دور خامنئي في انقطاع التيار الكهربائي المتزايد في إيران

علي رنجي بور – إيران وير 

“ستكون إيران في 2025 بلداً متحضراً ومتقدماً، يَحتل إقليمياً المرتبة الأولى اقتصادياً وعلمياً وتقنياً، محافظاً على هويته الإسلامية والثورية، ومُلهِماً للدول الإسلامية، ذا تعاملٍ بَنّاء ومؤثّر في العلاقات الدولية”، هذه الكلمات أطلقها خامنئي قبل 18 عاماً بوصفها مقدمةً لوثيقة عنوانُـها “وثيقة رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية لـ 2025″، والآن ونحن في أعتاب الوصول إلى تلك السنة وتلك الرؤية نرى أن الواقع الذي يعيشه النظام الإيراني بعيدٌ فراسخَ كثيرةً عما كان المرشد الأعلى قد رسمه، فإيرانُ الحالية بلد متأزم لا يَعيش أسوأ أوضاعه في التاريخ المعاصر من حيث مؤشراتُ التطور والتقدم وحسب بل إنه يعيش كذلك أزماتٍ في الأوضاع العامة التي قلّما تُطالعنا حتى في الدول الأقل نموّاً، ذلك أن إيران في 2021 أسيرةٌ للظلام والعتمة، وقد أحدث أكبر انقطاع للتيار الكهربائي في العقود الثلاثة الأخيرة خللاً في حياة الشعب، وألحق أضراراً جسيمة بالحقلين الاقتصادي والاجتماعي، في الأثناء، ثمة سؤال مطروح: ما دور خامنئي في انقطاع الكهرباء غير المسبوق هذا؟

في غضون العقدين الأخيرين تم تدوين وثيقة التنمية والتطور في إيران أكثر من كثير من دول العالم، فقد دُوِّنت في هذه الفترة أربعة برامج للتنمية (من الرابع حتى السابع ضمناً) بالارتكاز على وثيقة الرؤية المستقبلية، وفضلاً عن ذلك، كَشف المرشد الأعلى خامنئي عن وثيقتين مهمتين أُخريَين عنوانهما “نموذج الركيزة الإيرانية الإسلامية للتقدم (2018)” و”بيان الخطوة الثانية للثورة الإسلامية (2019)”، وهما وثيقتان تُثيران الضحك إذا ما قُورِنتا بأوضاع إيران الراهنة.

المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. مصدر الصورة: ويكيميديا

كتب خامنئي في بيان الخطوة الثانية: “حصيلة أربعين سنة من الجهود أمام أعيننا الآن، بلد وشعب مستقل وحرّ وقويّ وعزيز ومتدين ومتطور في العلم، زاخرٌ بتجاربَ ثمينةٍ، وواثق النفس ومتفائل بالمستقبل، ذو تأثير سياسي إقليمياً، ويتمتع بمنطق مَكين في القضايا العالمية، ويتحلى بأرقام قياسية في سرعة التطورات العلمية وفي الوصول إلى مراتبَ عليا في العلوم والتكنولوجيات المهمة مثيلَ التكنولوجيا النووية والخلايا الجذعية وتقنية النانو وتقنية الفضاء الجوي وغيرها، وإيران بلد رائد في نشر الخدمات الاجتماعية وفي عرض الدوافع الجهادية في أوساط الشباب، ورائد في عدد الشباب الفاعلين، وكثير من السمات الأخرى الباعثة على الفخر، وكلُّها نتائج وإنجازات وتوجهات الثورة الإسلامية والجهادية”.

نعم، لا يَسعنا إلا أن نردّ على هذا الكلام الطنان الرنان بالقول إن إنجازات نظام الجمهورية الإسلامية تَلوح أمام أبصارنا الآن، فهي بلدٌ تبخّرت جميع طاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العوالم الخيالية لقادته ومرشده الأعلى، بلد ليس في مستطاعه توليدُ ما يَكفي من الكهرباء ولا حلُّ مشكلة هدره، ولا تطوير برنامج تنمية طاقة محطات الكهرباء أو تأسيس مشاريع جديدة، ولا تمتلك الحكومة أموالاً كافية للاستثمار، كما أن استثمار ما يُصطلَح عليه بــ “القطاع الخاص” لم يستطع أن يَحلّ ولو جزءاً يسيراً من المشاكل المتراكمة، بل حتى إنه تَحوّل هو نفسه إلى مشكلة عويصة، كل ذلك جَعل هواجسَ الحكومة هي توفيرَ الموارد المالية لشراء الكهرباء بتكلفة أقلَّ وضخّ المال لشركات لا يُعرَف شيءٌ عنها وعن ارتباطاتها، أمّا عن تنمية الطاقات الحديثة وأمّا عن الاستثمار الأجنبي فلا تَتحدث، ذلك أن رؤوس الأموال المحلية تَلوذ بالفرار من بلد منعزل خاضع للعقوبات فكيف برؤوس الأموال الأجنبية؟ لن يَعدو الأمر سوى نكتة مريرة.

لكن خامنئي لا يتنازل عن إصراره مطلقاً، ففي خياله المريض يتصور أن إيران تَعيش صراعاً دائماً مع “العدو” الذي له من القدرة ما يمكّنه من إجبار جميع الدول، بدءاً من أوروبا وروسيا والصين والعراق وتركيا و…، على فرض العقوبات على إيران، وبالطبع فأثمان هذا الصراع باهظة للغاية، وتَطال الشعبَ الإيراني بشكل مباشر، الأمر الذي أفضى إلى أكبر أزمة اقتصادية في التاريخ الإيراني المعاصر في العقد الأخير.

ما علاقة العقوبات بانقطاع التيار الكهربائي؟

تَخضع إيران في الأعوام العشرة الأخيرة، باستثناء سنتين، لعقوبات صارمة، وقراءةٌ في الإحصاءات الرسمية تدل على تأثير العقوبات المباشر في هبوط المؤشرات الاقتصادية، وهذا لا يبدو أمراً غريباً، ذلك أن نقطة ثقل العقوبات تَطال أولاً قطع الصادرات وبالتالي قطع مداخيل النظام النفطية، ثم إحداث الخلل في العلاقات المالية والتجارية ثانياً، لكن ما علاقة النفط بالكهرباء؟

1. أزمة الحكومة المالية وخفض الاستثمار في التيار الكهربائي

المستثمر الرئيس في حقل الكهرباء هو الحكومة، وتأسيساً على كشوفات الطاقة المالية لسنة 2017 فإن حوالي 56% من الطاقة الاستيعابية العملية لمحطات توليد الطاقة في إيران كانت بأيدي الحكومة، بينما بلغت حصة محطات التوليد الخاصة 44%، ولا تتوفر إحصائيات جديدة لكن يُقال إن الأمر أصبح معكوساً الآن فبلغت حصة القطاع الخاص نحو 60%، لكن هذا لا يُحدث فرقاً في الوضع، ذلك أن الحكومة هي التي ما تزال تدفع تكاليف شراء الكهرباء في المحطات الخاصة بتوليد الكهرباء، وهكذا يتبدى جليّاً تأثيرُ تقلُّص دخل الحكومة تأثيراً مباشراً في تنمية الكهرباء، وفي بند واحد فقط من مقارنة موازنة العام الحالي مع موازنة ما قبل خمس سنوات يَتوضح أن قيمة الكشوفات العمرانية في وزارة الطاقة (مع احتساب التضخم) انخفضت أكثر من 40% في 2020 قياساً إلى 2016.

2. الحكومة وواجباتها وأهداف البرنامج الخماسي السادس

في الأيام الأخيرة يَعيب كثيرون على الحكومة عدم اكتراثها لتنمية محطات توليد الكهرباء المتضمَّنة في مخطط التنمية، أجل، يَرِد في المادة 48 من “مخطط التنمية السادس”، أن قدرة إنتاج الكهرباء ينبغي أن تَصل بين سنتَـي 2017 و2021 إلى 25 ألف ميغاوات، لكن هذا لم يحدث، وفي البرنامج نفسه يُشار إلى ضرورة بلوغ متوسط النمو الاقتصادي في هذه السنوات الأربع إلى 8%، يأتي هذا في حين أن المتوسط كان في تلك الفترة 5,1%، ويقال ينبغي أن يكون معدل التضخم أقل من 9%، لكنه تجاوز 30% إذاً، فالتجربة والعمليات الحسابية أبانت أن مداخيل الحكومة لا تَكفي في ظل العقوبات لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين فما بالك بالاكتراث بمشاريع التنمية ومتابعتها! وفي حال تم ضخ المال فلن يعدو أن يكون جليداً أمام الماء، ومَرَدُّ ذلك إلى عدم وجود ظهير وسَنَد واقعي لهذا المال.

3. العقوبات وإحداث الخلل في الظروف العادية

لا يقتصر الأمر بالطبع على أزمة الحكومة المالية وحدها، فارتفاع قيمة الدولار أمام العملة الإيرانية المحلية، والنقص في توفّر العملة الصعبة، والخلل في استيراد السِّلَع والمعدات الضرورية و… يؤثِّر في أزمة انقطاع التيار الكهربائي، فالإحصائيات تشير إلى أن العقوبات تُحدِث الخللَ حتى في قضية إصلاح وتحسين شبكة نقل الكهرباء وتوزيعها، وتنمّ كشوفات الطاقة لعام 2017 كيف أن تطبيق العقوبات في 2012 أوقفت عملية خفض الطاقة المهدورة، وكيف أن إبرام الاتفاق النووي في 2015 والأمل برفع العقوبات سرّع من هذه العملية مرة أخرى.

4. فرار رؤوس الأموال الأجنبية

الاستثمار الأجنبي مؤثر جداً في عملية الطاقة الحديثة، وبعد الوصول إلى الاتفاق النووي مع القوى الكبرى تم تداول أخبار كثيرة تفيد باستثمار شركات أجنبية في قطاع الطاقة المتجددة في إيران، وإذا استمر الاتفاق النووي وأقامت إيران علاقات طبيعية مع جيرانها الإقليميين كان يُرجَّح أن رؤوس الأموال الأجنبية تلك ستُفضي إلى نتائج إيجابية لكن ذلك أيضاً لم يحدث.

مَن المسؤول عن العقوبات المفروضة وتكاليفها الباهظة الأثمان؟

لا مكان لحل الصراع مع “العدو” في ذهنية خامنئي الذي لَـطالما قال وأثبت قوله عملياً إنّه لا يمكن التأقلم مع العالم وإقامة السلام معه، فبعد إبرام الاتفاق النووي مَنَع رسمياً الدخولَ في مفاوضات مع الولايات المتحدة لحل بقية المشكلات العالقة بين البلدين، وبالطبع كان له ولمغامرات الحرس الثوري الإيراني الإقليمية دور مؤثر في انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وبعد ذلك أيضاً كشف عن عناد شديد وحالَ دون التفاوض مع الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، لا بل إنه لم يُبدِ استعداداً لتغيير موقفه حتى بعد مجيء الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”، وهناك علامات كثيرة على أنه يشكّل العقبة الرئيسة أمام الوصول إلى اتفاقية نسبية من أجل عودة أمريكا إلى الاتفاق النووي.

هل يمتلك خامنئي حلولاً لأزمات إيران؟

لديه عبارته المبتكرة “الاقتصاد المقاوم” التي لها مفعول السحر في قاموسه، لكنه سحر مزيَّف لا يتعدى “الدعاء”، ولا أحد يَعرف المعنى الحقيقي للاقتصاد المقاوم، ويَكفي إلقاء نظرة على وثيقةٍ أبان عنها خامنئي بتاريخ 18 فبراير/شباط 2015، وعَنْوَنها باسم “السياسات العامة للاقتصاد المقاوم”، وتَقوم مقاربتها على “الجهادية” و”المرونة” و”خلق الفرص” و”الإنتاجية” و”النمو الذاتي” و” التقدم” و”الانطلاق نحو الخارج”.

وبالطبع ليس هناك معنى ملموس لكلمة الجهادية، كما أن المرونة وخلق الفرص يتضادّان مع حرق النظام الإيراني للفرص المتاحة له، والإنتاجية ليست صفة ملائمة لاقتصاد يُعاني منذ عقد من الزمن من الكساد والركود، أما وضع عبارتَـي “النمو الذاتي” و”الانطلاق نحو الخارج” إلى جانب بعضهما فيثير أسئلة لا أجوبة لها، والتقدم والريادة وصفٌ مضحك ومرير لاقتصاد لا يستطيع توفير الكهرباء لشعبه في هذا الصيف الحار.

ولا يَفوتنا أن نشير إلى أن كلمة “الكهرباء” تَرِد بالمناسبة مرتين في السياسات العامة للاقتصاد المقاوم، والغريب اللافت أن وصفةَ الاقتصاد المقاوم تَذكر الكهرباء والصادرات الكهربائية بوصفها أدواتٍ لمجابهة الأضرار التي تَلحق قطاع النفط والغاز، وهكذا يتم تغافل أن الكهرباء لا تمنع إلحاق الأضرار بالنفط بل هي نفسها تتحول إلى أزمة شاملة في نظام الجمهورية الإسلامية.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد