صورة تُحدث ضجة في طهران.. فخر أم عار؟

آرش عزيزي – إيران وير 

بدأ “سيمون شركليف” السفير البريطاني الجديد في طهران منصبه الجديد لأنه تعلم الفارسية أثناء إقامته ثلاث سنوات في إيران في عهد “محمد خاتمي” الرئيس الإيراني الأسبق، حيث كانت الظروف مختلفة وكان بإمكان السفراء الأجانب إقامة علاقات أوسع مع المجتمع المدني، ولذلك نشر مقطع فيديو له حظي بترحيب روّاد مواقع التواصل الاجتماعي مُشيدين بحديثه اللغة الفارسية، لكنه قوبِل بعد ذلك بيوم واحد فقط بردود فعل متباينة تماماً على منصات التواصل الاجتماعي، ومَردُّ ذلك إلى نشر “ليفان جاغارايان” السفير الروسي في طهران، صورةً أعادت إلى أذهان الإيرانيين مؤتمر طهران المعروف عام 1943، فقد تم التقاط الصورة في مكان المؤتمر المشار إليه بالضبط، حينها اجتمع “وينستون تشرشل” و“جوزيف ستالين” و“فرانكلين روزفلت”، والصورة تُظهر السفيرين البريطاني والروسي وكرسياً خالياً في الوسط. 

فماذا نعرف عن مؤتمر طهران 1943؟ لماذا أثارت صورة السفيرين البريطاني والروسي كل هذه الضجة؟

من أهم الأحداث التي وقعت على الأراضي الإيرانية في التاريخ المعاصر “مؤتمر طهران”، ففي هذه القمة التي عُقِدت بين 28 نوفمبر/تشرين الثاني و1 ديسمبر/كانون الأول 1943 تَقابَلَ قادة الدول الحلفاء لأول مرة في سفارة الاتحاد السوفييتي للتخطيط لمواجهة ألمانيا النازية. 

أثارت الصورة الأخيرة للسفيرين البريطاني والروسي التي ذكّرت بمؤتمر طهران 1943 ردود فعل لدى جميع الأطياف السياسية تقريباً، فغرّد محمد جواد ظريف على التويتر كاتباً: “عليّ التذكير بأن أغسطس/آب 2021 لا هو أغسطس/آب 1941 ولا ديسمبر/كانون الأول 1943”، وطالب “محمد باقر قاليباف” رئيس البرلمان الإيراني، بتقديم السفيرين اعتذارَهما، كما طالب باتخاذ إيران خطوة دبلوماسية للرد عليهما، وكتب كثير من المسؤولين الإيرانيين تغريدات احتجاجية تقول إن هذه الصورة علامة على تجاسُر روسيا في عهد الرئيس الإيراني الجديد “إبراهيم رئيسي”.

أما إشارة ظريف إلى أغسطس/آب 1941 فهي واضحة، لأن بريطانيا وروسيا احتلتا إيران المحايدة في ذلك الشهر، وبعد ذلك بقليل أطاحت بالشاه الإيراني “رضا بهلوي” وعيّنتا ابنه الشاب “محمد رضا بهلوي”، ويمكن تفسير هذا الحدث من زوايا مختلفة، لكنْ أنْ يشاهد الإيرانيون مرة ثانية صورة لممثلي الدولتين العُظميَين المنبوذتين لديهم يتدخلا في تحديد الوقائع في تاريخهم المعاصر كان حدثاً مريراً، ولا سيما أن بريطانيا، التي كانت تحتل الهند وتَهجم على أفغانستان مراتٍ ومرات، كانت تفرض ضغوطاتٍ كبيرة على إيران لتحويلها إلى مستعمرة لها. 

أما روسيا يتذكرها الإيرانيون باحتلالها تبريز في عهد روسيا القيصرية وقمع الإيرانيين المطالبين بالدستورية، ومنحها اللجوءَ للشاه القاجاري “محمد علي”، كما يذكّر عدد من الإيرانيين هذا التعاطف مع الاستبداد بالدعم السياسي الذي يقدّمه “فلاديمير بوتين” الرئيس الروسي الحالي في قصر “الكرملين”، للنظام الإيراني وحليفه “بشار الأسد”.

بعض الإيرانيين ردوا  بنشر صورة لـ “ألكسندر غريبايدوف” الدبلوماسي الروسي الذي قُتِل في العام 1829 في شوارع طهران على يد بعض جماهير الشعب، والسبب آيبٌ إلى دور غريبايدوف في “اتفاقية تركمن تشاي” واقتطاع أراضي جنوب القوقاز من إيران لصالح روسيا، الأمر الذي أثار حفيظة الإيرانيين وغضبهم.

ماذا جرى في مؤتمر طهران 1943؟

في الوقت ذاته، لدى الإيرانيين أسبابٌ كثيرة للافتخار بمؤتمر طهران الذي أدّى دوراً مهماً في تاريخ العالم ومصير البشرية، ففيه قدّم روزفلت وتشرشل وعوداً لستالين بما كان ينتظره منذ سنتين، وهو فتح جبهة جديدة ضد ألمانيا النازية في غرب أوروبا لتقليص الضغط عن كاهل الاتحاد السوفيتي الذي كان قد مرّغ أنف ألمانيا النازية بالتراب في معركة ستالين غراد قبل ذلك بعدة أشهر.

ولو كانت قوات “أدولف هتلر” قد انتصرت في ستالين غراد وتَمهّدت الطريق إلى الآبار النفطية في باكو كان مصير الحرب وتاريخُ العالم سيكون مختلفاً، لكن الجيش الأحمر قَهَر الجيشَ الألماني، الأمر الذي أدى إلى الترحيب به في جميع أرجاء العالم، كما احتفل كثيرون في إيران أيضاً بانتصار الجيش الأحمر، بدءاً من الليبراليين وانتهاء بأنصار “حزب توده الإيراني الشيوعي”، أكثر حزب سياسي منسجم حينَها في إيران، وقد ازداد عدد أعضائه ازدياداً لافتاً بعد الانتصار المذكور.

لكن الحلفاء لم يكونوا لينتصروا أمام النازيين من دون التدخل في إيران، ذلك أن قسماً من الدعم الذي كانت تقدّمه كلٌّ من أمريكا وبريطانيا للاتحاد السوفيتي كان يتم عن طريق الممر الإيراني الذي يَربط إيران بأذربيجان السوفيتية. 

وبحسب التخمينات فإن نحو 50% من جميع الموارد التي تُرسلها أمريكا إلى الاتحاد السوفيتي كان يمر عبر إيران، فتأتي السفن والبواخر من بريطانيا وأمريكا، فتلتف على “رأس الرجاء الصالح” في أفريقيا الجنوبية لتصل إلى الخليج الفارسي وميناء بوشهر، ثم تُوصِل المساعدات إلى أراضي الاتحاد السوفيتي برّاً أو عبر بحر قزوين، كما أن شبكة السكك الحديدية التي بناها رضا شاه ساعدت في إيصال ونقل هذه المساعدات. 

جدير بالذكر أن كتاباً مهماً لافتاً صدر مؤخراً عن تاريخ السكك الحديدية في إيران من تأليف “ميكيا كوياغي” المؤرخ الياباني الأصل المقيم في أمريكا.

ومع أن إيران تم استعمارها عسكرياً في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية إلا أنها لم تَخسر سيادتها، ولم تتفتت أو تُضمَّ إلى دولة أخرى، وهذا عائد إلى حد كبير إلى جهود الدبلوماسيين الإيرانيين، ولهذا جاء في تغريدة “رهام ألوندي” أحد المؤرخين الإيرانيين البارزين أن مؤتمر طهران ينبغي أن يكون “مَبعث فخر” للإيرانيين، وقال ألوندي أستاذ التاريخ الدولي في “مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية” (LSE) في لندن، لإيران وير: “على الإيرانيين أن يفتخروا بحقيقة أن دبلوماسية بلدهم فَرضت على الحلفاء احترام حق سيادة النظام الإيراني على جميع الأراضي الإيرانية، مع أنهم لم يكونوا يمتلكون أوراق ضغط قوية حيال القوى المحتلة وقتئذ”.

لكن أهم حدث نَتج عن مؤتمر طهران هو إيفاء روزفلت وتشرشل بوعدهما لستالين، فبعد ستة أشهر من المؤتمر نزلت قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي شمال فرنسا للبدء بتحرير غرب أوروبا، وبعد سنة، بتاريخ 25 أبريل/نيسان 1945، التقت قوات أمريكا والاتحاد السوفييتي القادمة من معسكرين متضادين على ضفاف نهر إلبه في التراب الألماني، وكان الجيش الأحمر قد حرّر في 27 يناير/كانون الثاني معسكر “أوشفيتز للاعتقال والإبادة الجماعية” في بولندا، ولذلك يتم تكريم هذا اليوم بوصفه “اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست”.

إن اتحاد الاتحاد السوفيتي مع حلفائه على جانبي المحيط الأطلسي أفضى إلى تشكيل ما يُسمّيه “إريك هوبزبام”، المؤرخ البريطاني الماركسي، “الاتحادَ الكبير”: “كان ائتلافاً كونياً ضد الفاشية، ائتلافاً ساعد في الحفاظ على الحضارة البشرية، وكان أحد أكثر المناصرين لهذا الائتلاف هو إرل برودر، زعيم الحزب الشيوعي في أمريكا الذي كان شيوعياً ومحباً لوطنه أمريكا في الوقت ذاته. … وفي أحد مؤلَّفاته في العام 1944 أَطلق على هذا التوجه السياسي نحو الوحدة العالمية السوفيتية والأمريكية ‘الروح الطهرانية’”. 

وقد نشر الشيوعيون الأمريكيون هذا المؤلَّف في نيويورك تحت عنوان، طهران: طريقنا في الحرب والسلام، وجاء فيه: “حان أوانُ أن تُوصِلَ أمريكا الروح الطهرانية إلى جميع أرجاء الكون”.

لكن الروح الطهرانية لم تَدُم طويلاً، فقد كان ستالين من أكبر مجرمي التاريخ، وكان واضحاً عدمُ القدرة على الثقة به، واحتلت إيران مرة ثانية موقعاً محورياً في تاريخ العالم، وكان بسبب امتناع الجنود السوفييت عن الخروج من أراضي إيران أنْ أَصدر مجلس الأمن للأمم المتحدة المتشكل حديثاً أولَ قرار له، وكانت إيران موضوعَ أُولى الصراعات بين أمريكا والاتحاد السوفييتي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وصارت بنحو من الأنحاء نقطة بداية الحرب الباردة بين المعسكرين.

لكن الوعود التي قطعها الحلفاء في مؤتمر طهران 1943 ساعدت في الحفاظ على السيادة الإيرانية، وبهذا الصدد يقول رهام ألوندي: “لم يكن بيان 1943 والاتفاق الثلاثي في 1942 مجاملات دبلوماسية وحسب بل كان لهما دور جوهري في إنهاء الاحتلال السوفييتي لإيران في 1946 وتوفير المساعدات المالية في أعقاب الحرب لما أدّته إيران من دور في الحرب”.

عوداً على بدء، فقد كتبت السفارة الروسية ردّاً على الضجة التي أحدثتها الصورة الأخيرة من دون تقديم أي اعتذار: “بالنظر إلى ردود فعل الغامضة إزاء الصورة التي نشرناها ينبغي علينا الإشارة إلى أنها لا تَقوم على أرضية ضد الإيرانيين، ولم نَرغب في الإساءة إلى مشاعر الشعب الإيراني، والدلالة الوحيدة لهذه الصورة هي الثناء على الجهود المشتركة لدول الحلفاء ضد النازية في زمن الحرب العالمية الثانية، إيران جارة وصديقة لنا، وسنستمر في تعزيز علاقاتنا القائمة على الاحترام المتبادَل”، وما كان من شركليف، السفير البريطاني في طهران، إلا أن أعاد نشْرَ الجواب الروسي على موقع التويتر.

وارتباطاً، قام بعض أنصار النظام الإيراني بنشر صورة تَجمع بوتين وخامنئي ليقارنوها بصورة قادة الحلفاء في مؤتمر طهران 1943 التي يَغيب عنها الشاه الإيراني، وجواباً عن هؤلاء كان يمكن نشر صورة تَجمع الشاه الشاب محمد رضا بهلوي بفرانكلين روزفلت التي تم التقاطها قريباً من المؤتمر نفسه، ما يدل على إبداء أحد أهم قادة العالم للسيادة الإيرانية.

وأكثر شيء يمكن تفسيره بالإهانة للشعب الإيراني هو الكرسي الخالي في الصورة الأخيرة، وفي هذا الشأن حرّك “غودرز اقتداري” الناشط اليساري، مشاعر الكثيرين حين كتب منشوراً على الفيسبوك قال فيه: “عبّر ظريف عن غضبه واستيائه إزاء الصورة الأخيرة، يبدو أن ظريف لا يتحمل المزاح، إن تلك الصورة هي لمؤتمر طهران للسلام الذي مَهّد الطريق لهزيمة ألمانيا النازية، ومع أن ظريف يَجهل أن ذلك الكرسي الخالي الذي يُشير إلى مكان الرئيس روزفلت إلى جانب ستالين وتشرشل هو أكبر دلالةً بكثير من مزاعم نظام الجمهورية الإسلامية الجوفاء في ‘لا شرقي ولا غربي’. منذ أربعين سنة وإيران تفتخر بذلك الكرسي الخالي، في حين أن آثاره أثّرت سلباً في تطور إيران وجمّدت تنميتها ومستقبلها عبثاً”.

في الحقيقة يَعلم الشعب الإيراني في الوقت الراهن أن بلدهم لم يتوصل إلى مطلب “الاستقلال” الذي نادت به ثورة 1979 الإسلامية، كما أنهم يَعلمون أن إيران، التي كانت لها علاقات جيدة في عهد الشاه مع أمريكا والاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الشرقي، هي أقل استقلالاً الآن، ومضطرة إلى إقامة علاقات غير متساوية مع الدول العظمى القديمة والجديدة كروسيا والصين، ويبدو أن حلم إيران المستقلة بسيادة وطنية لن يتحقق أبداً في ظل نظام الجمهورية الإسلامية وسياساته الإقليمية والدولية.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد