مستقبل التيار الإصلاحي الإيراني بعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية

إحسان مهرابي – إيران وير

في وقت تمتلئ فيه مواقع التواصل الاجتماعي بسهام لاذعة تطال التيار الإصلاحي، والبعض الآخر يُعيِّرون “عبد الناصر همتي” بقلة أصواته من الأصوات الباطلة وأصوات “محسن رضائي”، ترى آخرين يُجرون الحديثَ عن مستقبل هذا التيار.

بعد ساعات قليلة من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية أطلّ “حسين مرعشي”، المتحدث باسم حزب كوادر البناء، متحدثاً عن “تجديد الحزب”، وكتب “عباس عبدي”، الناشط السياسي، أن على الإصلاحيين إعدادَ أنفسهم “لمرحلة سياسية صعبة”. كما كتبت “بهارة هدايت”، العضو السابق في مكتب التحكيم أن “جميع علائم هزيمة التيار الإصلاحي كانت قد ظهرت إلى العلن منذ وقت طويل، هزيمة الخطاب، والهزيمة التنظيمية والاستراتيجية والهوياتية و… . كل ما تغير أننا نرى الآن هذه الهزيمة بالأعداد والأرقام على لوحة الدرجات”.

في وقت سابق أيضاً أعلن بعض المحللين عدم توافر الإصلاحيين على حظوظ الفوز في الانتخابات، حتى لو لم يتم إقصاء “إسحق جهانغيري”، في الأثناء، فإن أصوات “إبراهيم رئيسي” هي الأصوات السابقة نفسها، في حين أن أصوات داعمي التيار الإصلاحي زالت عملياً عن العملية الانتخابية، أما الأسباب التي أدت إلى إزالة تلك الأصوات فمنها الاستياء من الإصلاحات بسبب ضغوطات المرشد الأعلى وداعميه، وكذلك طريقة أداء التيار الإصلاحي وأداء حكومة “حسن روحاني”، ووقوع احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2017 واحتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ويعود جزء من تضاؤل الأصوات هذا إلى داعمي أحزاب التيار الإصلاحي الذين عزفوا عن المشاركة في الانتخابات، لكنه لم يكن من التأثير بمكان حتى يُحدِث تغييراً في المعادلات الانتخابية، كما يعود جزء منه إلى داعمي التيار الإصلاحي الذين إمّا انضموا انضماماً تاماً إلى تيار مقاطعة الانتخابات والمطالبة بإسقاط النظام وإمّا أن الملل والاستياء استولى عليهم إلى درجةٍ فقدت معها المعادلاتُ الانتخابية رونقَها بالنسبة لهم.

في غضون ذلك كان لأداء إدارة روحاني تأثيره في أوضاع الانتخابات، كما نجح المرشَّحون المعارضون في إظهار عبد الناصر همتي كأحد المتسببين في الأوضاع الراهنة.

ناهيك عن أداء الحكومة في المجال الاقتصادي فإنها لم تَقُم عملياً بــ “إدارة الانتخابات” تاركةً إياها في حال سبيلها، والمقصود بذلك أن المسؤولين الكبار في الحكومة عادةً ما يشاركون الشعب في جميع الجولات الانتخابية ويتخذون بعض الإجراءات، بل حتى إنهم يوزّعون بعض الامتيازات المعروفة بــ “تبييض الأموال”؛ وكل ذلك بغرض استقطاب أصوات الشعب للاستمرار على طريق الحكومة القائمة. وبالرغم من قيام حكومة روحاني بنشاطات حثيثة قبل عدة أشهر من انتخابات 2017 إلا أنها لم تحرّك ساكناً في انتخابات 2021، بل حتى أنها لم تكلِّف نفسها جدياً بالرد على انتقادات المرشَّحين من التيار المحافظ الموجَّهة لها.

على الصعيد نفسه يُطالعنا أن انتخابات 2021 وسّعت الفجوة مرة أخرى بين الأحزاب والتيارات والكيانات والآراء في أوساط الإصلاحيين، فأصبح حزب كوادر البناء قطباً وحدَه وأضحى حزب اتحاد الشعب الإسلامي الإيراني أو حزب جبهة المشاركة الإسلامي قطباً آخرَ، في الأثناء، قام “محمد خاتمي”، الرئيس الإيراني الأسبق، عملياً بأداء دور “رفسنجاني” في الماضي، كما وقفت إلى جانب كوادر البناء شخصيات مثل “بهزاد نبوي” كانوا بمنزلة الآباء الروحيين لجبهة المشاركة. أضفْ إلى ذلك أن التيارات الوطنية والدينية و“حركة حرية إيران” التي كانت قد اقتربت من التيار الإصلاحي منذ 2005 وتم إقصاؤها في انتخابات 2021 انتهجت نهج مقاطعة الانتخابات.

أما الإصلاحيون المعارضون للمشاركة في الانتخابات فيعتقدون أن المشاركة فيها تسبّبت في إهانتهم، في حين أن مؤيدي المشاركة يعتقدون أنه لا حلَّ آخرَ أمام الإصلاحيين سوى المشاركة في الانتخابات، ذلك أن ابتعادهم عن مركز السلطة سيقلص من مواردهم المالية الوحيدة ولن يؤدي إلى تشكيل منظمات مدنية.

يأتي هذا كله بعد أن تمخّض عن مشاركتهم التنظيمية في الانتخابات الحصولُ على ما يقارب ثلاثة ملايين صوت فقط، وهذا يُذكّرنا بما حصل في انتخابات 1997 حين بلغت أصوات محمد خاتمي أكثر من 20 مليون صوت وكانت أصوات منافسه المحافظ “علي أكبر ناطق نوري” ثمانية ملايين، الرقم الذي لم يتوقّف التيار الإصلاحي عن تكراره ليُعيّروا به المحافظين، كما أن الإصلاحيين يَعتبرون أن ثمانية ملايين صوت حاز عليها “محمود أحمدي نجاد” في دورته الثانية سنة 2005 وكذلك ثمانية ملايين صوت حاز عليها “إبراهيم رئيسي” في 2017 هي أصوات الطبقات المحرومة. 

وبالطبع فإن الأصوات التي حصّلها رئيسي في انتخابات 2021 هي نفسها تقريباً في الانتخابات الماضية، كما أن الأصوات الباطلة احتلت المرتبة الثانية بعد رئيسي، وجاء “محسن رضائي” في المرتبة الثالثة بعد وعوده بتقديم الدعم المالي لكل أسرة يبلغ 450 ألف تومان وبعد تصويت قسم كبير من القوميات له، أصوات محسن رضائي تشبه أصوات “مهدي كروبي” في انتخابات 2005، مع فارق أن أصوات كروبي السياسية كانت أكثر من أصوات محسن رضائي، لكن أصوات عبد الناصر همتي كانت أقل من ثلاثة ملايين، ما يعني أنها أقل حتى من أصوات “مصطفى معين”، المرشَّح عن جبهة المشاركة والجبهة الوطنية والدينية والذي احتلّ المرتبة الخامسة!

والآن يواجه الإصلاحيون كثيراً من سهام النقد تلويحاً وتصريحاً، لكنهم يُفضّلون الحديث عن مستقبلهم، فقد طلب عباس عبدي، الإعلامي والناشط السياسي، من التيار الإصلاحي أن يُعِدّ العدة لــ “مرحلة سياسية صعبة”، وهي مرحلة يرى أنها “ينبغي أن تترافق بانسلاخ وطرح القشرة الخارجية لجسدهم السياسي سواءٌ من ناحية القوة البشرية والحزبية أم من ناحية المقاربات”، وبالمثل قال حسين مرعشي، الناطق باسم حزب كوادر البناء، إن حزب الإصلاحيين سيبذل جهوده “لتجديد تنظيمه الحزبي وتوسيع رقعة حزبه، وتعاونه مع جبهة الإصلاحات، وتعزيز علاقته مع الشعب”.

يُشار إلى أن نصيحة عبدي جاءت قبل الإعلان عن نتائج الانتخابات، لكن البعض يُذكّرون بتجربة الإصلاحيين في حكومة أحمدي نجاد التي لم تُحدِث أيَّ تغيير يُذكَر في أوضاعهم، فقد شاركوا بعد ذلك بأربع سنوات في انتخابات 2009 وبعدها بأربعة أعوام في انتخابات   2013، من هنا يرى بعض الإصلاحيين أن الاستمرار في النشاط السياسي من غير الحضور في السلطة غير ممكن.

وهناك فريقان يتحدثان عن الفصل الأخير من حياة التيار الإصلاحي، أما الفريق الأول الذي يقيس أوضاع الإصلاحيين على أساس نسبة الأصوات التي حصّلها عبد الناصر همتي فيعتقد أنهم خسروا أرضيتهم الاجتماعية، والفريق الثاني يتحدث عن نهاية الإصلاحيين من زاوية أخرى، والبرهان الذي يُقدِّمه يُشبه برهانَ داعمي المشاركة في الانتخابات، يرى هذا الفريق أن المرشد الأعلى أَعدَّ مخططاً جديداً لنظام الحكم وبالتالي لن يَعود إلى استضافة الإصلاحيين في مركز السلطة كما كان يفعل في الماضي، ولذلك سيتم إقصاؤهم عن سُفرة الثورة في عملية النفض الجديدة.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد