رسالة ظريف الوداعية إلى البرلمان ومصير الاتفاق النووي الإيراني

فرامرز داور-إيران وير

بعد انتهاء ستّ جولات من مفاوضات فيينا بخصوص رفع العقوبات الأمريكية وعدم ذكر أطراف التفاوض معلوماتٍ دقيقةً عن المشاكل والعقبات الحائلة دون الوصول إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، ها هو “محمد جواد ظريف”، وزير الخارجية الإيرانية، يُرسل رسالة من 264 صفحة إلى رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، مُقدِّماً تقريراً عن ستة أعوام من الاتفاق النووي، مُشيراً فيه إلى بعض العقوبات التي لم تَقبل الولايات المتحدة برفعها حتى الآن، يبدو أن الإبقاء على هذه العقوبات هو إحدى عقبات قبول الجانب الإيراني بإحياء الاتفاق.

في رسالة وزير الخارجية الإيراني للأعوام الثمانية الماضية والذي يُرجَّح عدمُ تبوّئه أيَّ منصب في إدارة “إبراهيم رئيسي” المقبلة، تَرِد الإشارة إلى العقوبات الأمريكية، ثم يقول ظريف: ” بدلاً من الجدال والنزاع حول قضية أن الاتفاق النووي كان نصراً حاسماً أو هزيمة نكراء، ومن المؤكَّد أنه لم يكن واحداً منهما، لو كنّا ركّزنا جهودنا على استثماره والانتفاع به غايةَ الاستثمار والانتفاع لربما كانت الظروف مغايرةً لما هي عليه الآن”.

يتّضح في هذه الرسالة أن أمريكا وافقت على رفع العقوبات النووية وغير النووية التي لا تتعارض مع تطبيق الاتفاق النووي تطبيقاً مؤثراً، وبالتالي حصول النظام الإيراني على ميزات مالية، لكنْ خلافاً لشرط ومطلب “خامنئي” فإن العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان والقضايا العسكرية والبرنامج الصاروخي ومسائل الإرهاب المفروضة في عهد “دونالد ترامب” ستبقى على حالها، تَقول الرسالة “في حال الوصول إلى اتفاق شامل” فإن أمريكا، فضلاً عن رفع المراسيم التنفيذية السابقة لحكومة ترامب، ستُلغي المراسيم التي وقّع عليها ترامب أيضاً.

جزء من المرسوم التنفيذي 13846 الصادر في أغسطس/آب 2018: بناء عليه فُرِضت مرةً ثانية جميع العقوبات الأمريكية التي كان تم رفعها مع إبرام الاتفاق النووي في 2015، إن ركيزة هذا المرسوم التنفيذي تشمل، إلى جانب عودة العقوبات النووية، فرْضَ العقوبات على صناعة السيارات التي تأتي في المرتبة الثانية بعد النفط والغاز، وفرض العقوبات على تبادلات الذهب والمعادن الثمينة والعملة الإيرانية الوطنية (الريال)، يُشار إلى أن محمد جواد ظريف صرح في أعقاب صدور هذا المرسوم التنفيذي إنهم “شدّوا الهمم على القضاء على نظام الجمهورية الإسلامية”، وتأسيساً على رسالته الوداعية إلى البرلمان، إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل فلن يُرفَع سوى جزء من هذا المرسوم التنفيذي، كما أن هذا المرسوم فرض العقوبات على التعامل بالريال الإيراني وتحويلاته، فكل مؤسسة مالية تتعامل عن علم سابق بالريال الإيراني ستَفرض عليها أمريكا العقوبات، كما فُرِضت العقوبات على المبالغ الكبرى أو الحسابات المصرفية خارج إيران المفتوحة بالريال.

المرسوم التنفيذي 13781 المتعلق بفرض العقوبات على الصناعات المعدنية الإيرانية: يُمنَع بيع وشراء الذهب وبقية المعادن الثمينة، ناهيك عن اشتمال العقوبات الأمريكية على نقل شحنات الذهب والمعادن الثمينة وتوفير الكفالة لها، وفي هذا الصدد لا بد من ذكر أن الذهب والمعادن الثمينة جزء من موارد النظام الإيراني، وكبقية الأنظمة يَضع النظام الإيراني جزءاً من أمواله كسبائك ذهبية في المصارف الدولية، وفي الأدوار السابقة من العقوبات خَصّصت إيران الحصة الأكبر للسبائك الذهبية للالتفاف على العقوبات المفروضة عليها، لكن الولايات المتحدة سدّت هذه المنافذ أيضاً من خلال فرض العقوبات على تبادل الذهب والمعادن الثمينة، ونكتفي بمثال واحد في هذا الشأن، وهو أن إيران لم تَستطع استرداد ما يعادل 13 طناً من ذهبها الـمُحتفظ به في أفريقيا الجنوبية إلا بعد إبرام الاتفاق النووي في 2015.

المرسوم التنفيذي 13902 الصادر في يناير/كانون الثاني 2020: بموجبه تم فرض العقوبات على الصناعات الإيرانية المعدنية منها والعمرانية والنسيجية والإنتاجية، وفيه أعلن ترامب قائلاً: ” لقد أصدرت مرسوماً تنفيذياً يَفرض العقوبات على كل شخص حقيقي أو قانوني يتعامل مع صناعة النسيج وإنتاجه أو الصناعات الإيرانية، أو كل من يتعامل مع إيران في موضوع الصناعات، وهذا سيؤثر تأثيراً بالغاً في الاقتصاد الإيراني”، هذا المرسوم يُجيز لوزارة الخزانة الأمريكية توسيع دائرة العقوبات لتشمل قطاعات النظام الإيراني المالية وتجميد أمواله المرتبطة بها، بعد صدور هذا المرسوم تشاورت الخزانة الأمريكية مع الخارجية الأمريكية ووضعت 18 مصرفاً إيرانياً على لائحة عقوباتها؛ وبالتالي تم حظر التعامل معها وتجميد أموالها على أراضي الولايات المتحدة، وبعض المصارف التي أخضعها هذا المرسوم التنفيذي للعقوبات هي: المصرف الزراعي، مسكن، رفاه، شهر، اقتصاد نوين، سرمايه، سامان، و… . وبهذه العقوبات لم يبق أي مصرف إيراني خارج دائرة العقوبات الأمريكية.

المرسوم التنفيذي 13876: خاص بفرض العقوبات على المرشد الأعلى علي خامنئي والمرتبطين بمكتبه، وهو غير مسبوق منذ ثورة 1979، وأحد أهداف المفاوضين الإيرانيين في فيينا رفع هذه العقوبات، لأنهم يَعتبرون فرض العقوبات على أعلى مسؤول إيراني “إهانة” للسيادة الإيرانية، وهذا المرسوم يَطال كثيرين، منهم “مجتبى خامنئي”، الابن الأكبر لعلي خامنئي، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، وأثناء المفاوضات أعلن المفاوضون الإيرانيون إلغاء هذه العقوبات لكن سَرعان ما نفت الإدارة الأمريكية صحة الخبر.

المرسوم التنفيذي الذي صَنّف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية خارج الحدود الإيرانية” : صدر في ربيع 2019، في الذكرى السنوية الأولى من انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، كانت المرة الأولى في التاريخ يُصنَّف فيها قطاع من البنية العسكرية لنظامٍ ما، وهو الحرس الثوري، كياناً إرهابياً خارجياً، وتُفرَض عليه العقوبات.

على هذا الصعيد، لدى أمريكا لائحتين لتصنيف الكيانات والأشخاص المرتبطين بالإرهاب، الأولى هي “المرسوم التنفيذي لرئيس الجمهورية” الذي يُصنِّف الأشخاص والكيانات المعروفة بصفة الإرهاب العالمي، أما اللائحة الثانية فهي الكيانات الإرهابية الخارجية، وقد تشكلت على أساس “قانون الهجرة والمواطَنة”، ووزراة الخارجية هي المكلَّفة بإعدادها وتنظيمها، وفي اللائحة الأولى تُوضَع أسماءُ كيانات وأفراد ترى أمريكا أنهم يَدعمون الإرهاب بالمال والمعدات وتدريب الإرهابيين، أما على اللائحة الثانية فتُوضَع كيانات وأشخاص ترى أمريكا أنهم إرهابيون أو يقومون بأنشطة إرهابية، بعبارة أوضح: أعضاء اللائحة الثانية هم الأخطر على الأمن القومي للولايات المتحدة، وإزالة هذا الخطر من أولوياتها، وتنطوي هذه اللائحة على كلٍّ من “القاعدة” و”داعش” و”جند الله” و”حزب الله” و”الجهاد الإسلامي الفلسطيني” و” الجيش المحمدي” و”جيش جهنكوي” و”الشبكة الحقانية” و” بوكو حرام” و” شبكة أبو سياف”، ولذلك قامت أمريكا في السنوات الماضية باغتيال “أسامة بن لادن”، زعيم القاعدة.

قبل صدور المرسوم التنفيذي بشأن الحرس الثوري كان “فيلق القدس”، الذراع الخارجية للحرس الثوري، وقوات الباسيج وعدد من قيادات الحرس قد وُضِعوا على اللائحة الأولى، بسبب تقديمهم الدعم للإرهاب مالياً أو تدريباً أو معدّاتٍ،  وردّاً على الإجراء الأمريكي بتصنيف الحرس الثوري “إرهابياً” ، اعتبرت السلطات الإيرانية “القيادة المركزية للولايات المتحدة” كياناً إرهابياً.

في المباحثات المتعلقة بإحياء الاتفاق النووي لا تَعتبر أمريكا هذا المرسوم التنفيذي متعارضاً مع العودة إليه مرة ثانية، وكانت إحدى نقاط الاختلاف حتى الآن هي إلغاء هذا المرسوم وتداعياته.

وفي رسالة وزير الخارجية الإيرانية إلى رئيس لجنة السياسة الخارجية في البرلمان، ويُرجَّح أنها الرسالة الأخيرة لظريف في منصب وزير الخارجية إلى البرلمان، يتم الحديث عن انعطافات الاتفاق النووي، وفي مقدمة رسالته يبيّن أن الوصول إلى إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات لن يكون حتماً في المدة المتبقية من عمر إدارة ” حسن روحاني”، ويقول ظريف إن المفاوضات اقتربت في الأسابيع الأخيرة من عمر الإدارة الحالية من اتفاق محتمل يَهدف إلى رفع العقوبات الأمريكية، ثم يَأمل “اكتمال ما تَحقق حتى الآن في بداية عهد الإدارة الجديدة”.

جدير بالذكر أن إيران فضلاً عن مطالبتها برفع جميع العقوبات تُطالب الولاياتِ المتحدةَ بتقديم ضمانات كيلا ينسحب الرؤساء الأمريكيون اللاحقون من الاتفاق؛ لكن الدستور الأمريكي لا يُجيز بتقديم مثل هذه الضمانات، وبالتالي تَحوّل هذا الموضوع، الذي كان أحد شروط خامنئي، إلى إحدى العقبات الأخرى أمام إحياء الاتفاق النووي حتى الآن.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد