علاقات إيران وفنزويلا وحزب الله.. تعرف على جزيرة مارغريتا التي ينجز بها الحزب أعماله غير القانونية

زيمنا هررا – إيران وير 

في 13 يوليو/تموز 2021 وجّهت وزارة العدل الأمريكية إلى أربعة إيرانيين تهمة التآمر لاختطاف مسيح علي نجاد، الصحفية الإيرانية والمعارضة لنظام طهران، من الأراضي الأمريكية وتهريبها إلى فنزويلا ومنها إلى إيران.. فلماذا فنزويلا؟ 

لطالما كانت علاقات إيران وفنزويلا في السنوات الأخيرة علاقات حارة ومتينة، ما حَدَا بالمسؤولين الأمريكيين إلى التعبير عن قلقهم من مستقبل هذه العلاقات ومن احتمالية تقسيم النظام الإيراني سلاحَه العسكري مع الجيش الفنزويلي، مُحذّرين من أن وصول الصواريخ الإيرانية إلى النظام الدكتاتوري في أمريكا الجنوبية غير مقبول.

كيف تَشكّل هذا الاتحاد العسكري الخفي بين إيران وفنزويلا؟

أرسى “هوغو تشافيز” (وهو رئيس الجمهورية الاشتراكية الفنزويلية الذي بقي في السلطة بين عامَـي 1999 -2013) الدعائم الرئيسة للعلاقات السياسية والودية مع إيران، إذ كان يَميل إلى أن يَتمحور التعاون بين البلدين في معظمه حول المشاريع العسكرية والاقتصادية المشتركة.

وقد أراد أن تستثمر إيران في فنزويلا، وبدأ ذلك بالفعل في قطاع النفط، وتحقيقاً لهذا الهدف أسس مصرفاً أسماه “المصرف الإيراني الفنزويلي المشترك”، تزامناً مع ذلك انتهج سياسة “دعْهم يَفعلوا ما يشاؤون”، وأجاز لـ “حزب الله”، المنظمة العسكرية الداعمة لسياسات إيران، اتخاذَ فنزويلا قاعدةً لتوسيع نطاق نفوذه في أمريكا الجنوبية، وهذه السياسة ما تزال مستمرة حتى اليوم، وتتيح لحزب الله السعي وراء اكتساب الدعم السياسي والمالي في المنطقة.

حزب الله في فنزويلا: قراءة إجمالية

شرح “جوزيف هومير” (المدير التنفيذي لمركز دراسات “مركز دعم مجتمع آمن وحرّ”، ومقرُّه في واشنطن) أن غالبية قواعد دعم حزب الله في أمريكا الجنوبية تشكلت في أوساط الأقليات العربية واللبنانية المقيمة في هذه المنطقة، ومعظمهم يسكنون في البرازيل، والأرجنتين، وكولومبيا، وفنزويلا. 

وقال “جوزيف هومير” لموقع “إيران وير” إن9 عوائل لبنانية قامت بشكل خاص بتقديم العون كي يَستقر حزب الله في فنزويلا، وهناك ثلاث عائلات معروفة أكثر من غيرها هي “رادا” و“صالح” و“نصر الدين”.

قبل هذا التاريخ أيضاً كان حزب الله نشِطاً في فنزويلا، لكن مع وصول تيار “التشافيزية” إلى الحكم كَثُر حضوره في هذا البلد، ولا يَكتفي حزب الله باستخدام “كاراكاس” كقاعدة استراتيجية لتوسيع دائرة موارده المالية، بل يَستعملها كذلك للقيام بحملات إرهابية، أشهرها تفخيخ “جمعية التعاون الإسرائيلي الأرجنتيني” (آميا) في “بوينس آيرس” في 1994، فأفضى إلى مقتل 85 شخصاً، وأثبتت الوثائق المقدَّمة في المحكمة حينها أن التخطيط لهذه العملية تم في فنزويلا.

“عامر محمد أكيل رادا” هو أحد المتهمين في هذه القضية، يَحمل الجنسية اللبنانية-الفنزويلية، وهو من عائلة رادا، ويَعمل بدعم من “نيكولاس مادورو”، الرئيس الفنزويلي الحالي، في مجال “العملة الافتراضية” وجمع ثروة طائلة، يُتّهَم بأنه كان أحد المنسقين لمخطط هجوم 1994، وكان له دور في تفخيخ السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس في 1992 أيضاً.

تأسيساً على تقرير فريق من الإعلاميين الفنزويليين يُدعى “لا غران آلدا” المقيمين في كولومبيا، يُحصِّل حزب الله سنوياً دخلاً غير قانوني يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار ناتج من غسيل الأموال وتهريب المخدرات في المنطقة المعروفة باسم “ثلاثة حدود”، وهي منطقة على حدود كلٍّ من الباراغواي والأرجنتين والبرازيل، و“جزيرة مارغريتا” في فنزويلا هي منطقة أخرى تُنجَز وتَتوسع فيها أنشطة حزب الله غير القانونية، وهذه الجزيرة تُعرف “بالمنطقة الحرة” في الكاريبي.

ارتكازاً على معلومات الدائرة الأمريكية لمكافحة المخدرات في 2009، استغل “قاضي نصر الدين”، الدبلوماسي الفنزويلي، موقعَه في السفارة الفنزويلية في دمشق ورتّب لقاء جمع بين حزب الله و“طارق الايسامي”، الوزير الفنزويلي حينها، و“هوغو كارافيل باريوس”، الرئيس الأسبق لهيئة مكافحة التجسس الفنزويلية، وحالياً تلاحق دائرة مكافحة المخدرات الأمريكية كارافيل باريوس بتهمة تجارة السلاح والكوكائين، ذلك اللقاء الذي جرى في سوريا بطلب وباسم “القوات الثورية الكولومبية المسلحة” (فارك) انتهى إلى معاملة أثمرت في 2014، فقد هبطت طائرة شحن لبنانية مُحمّلة بالأسلحة في مطار “مايكتيا” الدولي في كاركاس، ودخلت المهبط الخاص بطائرات رئاسة الجمهورية، ومن هناك تم نقل السلاح إلى القاعدة العسكرية “غوآريكو” في فنزويلا.

كما يَعمل فريق آخر من عائلة نصر الدين في جزيرة مارغريتا، إن هذه العصابة الشهيرة بـ “دلّالة” حزب الله هي المسؤولة عن عمليات مختلفة لغسيل الأموال وإدارة أنشطة حزب الله التجارية في أمريكا اللاتينية، وأحد أفراد هذه العصابة هو “أوداس نصر الدين” الذي يَعتبره كلٌّ من فريق إعلاميّي غران آلدا ومركز دراسات “المجلس الأطلنطي” المسؤولَ عن تأسيس مركز تدريب الميليشيات في جزيرة مارغريتا، وفي مقابلة مع إيران وير، يُشير جوزيف هومير إلى أن هدف هذه المراكز التدريبية لا يَقتصر على تشكيل الفصائل المسلحة وحسب، بل يُستشفُّ أن هدفها التدريبُ للقيام بعمليات تخريبية وزعزعة الاستقرار، الأمر الذي يُتيح للنظام الإيراني القدرةَ على التحكم في المنطقة من خلال حزب الله، يُقال إن الإخوة نصر الدين مقرَّبون من طارق الايسامي الذي أصبح مؤخراً وزير النفط في فنزويلا.

خلافاً لخليفته، نيكولاس مادورو، فقد سعى هوغو تشافيز إلى رسم خطوط حمراء للعلاقات بين فنزويلا وإيران وحزب الله، وأَفضلُ مثال على ذلك ما حدث في 2006، حين كان “تيودورو دارنوت” يَدّعي أنه “إمام حزب الله في فنزويلا”، وزرع قنبلة قرب السفارة الأمريكية في فنزويلا، لكنْ سَرعان ما تم اعتقاله هو ومن معه، وتفكيك قاعدة عملياته وإزالتها من على صفحة الوجود، كان ذلك الإجراء رسالة واضحة إلى مَن يريد تعزيز مكانته في البلاد من خلال التوسل بالعنف والإرهاب.

لكن المجلس الأطلنطي يعتقد أن حزب الله نجح في تحويل فنزويلا في عهد مادورو إلى بلد الجرائم الممنهجة العابرة للحدود وإلى بلد الإرهاب الدولي، وعندما بلغت الاحتجاجات الشعبية والسياسية ضد مادورو ذروتها زعمت أحزاب متعددة أنه طلب المؤازرة من حزب الله، والأخير يريد بقاء مادورو في السلطة، لأنه ينتفع من التعامل مع حكومته المتأزمة ذات النزعة العسكرية، وهو تعامل جارٍ للالتفاف على العقوبات، ناهيك عن أن بقاء مادورو في السلطة يُتيح لحزب الله تطوير عملياته غير القانونية في فنزويلا، كما أن فنزويلا باتت قاعدة لعمليات حزب الله في التجارة العابرة للحدود، فقد كشفت السلطات التشيلية عدة شركات تجارية يُتكهَّن أنها شكلية ظاهرياً، أما باطنياً فهي مراكز لأنشطة حزب الله الرئيسة، منها “شركة صالح للتجارة” التي تُشير بيانات هيئة الطيران المدني الوطنية الفنزويلية إلى أن تجارتها الأصلية تصدير “القماش” إلى تشيلي.

التبعية لإيران التفافاً على العقوبات

تَسوء الأوضاع الاقتصادية في فنزويلا نتيجة العقوبات والتضخم المنفلت من عقاله يوماً بعد يوم، وخسِر مادورو دعم المجتمع الدولي، ويعيش ظروفاً متأزمة، وربما لهذا السبب يَسعى إلى حفظ علاقاته الودّية مع إيران بأي ثمن كان، في الجهة المقابلة، وإن كان المسؤولون الإيرانيون يَرفعون أصواتهم بأن دعمهم إنما لنيكولاس مادورو إلا أن هدفهم الواقعي هو في معظمه متعلق بمصالحهم التجارية أكثر من أن تكون مصالح سياسية، ولذلك تُرسَل بين الحين والحين ناقلات نفطها إلى فنزويلا لحل مشاكل المحروقات، وما تزال صادرات مادّتَـي البنزين والمازوت من إيران إلى فنزويلا مستمرة رغم العقوبات الأمريكية، وحتى الآن قامت أمريكا بحجز ومصادرة عدة شحنات إيرانية مرسَلة، كما أن إيران بدورها تتهم الولايات المتحدة بالتصرف كما يتصرف “قراصنة البحر”. 

وفي هذا السياق تمت مصادرة ناقلة نفط إيرانية كانت قيمتها تبلغ 40 مليون دولار، ومزامَنة مع ذلك فإن إنتاج النفط الفنزويلي الخام في ارتفاع، وناقلات النفط الإيرانية المرسَلة إلى هناك ستكون قادرة بعد تفريغ حمولتها على تقديم المساعدة في تصدير النفط الفنزويلي الخام إلى روسيا والصين كما تشير الاحتمالات. 

لكن العلاقات التجارية الإيرانية الفنزولية تتجاوز نطاق النفط، ففي أوائل العام الجاري احتفل الطرفان في خطوة رمزية بافتتاح مَتجر إيراني اسمه “مغاسيس” في كاراكاس، يقال إنه يعود إلى الحرس الثوري الإيراني و“ألكيس صعب”، التاجر الكولومبي اللبناني الأصل ومن المقرَّبين إلى مادورو، وقد اعتقلت النيابة العامة الكولومبية ألكيس صعب في وقت سابق بتهمة تبييض الأموال والقيام بعمليات مزيفة، كما أن أمريكا تتهمه باستغلال عقودٍ تتجاوز قيمتَها الحقيقية، ويُتهَم كذلك بتهريب الذهب في فنزويلا، لكن رغم هذه البلبلة كلها يمكن اعتبار متجر مغاسيس نموذجاً مناسباً على أنشطة إيران في فنزويلا.

زِدْ على جميع ما ذُكِر أن المخاوف تزداد منذ مدة من بيع الصواريخ الإيرانية إلى فنزويلا، ومنذ ما يزيد على 10 سنوات تم اكتشاف مركز بتروكيميائي ومعمل خفيّ لصنع البارود في مدينة “مورون” الفنزويلية، وقد صممت هذه المجموعةَ “شركةُ بارجين للصناعات الكيميائية” التي تُدار بإشراف وزارة الدفاع الإيرانية، ويقال إن لها دوراً جوهرياً في البرنامج النووي الإيراني، وتم إطلاق هذا المشروع بتوجيهات “شركة الصناعات العسكرية الفنزويلية”، واسم رمزها “مشروع بهمن”، في 2016كشف صحفي برازيلي عن وثيقة رسمية تثبت أن هوغو تشافير وقّع في 2009 على اتفاقية قدرها مليون و300 ألف دولار، وعلى أساسها أُلزِم مقاولُ وزارة الدفاع الفنزويلية وشركة بارجين بالاستثمار المشترك وإنتاج المواد الضرورية للنفط المجمد للصواريخ.

في السنوات الأخيرة لا تنفكّ تسافر قيادات إيرانية عسكرية إلى فنزويلا، ومع هذا ليست هناك دلائل تُثبت بيع إيران الصواريخ لفنزويلا، لكن إذا تم ذلك فلا شك أنه سُيكلِّف فنزويلا أثماناً باهظاً، ففضلاً عن شراء الصواريخ تحتاج فنزويلا كذلك إلى نصب نظام الأقمار الصناعية، وهذا لا يتسنى لها من دون موافقة ودعم الدول الأخرى، إذاً، ما يَجعل إيران وفنزويلا تتحدان في الوقت الراهن ليس بيع وشراء الأسلحة بل مطلب الطرفَين في الالتفاف على العقوبات الأمريكية عليهما، وتعزيز مواقفهما في المنطقة، وإنتاج الأموال والاستثمارات التي يَقوم بها وسطاء مثل حزب الله، مَهما يكن من أمر فلا يمكن اعتبار العلاقات بين البلدين بالقليلةِ الأهمية، لأنها لم تُفضِ بمادورو إلى تعزيز مكانة نظامه وحسب بل تهيئ الظروفَ لتعزيز وترسيخ أنظمة مستبدة أخرى في أمريكا اللاتينية.

إنّ لفهم خطر حضور حزب الله في فنزويلا أهميةً جوهرية، وحزب الله المسلح ليس في خدمة النظام الفنزويلي وحسب بل سُمِح له أن يكون جزءاً من النظام نفسه، ولهذه القضية عواقب وخيمة لأمريكا اللاتينية كلها، من ذلك إرسال السلاح إلى القوات المسلحة الثورية في كولومبيا، وتبييض الأموال، وتهريب المخدرات عبر الحدود، وكلما زاد حضور هذا الحزب في أركان الحكومة الفنزويلية اكتسب قدرةً أكثرَ، الأمر الذي يُتيح له توسيع رقعة حضوره في مناطق أخرى.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد