دور خامنئي في أزمة شُحّ المياه في إيران

علي رنجي بور – إيران وير

تُطرح في الوقت الراهن أزمة المناخ، وأزمة المياه، وأزمة الطاقة، وأزمة ارتفاع درجة حرارة الأرض باعتبارها القضايا الرئيسية التي تواجه الإنسانية، لكن أياً من هذه ليست قضية أصلية للإنسانية… إن القضايا الرئيسية ترتبط بمعنوية الإنسان وأخلاقه ومنها قضية المرأة والرجل ومكانة‌ المرأة ومنزلة المرأة في المجتمع، وهي حقاً أزمة”.. “علي خامنئي” في مايو/أيار 2011

إن العاصفة التي تجتاح الاقتصاد والمجتمع الإيراني اليوم هي نتاج طبيعي للرياح التي زُرعت في هذه الأرض منذ 40 عاماً، ويُعَّد المرشد الأعلى “علي خامنئي” هو البستاني لهذه الحديقة المنكوبة، فقد أدار البلاد طيلة الـ 32 عاماً وفق نظرية المؤامرة، وجر إيران إلى طريق مسدود تمامًا دون مبالغة.

لقد فقدت إيران كل إمكاناتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبالطبع البيئية، تآكلت الهياكل دون أي خطط لإعادة بنائها، ولا أمل في تحسين الظروف سواء على المدى القصير أو على المدى المتوسط، حتى أن بعض الأزمات ليس لها حل على الأمد الطويل، ومثال ذلك أزمة المياه التي تفاقمت هذه الأيام في خوزستان، والتي لم تقتصر على خوزستان فحسب بل انتشرت في جميع أنحاء إيران.

ولكن ما هو دور المرشد الأعلى في تشكيل أزمة المياه وتفاقمها؟

يعتبر علي خامنئي هو مهندس العزلة الإيرانية خلال الـ 32 عاماً الماضية، تلك العزلة التي تمت على حساب تدمير الاقتصاد وتلف الهياكل الاجتماعية والبيئية، طيلة العقود الثلاثة الماضية كان خامنئي العائق الرئيسي أمام تحول إيران لدولة طبيعية، دولة تستطيع إدارة احتياجاتها وإمكاناتها بشكل متوازن ودون أي خداع ومراوغة، ومستعدة للتعاون والتفاعل مع العالم أجمع باستقرار نسبي، كما يمارس التجار عملهم فيها بحريةٍ تامة ويصدرون السلع والخدمات الفائضة عن استهلاكهم مثل الزعفران والفستق، و يستوردون ما يحتاجونه مثل القمح والذرة والبطيخ. 

ولكن هذه المعادلة البسيطة لا تتحقق في إيران، لأن علي خامنئي أكثر شغفًا بالمغامرات العبثية على مستوى المنطقة والعالم، تلك الأمور التي تمت على حساب العزلة والحظر وتدمير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في إيران.

خامنئي هو قائد الدولة الغارقة في أزمة المياه حتى الحلقوم، ورغم أن إيران ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من عجز المياه وآثار التغيرات المناخية، إلا أنها الدولة التي وصلت أزمة المياه والتربة بها إلى مستويات عالية دون أي أثر لإدارة الأزمة، فهي لا زالت تصر على تنمية الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية حتى بعد تلف خُمس سهولها الخصبة.

ماذا يعرف خامنئي عن أزمة المياه؟

لا يوجد في الإحداثيات العقلية لخامنئي ما يُسمى بـ “أزمة المياه”، وإن وجدت فهو لا يعيرها أي اهتمام، إنه لم يشر إلى أزمة المياه في خطاباته سوى مرة واحدة فقط، وكانت هذه المرة الوحيدة خلال حديثه إلى جماعة من “السيدات النخبة” قبل 10 سنوات، حيث قال إن هذه الأزمة ليست من المشاكل الرئيسية للبشرية: “تطرح في الوقت الراهن أزمة المناخ، وأزمة المياه، وأزمة الطاقة، وأزمة ارتفاع درجة حرارة الأرض باعتبارها القضايا الرئيسية التي تواجه الإنسانية، لكن أياً من هذه ليست قضية أصلية للإنسانية، إن معظم الأمور التي تمثل المشكلات الرئيسية للبشرية تعود إلى قضايا ترتبط بمعنوية الإنسان وأخلاقه والسلوك الاجتماعي بين أفراد البشر ومنها قضية المرأة والرجل ومكانة‌ المرأة ومنزلة المرأة في المجتمع، وهي حقاً أزمة”.

في الـ 20 جملة المختارة من تصريحاته حول “البيئة” والتي نشرها الموقع الرسمي لمكتب حفظ ونشر آثار المرشد، لم يرد أي اهتمام بأزمة المياه، وكانت أغلب الجمل، عبارة عن جمل تقليدية عامة مثل “البيئة أمر حيوي” أو “الأشجار والنباتات أمر ضروري للبلاد والحياة والشعب والتنفس.”

وقد أشار في موضع واحد فقط إلى أزمة تعرية التربة، وقال: “إن قضية تعرية التربة أكثر أهمية من قضية المياه”، يبدو أنه لا يعرف أن نقص الموارد المائية هو أحد الأسباب الرئيسية في تعرية التربة، المياه التي كانت تُستخرج من باطن الأرض طيلة الأربعين عام الماضية، كانت تُستهلك في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح وتصدير البطيخ.

لا يعرف خامنئي أنه حينما تنتهي المياه الجوفية، ينتهي أمر السهول على الدوام، فحينما تنفد المياه تتلاشى المساحات الفارغة بين طبقات التربة و تضغط التربة وتستقر، ينحصر السهل أو يموت إن جاز التعبير، وحينما تنتهي السهول لن يكون هناك أي سبيل لعودتها، حتى وإن ظلت رطبة وتسقط بها الأمطار لمائة عام، فلم يعد هناك طبقة جوفية لريها بالماء، ولهذا ستظل المياه موجودة على سطح الأرض ثم تتبخر في الهواء، وما يٌقال عن موت السهول لا يقتصر على سهل أو اثنين، بل فُقد نحو خُمس سهول البلاد على الدوام.

الاقتصاد المقاوم ضد المياه

يعاني الشعب الإيراني حاليًا من أكبر الأزمات في التاريخ المعاصر، فقد تراجعت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية إلى أدنى حدودها على مر التاريخ، بينما لا تزال تصريحات خامنئي كما هي، فهو يقول منذ حوالي عقد من الزمان أن “الاقتصاد المقاوم” هو حل جميع مشكلات البلاد.

لقد تمت صياغة مصطلح الاقتصاد المقاوم في مكتب المرشد ليكون بديل للعقوبات، ولكنه ليس كذلك، إن المعنى البسيط للاقتصاد المقاوم، هو إدارة البلاد دون الحاجة للدول الأخرى، ولتحقيق هذا الأمر لا يوجد سبيل سوى إنتاج كل شيء محليًا بدءًا من السلع الصناعية وحتى المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية. 

وفي سياق تحقيق الاقتصاد المقاوم، لا يهم الفساد وانعدام الكفاءة الاقتصادية وتدمير الهياكل وإهدار الموارد الطبيعية وموت السهول وتفشي أزمة المياه، الشيء الوحيد الهام هو وقف الاعتماد وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

لكن هل تحقيق الاكتفاء الذاتي في الزراعة ممكنًا في إيران؟

بالطبع هو أمر لا يمكن تحقيقه، فعلى الرغم من الزيادة المفرطة في التنمية الزراعية، فإن معدل اعتماد إيران على استيراد المواد الغذائية يبلغ حوالي 44٪، وبالإضافة إلى ذلك كيف يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء في ظل أزمة نقص المياه؟

لقد تضاعف عدد سكان إيران أكثر من مرتين خلال الـ 40 عام الماضية، ووفق الإحصائيات الرسمية، زاد معدل الإنتاج الزراعي نحو خمسة أضعاف في الفترة من 1977 إلى 2019، كما زادت معدلات إنتاج المحاصيل الزراعية نحو أربعة أضعاف، ولكن هل تحسنت الأوضاع؟يكفي أن نسأل كل إيراني ما إذا كان توافر المواد الغذائية عام 1977 أفضل، حينما كان يتم استيراد قطاع كبير من المحاصيل الزراعية، أم الوضع الآن وقد تضاعف الإنتاج المحلي؟ حتى إذا افترضنا الإجابة الثانية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هل كان الأمر يستحق التضحية بموارد البلاد من المياه؟

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد