مهرجان زفاف بيرشاليار.. طقوس الذكْر والسماع للدراويش في إيران

هاوري يوسفي – إيران وير 

يقام في كل عام (في أوائل فبراير/شباط) بكردستان الإيرانية أعراف دينية عريقة مثل “مهرجان الشيخ” أو طقوس “زفاف بيرشاليار” في قرية “هورامان تخت”. 

يبدأ دراويش الطريقة القادرية في هذا المهرجان بإنشاد الشعر والعزف على الدفّ وذبح الأضاحي وتوزيع حلويات وحساء خاص والذكْر ورقص السَّمَاع في أوساط جماهير الشعب بين يدي مرقد بيرشاليار، لكن هذا المهرجان لم يَقُم منذ سنتين بسبب ظروف جائحة كورونا.

ويرى الناشطون في الحقل الثقافي في هذه المنطقة أن طقوس مهرجان بيرشاليار في العام 2019 كانت أكثر إقبالاً قياساً إلى السنوات التي سبقتها، ناهيك عن مشاركة أهالي المنطقة الواسعة فقد حضرها ضيوف من جميع أرجاء إيران بل حتى كان هناك ضيوف أجانب قَدِموا إلى هورامان، الأمر الذي جعل من هذا المهرجان الديني-التاريخي أحدَ المعالِـم السياحية الجاذبة في المنطقة.

روايتان عن بيرشاليار

يَعتبر أهالي هورامان بيرشاليار واحداً من 99 شيخاً في منطقتهم، ويَرَون أنه يتمتع بقداسة دينية وكرامات عليا و شخصية أسطورية -تاريخية، وفضلاً عن منزلته الدينية فإن بيرشاليار طبيب يُشفي المريضَ المصاب بالمرض العضال، الأمر الذي جعل من مقبرة الشيخ وبيته مزاراً يَقصده أتباعه وأصحاب القلوب الكسيرة.

وفي ما يتعلق بمذهب بيرشاليار فهناك روايتان تاريخيتان رئيستان ما يزال يختلف فيهما المؤرخون ورجال الدين، إذ قال دهخدا في معجمه إن “بيرشاليار هو شيخ زرادشتي في هورامان، له كتاب يُسمى معرفة بيرشاليار، ويقدسونه أهالي هورامان كثيراً، ولا يَسمحون للغرباء والأجانب بلمس هذا الكتاب، ويَستعملون كلماته في كثير من الحالات بدلاً من الأمثال الشعبية”، ولم يبق من هذا الكتاب سوى عدة فقرات شعرية، ويَعزو أتباعه الشعر الباقي إلى شيخهم.

وكتب “محمد مردوخ كردستاني”، المؤلف والمؤرخ الكردي، عن بيرشاليار في كتابه “تاريخ مردوخ”: “يَعتبره البعض مسلماً واسمه مصطفى، والبعض الآخر يعتبره شيخاً زرادشتياً وابن جاماسب” (مردوخ كردستاني، 1973، ص120-125)، لكن السنّة يعتبرونه مسلماً من السادات ومن مريدي “عبد القادر الجيلاني”، مؤسِّس “طريق التصوف القادرية”، مع كل هذا، فالأهم لدى أهالي منطقة هورامان هو أن بيرشاليار صاحب كرامات ومنزلة رفيعة ومقدسة.

إجراءات ومراحل مهرجان بيرشاليار

يُقام مهرجان بيرشاليار في أوساط أهالي منطقة هورامان بمناسبة الزواج الأسطوري بين بيرشاليار وابنة ملك بخارى، يقال إن “شابهار خاتون”، ابنة ملك بخارى الصماء البكماء، شُفِيَت على يد بيرشاليار، وكان أبوها قد نذر أن يزوج ابنته لكل مَن يداويها، وهذا ما حدث، ولذلك يقام المهرجان سنوياً بمناسبة هذا الزفاف.

إضافة إلى الدلالة التاريخية لهذا المهرجان فإنه يرمز إلى العبور من فصل الجليد وشتاء هذه المنطقة القاسية إلى الربيع والتكاثر وولادة الحياة مرة ثانية.

القائمون على شؤون مرقد الشيخ وحديقته يُحمِّلون الأطفالَ في أوائل فبراير/شباط بالجوز والحلويات والشوكولاتة ويرسلونها إلى أهالي المنطقة لإخبارهم بإقامة طقوس المهرجان والاستعداد له، ويُطلِق أهالي هورامان على إرسال الجوز “الخبرَ والنبأ”.

بعد الانتهاء من المرحلة الأولى تأتي الخطوة الثانية المسمّاة “كلاروتشني” التي تبدأ مع فجر يوم المهرجان، ويتوزّع الأطفال مجموعاتٍ مجموعاتٍ في أزقّة القرية، ومع استلامهم السكاكر والحصرم الأسود والبسكويت والجوز واللوز، التي تدلّ على اتحاد أهل القرية وتضامنهم وتشاركهم، تَبدأ مراسيم مهرجان بيرشاليار رويداً رويداً.

وقال “كجان أسدي” الفنان والمخرج السينمائي الكردي المقيم في ألمانيا الذي حضر هذا المهرجان مراتٍ ومرات، لموقع “إيران وير”: “أعتقد أن أكثر مراحل المهرجان لذةً هي مرحلة كلاروتشني، لأن جميع أهالي القرية مستيقظون وينتظرون طَرْق الأطفال على أبوابهم، وهم بدورهم يملؤون سلال الأطفال بالسكاكر والجوز و…”.

موازاةً لمرحلة كلاروتشني يُقدّم ميسورو الحال أضاحيهم للقائمين على أمر المهرجان، ويذبحونها ويوزعون جزءاً منها على عوائل القرية، ويَطهون الباقي في حساء خاص بمهرجان بيرشاليار للحضور والضيوف.

الذِّكْر والسَّمَاع لدى الدراويش، والعزف على الدفّ والرقص الديني في مهرجان بيرشاليار

وفي اليوم الثاني الذي يُعتبر يومَ المهرجان، بعد الانتهاء من طعام الغداء وحساء النذر يتوجّه أهالي المنطقة والضيوف والدراويش جميعاً نحو ضريح الشيخ ليرقصوا رقصاً موزوناً ويمارسوا السرور الديني وهم يعزفون على الدف.

وفي اليوم نفسه يَعزف عازفو الدفّ على دفوفهم وسط دراويشَ يُوجِدون حلقاتٍ بأيديهم، ويَصلون بالمهرجان إلى ذروته على أعتاب ضريح الشيخ وهم يُطلقون عبارة “يا حيّ”، ويرقصون رقصة السماع والرقص الديني، وهكذا تتم تغطية مرقد الشيخ بصوت الدراويش وعازفي الدفوف وإنشاد التراتيل الدينية وتكرار “الله أكبر”، وتغرق رائحةُ السماع والذكر المعنويةُ جميعَ الحاضرين في هذه الأجواء الروحانية الصوفية.

وفي ما يتعلق بالعزف على الدفوف والأجواء المعنوية للدراويش أثناء الذكر والسماع بين يدي مرقد الشيخ، قال أحد الدراويش لإيران وير إن الرنين المتزامن الناجم عن عدة دفوف لا يُسكِرنا نحن وحدَنا بل يُسكِر الجميعَ، ويَذهب بنا قاطبةً في فضاء روحاني صوفي لا يُوصَف: “إن صوت الدفوف وانعكاسه في آنٍ واحد يُحوِّل فضاءَ هورامان العنيدَ إلى فضاء مليء بالتصوف، ويتطهّر الروح من جميع الأوساخ، ويتوحّد الإنسانُ مع الطبيعة دفعةً واحدة”.

تنتهي مراسيم ذكر الدراويش وسماعهم قبل صلاة الغروب، ويتوجّه المصلون بعد أداء صلاة المغرب نحو منزل الشيخ حيث تَبدأ مراسيم السَّهَر والجلوس الليلي، وبحسب هذا الدرويش الـمُريد في الطريقة القادرية فإن “الجميع يَجتمعون في السهر الليلي في منزل الشيخ، حيث يتحدث الكِبار والعلماء عن صفات بيرشاليار وكراماته، ثم تنتهي المراسيم مع قراءة أدعية السهر الليلي، وفي اليوم الأخير أيضاً يتوجه الناس إلى مرقد الشيخ لرؤية وزيارة أغراضه المتبقية ومنها صندله”.

حضور زرادشتي إيران والسيّاح الأوروبيين في مهرجان بيرشاليار

فضلاً عن ترحيب أهالي المنطقة بمهرجان زفاف بيرشاليار في السنوات الأخيرة فإن كثيرين من العاصمة طهران ومن المدن الكبرى الأخرى يُبدون اهتماماً بهذه الطقوس ويشاركون فيها، وبهذا الصدد قال لإيران وير أحدُ الناشطين في المجال الثقافي في هورامان ويَعمل دليلاً للضيوف غير المحليين لإيصالهم إلى هورامان: “في العام 2018 قدِمت عائلتان طهرانيتان مهتمتان بهذا المهرجان وحضرتا طقوسنا، واحتراماً لمعتقدات أهالي هورامان اشترَوا عدة رؤوس غنم وقدّموها للقائمين على المهرجان لذبحها كأَضاحٍ”.

“كجان أسدي”، وله تجربة التحدث مع بعض الضيوف غير المحليين في المنطقة، قال لإيران وير إن كثيراً من هؤلاء، ومنهم الزرادشتيون الإيرانيون، يشاركون في طقوس مهرجان زفاف بيرشاليار لشبهها وقربها من طقوسهم: “في العام 2018 كان هناك عائلتان زرادشتيتان قادمتان من أصفهان، وقد شاركتا في المهرجان لاعتقادهما بأن بيرشاليار من شيوخ الزرادشتيين”.

وفي السنة نفسها كان أسدي دليلاً لمجموعة مصورين قادمين من اسطنبول للمشاركة في المهرجان، وأوضح عن تنوع الأشخاص غير المحليين بل حتى الضيوف الأجانب القادمين في معظمهم من الدول الأوروبية لحضور هذا المهرجان: “لا يَقتصر الضيوف على أهالي المنطقة وحدَهم أو على إيران ودول الجوار بل يأتي البعض حتى من الدول الأوروبية، كثير من السيّاح الأوروبيين وحتى الصحافيين الإيطاليين والدنماركيين والإنكليز يشاركون في مهرجان زفاف بيرشاليار، وهم أنفسهم يقولون إنهم يُنظمون سفرهم إلى إيران بطريقةٍ يكون في إمكانهم المشاركة في هذا المهرجان”.

وفي ما يتعلق بالمشكلات التي تَعترض إسكانَ الضيوف المحليين والإيرانيين والأجانب المشاركين في المهرجان بسبب تزايد أعدادهم سنةً بعد سنة يقول “كاك جلال”، أحد الناشطين الثقافيين في هورامان، لإيران وير إن أهالي المنطقة أحدثوا فندقَين كبيرين في هورامان لحل هذه المشكلة.
وأردف قائلاً: “صحيح أن القادمين للمشاركة في المهرجان لم يكونوا تائهين قبل إيجاد هذين الفندقين، لأن أهالي هورامان مِضيافون كثيراً، فيوزّعون الضيوف بين بعضهم بعضاً، لكن الفنادق باتت تحل المشكلة في السنوات الأخيرة، وأحياناً يتم تأجير بعض البيوت في القرية في أيام المهرجان”.

وفي إشارة إلى واجب قوات الشرطة والأمن في توفير أمن مهرجان بيرشاليار قال: “لم يكن للأجهزة الأمنية قطُّ دورٌ في توفير الأمن لمراسيم المهرجان، بل إن أهالي القرية والناشطين في المجالين الثقافي والمدني في هورامان هم الذين يوفِّرون الأمن، وحتى الآن لم يَحدث في جميع المهرجانات أي مشكلة، لأن أهالي المنطقة المتحضرين يُقيمون هذا المهرجان منذ عشرات بل مئات السنين”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد