته أجهزة الأمن من داخل حرم جامعة دمشق وفقدت أخباره، قبل أن تتعرف عليه والدته عام 2015 من بين صور “قيصر” التي وثقت جثث آلاف المختفين قسرياً على أيدي قوات النظام السوري. 

تتشابه قصة مريم مع قصص آلاف العائلات السورية من ذوي المختفين قسرياً على أيدي أطراف النزاع الدائر منذ عام 2011، علماً أنّ الظاهرة غير مستجدة في سوريا، فقد استخدمتها أجهزة أمن الدولة بشكل ممنهج ضد عامة الشعب السوري منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وما يزال مصير آلاف المفقودين مجهولاً حتى يومنا هذا، ورغم عدم وجود سجلات دقيقة للمختفين قسرياً قبل عام 2000، فإنّ بعض التقديرات تشير إلى وجود 17 ألف شخص على الأقل اختفوا قسرياً بين عامي 1980 و2000، وفق المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

بين الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري:

تُعرّف منظمة العفو الدولية المعتقلين تعسفياً بأنهم “أشخاص اعتقلوا دون سبب مشروع أو دون إجراء قانوني”، بينما تعرف المختفين قسرياً بأنهم “أشخاص قبض عليهم مسؤولو الدولة (أو أي شخص يعمل بموافقة الدولة) من الشارع أو من منازلهم ثم أنكروا الأمر، أو رفضوا الكشف عن مكان وجودهم”، وفي بعض الأحيان، قد يقوم بعمليات الإخفاء عناصر مسلحة غير تابعة للدولة.

ولا يتم إطلاق سراح هؤلاء الأشخاص مطلقاً، ويبقى مصيرهم مجهولاً، وغالباً ما يتعرضون للتعذيب، أو يقتل العديد منهم، أو يعيشون في خوف دائم من التعرض للقتل، ويعلمون أنّ عائلاتهم لا تملك أي فكرة عن مكان وجودهم، وحتى إذا نجوا من الموت، وأطلق سراحهم في نهاية المطاف، تبقى الجراح البدنية والنفسية تعيش معهم.

منذ مارس/آذار 2011 وحتى أغسطس/آب 2021 وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود 149862 شخصاً لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري على أيدي أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، معظم حوادث الاعتقال تتم من دون مذكرة قضائية لدى مرور الضحية من نقطة تفتيش أو أثناء عمليات المداهمة، وغالباً ما تكون قوات الأمن التابعة لأجهزة المخابرات هي المسؤولة عن عمليات الاعتقال بعيداً عن السلطة القضائية، ويتعرَّض المعتقل للتَّعذيب منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، ويُحرَم من التواصل مع عائلته أو محاميه، كما تُنكر السلطات قيامها بعمليات الاعتقال التعسفي.

وتشكل نسبة المعتقلين السياسيين نحو 85%، بينما يُشكل بقية المعتقلين 15%، وقد تم اعتقالهم على خلفية مشاركتهم السلمية في الاحتجاجات بصفتهم ناشطين في مجال حقوق الإنسان وإعلاميين وكوادر طبية وعمال إغاثة وأعضاء أحزاب معارضة وكتاب رأي، أو ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. وبالنسبة إلى المختفين قسرياً، تشير بيانات الشبكة إلى أنّ عددهم وصل إلى 102287شخصاً لنفس الفترة الزمنية، وأنّ أكثر من 65% من إجمالي حالات الاعتقال تتحول إلى اختفاء قسري.

النظام السوري المسؤول الأول عن حالات الاختفاء القسري:

يتحمل النظام السوري مسؤولية اعتقال 131469 ألف شخص، بينهم 3621 طفلاً و8037 امرأة، بنسبة تصل إلى نحو 85% من إجمالي حصيلة المعتقلين في عموم سوريا، مع الإشارة الى أنّ قوات النظام السوري تشمل: الجيش، الأمن، الميليشيات المحلية، الميليشيات الشيعية الأجنبية.

أما حالات الاختفاء القسري على يد النظام فوصلت إلى 86792 حالة، بينهم 1738 طفلاً و4986 امرأة.

وتظهر قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان أيضاً أنّ غالبية المختفين قسرياً جرى اعتقالهم في السنوات الثلاث الأولى للاحتجاجات، 2011- 2012- 2013، التي شهدت أكبر موجة من الاعتقالات وبالتالي من الاختفاء القسري.

يقول مدير الشبكة فضل عبد الغني إنّ النظام السوري “استخدم الاختفاء القسري كأحد أسلحة الحرب، كاستراتيجية على نحو واسع ضد المجتمع الذي ثار ضده، والذي دفع الثمن غالياً مقابل ثورته”. 

ويضيف عبد الغني في حديثه لـ”إيران وير” أنّ “هدف النظام من ذلك بثّ الرعب والإرهاب بين صفوف الناس، حتى يتعظ الآخرون عند معرفة مصير من تجرأ على الخروج ضده”.

انتهاكات باقي أطراف النزاع:

يتحمل باقي أطراف، غير النظام السوري والذين يسيطرون على أراض سوريّة، نحو 15% من حالات الاعتقال التعسفي، وهم: 

تنظيم الدولة، 8648 شخصاً، بينهم 319 طفلاً و255 امرأة.

هيئة تحرير الشام، 2287 شخصاً، بينهم 37 طفلاً و44 امرأة.

قوات سوريا الديمقراطية، 3817 شخصاً، بينهم 658 طفلاً و176 امرأة.

المعارضة المسلحة، 3641 شخصاً، بينهم 296 طفلاً و759 امرأة.

أما حالات الاختفاء القسري لباقي أطراف النزاع، فقد وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان وفق التالي:

تنظيم داعش، 8648 شخصاً بينهم 319 طفلاً و225 امرأة.

هيئة تحرير الشام، 2064 شخصاً، بينهم 13 طفلاً،و 28 امرأة.

قوات سوريا الديمقراطية، و2216 شخصاً، بينهم 98 طفلاً و86 امرأة.

المعارضة المسلحة، 2567 شخصاً، بينهم 237 طفلاً و446 امرأة.

انقطعت أخبار عبيدة دللو منذ عام 2015 إثر اعتقاله من قبل “هيئة تحرير الشام” التي تسيطر على مناطق في شمال غربي سوريا. 

عمِل عبيدة كناشط إعلامي في بلدة إحسم بريف إدلب، يوثق انتهاكات النظام السوري و”الهيئة”، ولم يسبق أن تعرض لأي تهديد أو خلاف مع أحد، وفق رواية أخيه لإيران وير، الذي أكدّ أنّه لم يحمل السلاح أو ينضم لأي فصيل مسلح، ورغم ذلك اتهمته “الهيئة” بالشروع بالقتل.

لم يتم تقديم عبيدة للمحاكمة أو توكيل محامي للدفاع عنه، وتبينّ لأهله لاحقاً أنّه في فرع العقاب، أحد الأفرع الأمنية للهيئة في بلدة “كنصفرة”، وطُلب منهم عدم السؤال عنه مرة أخرى.

تعرّض المقر للقصف الجوي، وتم نقل السجناء الى مكان مجهول، وحين حاول أهل عبيدة السؤال عن مصيره ومكان وجوده أجابوهم بحزم: “شؤون أمنية.. لا تسألوا عنه مجدداً”.

ابتزاز الأهالي لمعرفة مصير المختفين:

تشير تقارير حقوقية إلى أنّ أجهزة النظام السوري نادراً ما تقرّ بعمليات الاعتقال، وقلّما تنفذ الإجراءات القانونية علناً، بل تحتجز المعتقلين في عزلة عن العالم الخارجي، وقد يحتجز كثير منهم في مراكز اعتقال سرية أو مؤقتة، وبسبب تعذر الوصول إلى السجلات، لا تستطيع الأسر الاستعلام أو الطعن في جانب من جوانب العملية، وحتى عندما تكتشف أنّ قريباً لها توفي أثناء الاعتقال، قد لا تعرف ما إذا لقي مصرعه إعداماً أو تعذيباً أو جراء ظروف الاعتقال الرديئة.

الشابة يارا (اسم مستعار) مرت بتجربة مماثلة عام 2013 بعد بضعة أشهر من زواجها، كان الزوج برفقة صديقه (سائق باص لمدرسة خاصة) قبل أن يعتقل الشابان على أحد الحواجز الأمنية في دمشق، وتختفي أخبارهما تماماً، وبعد 3 سنوات، أبلغت يارا بوفاة زوجها في المعتقل، وطلب منها “توفيته أصولاً” من خلال استصدار شهادة وفاة من مشفى تشرين العسكري ذكر فيها أنّ سبب الوفاة احتشاء قلبي، دون تسليم الجثة أو حتى تحديد مكان الدفن.

تسعى العائلات في كثير من الأحيان إلى التفاوض مع قوات الأمن التابعة للنظام لمجرد الحصول على معلومات عن ذويهم، على أمل إنقاذهم من مصير مجهول، وغالباً ما يقعون ضحايا الابتزاز على أيدي عناصر في أجهزة الدولة، الذين يقطعون “وعوداً كاذبة” ويطلبون فدية قد تصل إلى آلاف الدولارات، تضطر الأسر إلى تسديد مبالغ طائلة، لكنها سرعان ما تبلغ طريقاً مسدوداً.

يؤكد مدير منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة بسام الأحمد أنّ ظاهرة ابتزاز ذوي المختفين قسرياً “موجودة في كل مكان وتمارس من الجهات العسكرية المختلفة”.

ويوضح الأحمد خلال حديثه لـ”إيران وير” أنّ “تلك الظاهرة مختلفة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري حيث تتكون من شبكة من التنفيذيين والمتورطين من قضاة وضباط أمن ومحامين، وتعود عليهم جميعهم بمبالغ مالية ضخمة، فهي تجارة تعتمد على التلاعب بمشاعر ذوي المعتقلين والكسب المالي منهم”. 

وتعرّض الشاب عبد الوهاب من مدينة حلب لابتزاز مالي مقابل الحصول على معلومات عن والديه المفقودين، حيث طلب منه ضابط في قوات النظام السوري من مدينة حمص مبلغ نصف مليون ليرة سورية مقابل ذهابه إلى دمشق والتقصي عن وضعهما فقط، لمعرفة ما إذا كانا معتقلين في أحد الأفرع الأمنية أم لا، بينما طلبت منه محامية من مدينة حلب مليون ونصف المليون ليرة مقابل البحث والتقصي عنهما أيضاً.

يقول عبد الوهاب لـ”إيران وير” إنّ والديه اعتقلا أوائل عام 2013 بمدينة دمشق، واختفت أخبارهما، قبل أن تظهر صورة الأب عام 2019 بين صور “قيصر”، فيما لا يزال مصير والدته مجهولاً حتى الآن. 

“مبادرات” النظام لإطلاق سراح المعتقلين:

أطلق النظام السوري مؤخراً “مبادرة الوفاء” تزامناً مع فترة الانتخابات الرئاسية، والتي وعد من خلالها إطلاق عدد من المعتقلين في بلدات الغوطة الشرقية بريف دمشق، لكن اتضح لاحقاً أنّ العملية اتخذت زخماً إعلامياً بعيداً عن مضمون “المبادرة” التي روّج لها النظام، وأكّدت معلومات متقاطعة من مصادر أهلية عدة أنّ غالبية المفرج عنهم على دفعات كانوا من أصحاب التهم الجنائية وليسوا معتقلي رأي، وممن اعتقلوا من فترات قصيرة لا تتجاوز العامين.

يؤكد فضل عبد الغني أنّ “المبادرة لم تفرج عن أي من المختفين قسرياً أو حتى تكشف عن مصير أحد منهم، وهي ليست مبادرة أصلاً، فالمبادرة يجب أن تسير وفق إطار وتدرّج ومنهج معين، وكل ذلك غير متوفر فيما قام به النظام”. 

وكانت الفنانة والناشطة المتابعة لشؤون المعتقلين والمفقودين يارا صبري قد عبرت عن خيبتها من “المبادرة” عبر سلسلة منشورات على فيسبوك.

#بدنا_المعتقلين بعد انتظار الوعود في ساحة دوما معظم السجناء والموقوفين المفرج عنهم (العفو) هم محكومون بأحكام جنائية . #بدنا_ياهون_بدنا_الكل

تم النشر بواسطة ‏‎Yara Sabri‎‏ في السبت، ٥ يونيو ٢٠٢١

#باص_الحرية مبارك للمفرج عنهم من الغوطة الشرقيه البالغ عددهم ٣٢ معتقلاً ، معظمهم كانوا محتجزين منذ عام 2018 وبعضهم جرى اعتقالهم قبل شهرين فقط . #savethesyriandetainees #بدنا_المعتقلين #بدناياهون_بدناالكل

تم النشر بواسطة ‏‎Yara Sabri‎‏ في السبت، ١٩ يونيو ٢٠٢١

وجدير بالذكر أنّ رئيس النظام السوري بشار الأسد أصدر منذ عام 2011 ما لا يقل عن 18 عفواً عاماً، ما بين شامل وجزئي، لم يشملوا المعتقلين السياسيين من معارضي النظام، إلا في حالات نادرة جداً، وكان آخرهم مرسوم العفو رقم 13 في مطلع مايو/أيار الماضي قبيل الانتخابات الرئاسية، الذي أفرج بموجبه عن 81 سجيناً، فيما اعتقل ما لا يقل عن 176 شخصاً خلال نحو شهرين من صدوره

مساعي الكشف عن مصير المغيبين: 

تسعى كثير من المنظمات الحقوقية الدولية والسورية منذ عام 2011 وما قبله الى الكشف عن مصير آلاف المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، ومن بين تلك المنظمات “رابطة عائلات قيصر” التي تأسست عام 2018 في برلين لأجل “المطالبة بالحقيقة والعدالة وإعادة الاعتبار لكل ضحايا التعذيب والاختفاء القسري في سوريا”.

تقول السيدة مريم الحلاق مديرة الرابطة وأم الفقيد أيهم غزول “إنّ ضمان عدالة المعتقلين والمختفين قسريًا وعائلاتهم، ومحاسبة المنتهكين، تعتبر اللبنات الأساسية لتحقيق سلام دائم في سوريا، وتشكل مقدمة أي حل سياسي مستدام”.

وتضيف الحلاق خلال حديثها لإيران وير إنها “تأمل بإطلاق سراح المعتقلين والمختفين قسرياً والمختطفين وكشف مصير المفقودين، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب وإنشاء محكمة خاصة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”. 

وترى الحلاق أنّ المحاسبة لن تتم يوماً ما إلا في سوريا، “كوننا لا نستطيع الحصول على موافقة مجلس الأمن لمحاكمة المتورطين في المحكمة الدولية الجنائية مع وجود الفيتو الروسي”.

ومن جهته يرى فضل عبد الغني أنّ” الضغوط الغربية والعقوبات وقانون قيصر وغيره، لم تساهم في الكشف عن مصير المعتقلين أو إطلاق سراحهم، لكنها أضعفته وردعته عن مزيد من التوحش والاعتقال، بمعنى أنها منعت حدوث ما هو أسوأ، ولكن منحى الاعتقال ما زال تصاعدياً، حالات الاعتقال تفوق حالات الإفراج عن معتقلين بكثير، ولكنها تقل بالطبع عما كان عليه الوضع في السنوات الأولى للاحتجاجات، عندما أراد النظام القضاء على جميع طبقات المشاركين في الحراك بالتسلسل”.

وحول الفائدة من التوثيق والإدانة في ظل تعنت النظام وحلفائه، يقول عبد الغني “إنّها تعطي زخماً لقضية المختفين والمعتقلين للتذكير أنهم ليسوا مجرد أرقام، وتخبر العالم أنّ الظاهرة ما زالت مستمرة”، ومن جهة أخرى “نشعر عائلات الضحايا بأنّ قضيتهم ما تزال حية في أنفسنا، ولن ندخر جهداً على المستوى الإعلامي والحقوقي على الأقل للتذكير بها”. 

ويضيف عبد الغني “أنّ عملية التوثيق والإدانة تمنع النظام وحلفائه الإيرانيين من تغيير الحقائق وقلبها، من خلال توثيق وتأريخ الانتهاكات بشكل دوري”.

وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أصدر قراراً في منتصف يوليو/تموز الماضي يدعو إلى “تحقيق العدالة لعشرات الآلاف ممن فُقدوا خلال النزاع المستمر منذ عشر سنوات في سوريا”، ويدين القرار استمرار استخدام الاختفاء القسري أو غير الطوعي وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت بشكل مستمر في هذا السياق، ولا سيما من قبل النظام السوري، وكذلك من قبل أطراف النزاع الأخرى، ويشدد على ضرورة تحديد المسؤولية عن الفظائع المرتكبة في سوريا في سياق المفاوضات وعملية توطيد السلام.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد