مصادرةٌ للأموال وظلم في الإرث ودفع الدِّيَة.. هل ينصف القانون الإيراني الأقليات الدينية؟

مريم دهكردي – إيران وير 

تقول المادة الرابعة من الدستور الإيراني: “حكومة الجمهورية الإسلامية والمسلمون ملزَمون بالتعامل مع غير المسلمين بأخلاق حسنة وبالعدل الإسلامي ومراعاة حقوقهم الإنسانية، ويَسري هذا على مَن لا يتآمر على الإسلام والجمهورية الإسلامية ولا يَعمل ضدَّهما”.

كما تُصرّح المادة الثالثة من الدستور الإيراني بأن من مهام حكومة الجمهورية الإسلامية استخدامَ جميع إمكانياتها لإزالة التمييز العنصري غير المنصف، وإيجاد إمكانيات عادلة للجميع في جميع المجالات المادية والمعنوية، وكذلك ” تأمين الحقوق الكاملة للأشخاص رجالاً ونساء، وإيجاد فضاء قضائي عادل للجميع، وتساويهم قاطبةً أمام القانون”.

لكنْ هل يَشمل “القسط والعدل الإسلامي” على أرض الواقع المواطنين غير المسلمين في حقول مختلفة؟ إذا تَعرّض مواطن غير مسلم أثناء العمل لحادث انتهت إلى موته أو بتر أحد أعضائه فكيف يتعامل معه القانون؟

آشوري مسيحي في إيران 

يقول “فاروق” وهو اسم مستعار لمسيحي آشوري مقيم في إيران، تم تعيينه قبل سبع سنوات كعامل فني في مصنع، وبعد سنتين من عمله تعرّض لحادث أدى إلى بتر في أعضائه: “فقدتُ ثلاث أصابع من يدي اليمنى جرّاءَ انعدام الأمن في مكان عملي، ولم تَعُد تَسمح لي ظروفي الصحية بالاستمرار في العمل هناك، كنت في مرحلة النقاهة حين أَرسل لي مديرو المصنع رسالة نَصية تَقول إذا تقدّمت بشكوى فسيتم فَصلك وسندفع دِيَتك بالتمام والكمال، لكن إذا صرفتَ النظر عن الشكوى سندفع لك دية أقل وفي المقابل تستطيع العودة إلى عملك، كنت قد تزوّجت حديثاً، ولسوء فرص العمل في إيران قلت لنفسي سأَصرِف النظر عن الشكوى للاحتفاظ بعملي”.

ويضيف فاروق أنه حين عاد إلى مصنعه اقترحوا عليه عملاً مكتبياً: “قالوا لي لم يَعُد بإمكانك العمل في قسم الإنتاج، تعال وكن موظفاً لدينا، فقبلتُ وتَقرر أن يُقدِّروا العطل والضرر الذي لحق بي ودفعه لي، لكن حين حان وقت الدفع أدركت أنهم حددوا مبلغاً ضئيلاً، ومَرَدُّ ذلك إلى انتمائي إلى أقلية دينية”.

ويُتابع هذا المواطن المسيحي إنّ تعامل القوانين العنصرية معه لم تقف عند هذا الحد، عندما وجد أن لديه فائضاً من الوقت في عمله الوظيفي الجديد “قررتُ إكمال دراستي في الجامعة والحصول على شهادة تنسجم مع عملي، بدأت الدراسة في قسم إدارة الأعمال، وكان حافزي من وراء ذلك تقديم شهادتي لأصحاب عملي للارتقاء في وظيفتي وكسب راتب أعلى، لكنْ ما كان أَوهى خيالي!”.

وكان فاروق قد أنهى دراسته الجامعية قبل سنتين فحمل شهادته وتوجّه إلى القائمين على المصنع الذي يعمل فيه: “نلتُ شهادتي المرتبطة بعملي من جامعة حكومية، وقدّمتها للمَعنيين في المصنع منذ سنتين بغيةَ الارتقاء في الوظيفة، ولغتي الإنجليزية ممتازة، لكن لم يَحدث أي تغيير في وظيفتي، والأسوأ من ذلك أن المدير الجديد للمصنع، وهو متشدّد دينياً، طلب مني الكفّ عن متابعة الموضوع، وإلا فسأخسر وظيفتي كلَّها”. 

يُضيف فاروق: “أعرف أن فصلي لن يكون أكثر من شربة ماء لهم، كونُك من الأقلية الدينية يُجيز للمسؤولين في أي منصب كانوا أن يمارسوا العنصرية بحقك، في المقابل قاموا بترقية زميل لي في المصنع حائز على شهادة الليسانس في قسم ‘المديح الديني’ في وظيفته وزادوا راتبه، لا لشيء إلا لأنه مسلم!”.

مواطن إيراني يارساني

يقول مواطن إيراني يارساني لموقع “إيران وير”: “بسبب عدم الاعتراف الرسمي باليارسانيين في الدستور الإيراني لا يتمتعون بأية مكانة اجتماعية وإدارية وسياسية، ويتمّ التنكر لهويتهم، ولذلك عادة ما يضطر اليارسانيون في الدعاوى الحقوقية في أمكنة عملهم إلى إخفاء هويتهم للحصول على حقوقهم، فيعلنون أنهم مسلمون شيعة، وإلا فلن يتمّ البتُّ في شكاواهم بأي حال من الأحوال، فإذا تعرضوا لأذى جسمي أو بتر أحد الأعضاء أو الموت فلا حيلةَ لهم سوى التكتم على هويتهم، اللهمَّ إلا إذا تَسرّبت القضية إلى وسائل الإعلام ولم يَعُد هناك مجال للإخفاء”.

هذا المواطن اليارساني الذي يُفضّل عدم ذكر اسمه يُشير إلى قصة مقتل “ميترا أستاد”، الزوجة الثانية لـ “محمد علي نجفي”، السياسي وعمدة طهران السابق، فيقول: “حينها ذكرت وسائل الإعلام مسألة أن ميترا يارسانية، كان الهدف من وراء ذلك تبرئة زوجها القاتل، كانوا يريدون إباحة إراقة دم هذه الزوجة الشابة لكي يقتصر الأمر على دفع الدية فقط، ولكي لا يتسنى لعائلتها التقدم بطلب القصاص من القاتل، وهذا ما حدث بالفعل”.

ماذا يقول قانون العقوبات الإسلامي عن الدية والإرث لغير المسلمين؟

وفقاً لقانون العقوبات الإسلامي في إيران، إذا كان المقتول مسلماً فلا بدّ من تطبيق قانون القصاص عقاباً للقاتل، لكن القانون نفسه يقول إذا كان المقتول غير مسلم يُقتصَر على معاقبة القاتل بدفع الدية وحسب، دَعْك من أن دفع الدية يَختص بالأقليات الدينية المعترَف بها رسمياً فقط، وكذلك لا تتساوى دية غير المسلم مع نظيره المسلم.

في وقت سابق كان”يوناتان بت كليا”، نائب الآشوريين في عدة دورات في البرلمان الإيراني، قد أشار إلى مساعي البرلمان السادس في إعداد لائحةٍ تتطرق إلى قضية دفع الدية لغير المسلمين، وقال: “أُقرَّت هذه اللائحة في البرلمان السادس، لكن مجلس صيانة الدستور رفضها، وفي النهاية كان رأي المرشد الأعلى بالموافقة عليها،كما يُشير إلى المادة 881 المكررة في القانون المدني في قوانين الإرث، حيث يُذكَر مواطن الأقليات الدينية بصفة “الكافر”.

ويقول: “نحن غاضبون، ذلك أن القانون المدني أُقرَّ في 1937، وأُعيد إقراره في 1991، واليومَ لا أعلم هل أنا كافر أو من الأقلية الدينية! لأن هذا القانون ينصّ على أن الكافر لا يَرث المسلمَ، وهذا يَعني أنه لو أسلم أحد أعضاء عائلة من الأقلية الدينية لا يتسنى للأعضاء الآخرين أن يَرثوه، أو إذا أسلم ابني، وهو يَعرف هذا القانون، فسيكون الوحيدَ الذي يرثني، ولن يستطيع أولادي الآخرون أن يرثوني، وهذا سيؤدي إلى زوال عوائل الأقليات الدينية”.

“شاهين صادق زاده ميلاني” رجل قانون ومدير تنفيذي لمركز وثائق حقوق الإنسان في إيران ومواطن بهائي وابن أحد المفقودين قسرياً في إيران في ظل نظام الجمهورية الإيرانية، صرّح لإيران وير قائلاً: “تعرّض عدد من البهائيين للأذى منذ انتصار الثورة الإسلامية، لكن الذي يُسيء إلى بعض العوائل البهائية أنه لا تكون هناك معاقبة لقاتل البهائيين، وأسوأ من ذلك أنه حتى لا تتم متابعة قضية العثور على القاتل!”.

عدم المساواة في الأموال والممتلكات

من القضايا الأخرى في عدم مساواة مواطني الأقليات الدينية مع المواطنين المسلمين في إيران قضيةُ أموالهم وممتلكاتهم، فإذا واجهت مواطناً من إحدى الأقليات مشكلةٌ قانونية بخصوص الأموال والممتلكات فلا يملك أيَّ ضمان لاسترجاع ملكه أو تعويضه عن العطل والضرر الناجم عن تلك المشكلة.

“سالم”، مندائيّ مقيم في الأهواز، يروي لإيران وير قضية اغتصاب بلدية مدينة الأهواز لأحد ممتلكات والده: “منذ سنوات طويلة وملفُّ منزل جدي لأبي في شارع ‘فرهنك’ مجمَّد، لأن البلدية وضعت يدها على أراضي الصابئين المندائيين في تلك المنطقة، فلا يمكننا لا إعماره ولا بيعه، والبلدية أيضاً لا تَقبل بشراء الأرض، وحين أصررنا عليها اقترحت سعراً متدنياً مُضحكاً، وفي هذه السنة أَطلقوا على الأهواز اسم ‘مدينة الصابئين’، لكننا نحن الصابئين المندائيين نَركض تائهين ضائعين وراء أبسط قضايا الحقوقية والقانونية من إدارة إلى إدارة”.

على أن الاغتصاب والمصادرة ليست  على الأموال والممتلكات الشخصية لمواطنِـي الأقليات الدينية غير الرسمية فقط، هناك أيضا حالات لاستيلاء بعض المجموعات والمؤسسات المسلمة المتشددة دينياً على الممتلكات الحكومية التابعة للأقليات الرسمية أيضاً، من ذلك تُـمكِن الإشارة إلى قضية قطعة الأرض في شارع ‘باتريس لومومبا’ التابعة لكنيسة الآشوريين في طهران، ذلك أن إحدى هيئات العزاء المسلمة قامت قبل عدة سنوات بالتشاور مع القائمين على الكنيسة لإقامة مراسم العزاء في ذلك الشارع لمدة سنة واحدة. 

يقول يوناتان بت كليا، النائب عن الآشوريين، بهذا الشأن: “أجاز مسؤولو الكنيسة بإقامة هيئة العزاء في الشارع لسنة واحدة فقط، لكنْ مرت سبع سنوات والهيئة  لا تغادر المنطقة، حتى لقائي مع ‘علي يونسي’، المستشار الخاص لـ ‘حسن روحاني’، لم يُثمر عن شيء بخصوص شؤون القوميات وأتباع الأديان، فقال لي لا يمكنه فعل شيء، تَحدثنا مع الصحف ووسائل الإعلام عن هذا الأمر لسنتين حتى استطعنا في نهاية المطاف استرجاع قطعة الأرض المملوكة للكنيسة”.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد