سرّ سعادة حزب الله بفوز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية

فرامرز داور – إيران وير

رحّب “حسن نصر الله”، الأمين العام لحزب الله اللبناني، أقدمِ حزب وكيل وميليشياوي للحرس الثوري الإيراني، بفوز “إبراهيم رئيسي” في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وعلماً أن الحكومة الإيرانية تفتقد جميع أنواع الصلاحيات في مجال إقامة العلاقة مع وكلاء النظام فالسؤال المطروح هو ما سرّ أهمية تغيُّر الرئيس من روحاني إلى رئيسي بالنسبة لنصر الله؟

حزب الله صناعة الحرس الثوري الإيراني وتربيته، وفي السنوات اللاحقة تم تكليف فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري، بتأسيس وتدريب هذه الفصائل، وكان أحد أهداف هذا التأسيس الوصول إلى مثل هذه الأعمال، إن تشكيل فيلق القدس كخامس قوة للحرس إلى جانب القوات البرية، والقوات البحرية، وقوات الباسيج، والقوات الجوية (لاحقاً استُبدِلت باسم القوات الجوفضائية)، هو نتاج عهد خامنئي، القائد العام للقوات المسلحة وفقاً للدستور الإيراني.

جميع وكلاء إيران، بدءاً من لبنان وفلسطين إلى العراق وسوريا واليمن، هم حصيلة قرار خارج عن إرادة الحكومات الإيرانية، سواءٌ في ذلك الحكوماتُ التي كان رؤساؤها متماشيين في المقاربات مع خامنئي منذ بدايتها أم الرؤساء الذين وجّهوا في نهاية مرحلتهم انتقاداتٍ لإجراءات فيلق القدس في المنطقة.

اقتصرت إجراءات الوكلاء في عهد الرئيس الإيراني “علي أكبر رفسنجاني” على حزب الله في لبنان والجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين، وكانت لهم مكاتب في سوريا أيضاً، كانت لرفنسجاني علاقات وطيدة بشكل خاص مع حزب الله اللبناني الذي كان يحتجز المواطنين الأوروبيين والأمريكيين كرهائن، وكان رفسنجاني يحاول تحسين العلاقات مع الغرب ولا سيما مع “جورج بوش” الأب لقاءَ التواصل مع حزب الله لإطلاق سراح الرهائن.

لكن المعادلات في هذه القضية تغيرت مع تسلّم “قاسم سليماني” قيادة فيلق القدس بعد عدة أشهر من تولي “محمد خاتمي” منصبَ رئيس الجمهورية، وكسلفه لم يكن لخاتمي نفوذ في العلاقات مع حزب الله أو حركة حماس والجهاد الإسلامي، وكان السياسيون المقرَّبون من خاتمي قد بعثوا في ديسمبر/كانون الأول 2001 بوثيقة غير رسمية إلى الولايات المتحدة عن طريق السفارة السويسرية في طهران المسؤولة عن رعاية المصالح الأمريكية في إيران، وقدّموا فيها اقتراحات لترميم العلاقة بين البلدين.

ويكتب “حسين موسويان”، أحد دبلوماسي تلك المرحلة، في كتابه “سَرد الأزمة النووية” الإيرانية أن أحد تلك الاقتراحات المقدَّمة لأمريكا كان بذلَ الجهود في سبيل تحويل حزب الله اللبناني إلى حزب سياسي، أيْ نزع السلاح منه، في حين يعتقد بعض السياسيين كالمقرَّبين من إبراهيم رئيسي أنه لو تم نزع السلاح من حزب الله لَـما كان إجراء أقلَّ من الخيانة.

أما تجربة رئاسة “محمود أحمدي نجاد” فكانت خليطاً من الحكومتَين السابقتَين عليه، ذلك أن مواقف أحمدي نجاد في دورته الأولى لم تكن تتباين كثيراً عن مواقف داعمي حزب الله وبقية الوكلاء في الحرس الثوري، لكن يَبدو أن انضمام الأخير إلى دعم الرئيس السوري “بشار الأسد” في الحرب الأهلية ضد معارضي الأسرة الحاكمة في سوريا سَرعان ما غيّر من مواقف أحمدي نجاد الذي أعلن في نهاية عهده الرئاسي أنه كان معارضاً لإجراءات النظام الإيراني الداعمة لبشار الأسد وتوسيع رقعة الحرب الأهلية في سوريا.

وبالمثل أطلّت “فائزة رفسنجاني”، ابنة الرئيس رفسنجاني، بعد وفاة والدها وصرّحت أنه هو الآخر كان يعارض تدابير الجمهورية الإسلامية في سوريا، لكن معارضة أحمدي نجاد حظيت بتأثير أكبر لأنه كان في منصب رئيس الجمهورية حين أبدى عن معارضته.

وفي هذا السياق حُكِم على” حميد بقائي”، معاون أحمدي نجاد، بالسجن بعد انتهاء رئاسته بتهمة اختلاس مبلغ 3 ملايين و766 ألف يورو كان الحرس الثوري قد أعطاه لرئيس الحكومة لتحويله إلى الدول الأفريقية، وقتَها أعلن أحمدي نجاد أن قاسم سليماني سلّم هذا المبلغَ له هو لا لبقائي، وهدد بنشر مراسلاته مع سليماني، فطُلِب من سليماني الحضور في المحكمة بوصفه مطلعاً على القضية والإعلان بطريقةٍ ما عن براءة بقائي، لكن القائد العام لفيلق القدس وقتَها والقيادات الأخرى لم يُسارِعوا قَطُّ إلى نجدة أحمدي نجاد الذي كان قد أضحى معارضاً لإجراءات الحرس الثوري والفصائل الموالية للنظام الإيراني، وهكذا كانوا شهوداً على اعتقال أحد أكثر المقرَّبين من أحمدي نجاد.

استمرت أوضاع الوكلاء في عهد إدارة روحاني على الحال التي كانت عليها في أواخر إدارة أحمدي نجاد، فقد فاز روحاني عبر إطلاقه شعارات تحسين العلاقات مع الغرب والدول الإقليمية، لكن أنشطة وكلاء إيران في هذه المرحلة التي تزامنت مع ظهور تنظيم الدولة “داعش” في العراق وسوريا تفاقمت تفاقماً غير مسبوق، ووصل الأمر بالحكومة الإيرانية في تلك الفترة إلى أقل درجات الفاعلية في ضبط إيقاع العلاقات الخارجية، وبالطبع ألقت خسارتُها هذا التحكمَ بظلالها على العلاقات مع الغرب أيضاً.

وارتكازاً إلى تصريحات ” دونالد ترامب” كان أحد أسباب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، الذي شكّل أهمَّ إنجاز لإدارة روحاني، هو أنشطة إيران والحرس الثوري الإقليمية، بحيث إن النظام الإيراني يستثمر الأموال بعد رفع العقوبات عنه في دعم وتسليح وكلائه.

ويقول ” محمد جواد ظريف” إنه حين أصبح وزيراً للخارجية أخبره قاسم سليماني بأن لهم وكلاء في اليمن، ويُردف ظريف بأنه لم يكن يعلم بذلك قبل ذلك التاريخ، وفي أواسط مرحلته نجح ظريف في استبدال “حسين عبد اللهيان”، معاون الشؤون العربية في الخارجية والمقرَّب من الحرس الثوري، بدبلوماسي مقرَّب من ظريف نفسه، لكن هذا الاستبدال لم يُشكل عملياً شيئاً يُذكَر للحيلولة دون نفوذ الحرس وعلاقته مع الوكلاء، وفي ظروف كهذه يمكن فهمُ عدم إبداء الحكومة رغبةً في تقديم الدعم المالي للوكلاء والفصائل الموالية لإيران، ومَردُّ ذلك إلى أنها لو عجزت عن استرجاع قدرتها الإقليمية تُقلّص على الأقل من تأثير الأنشطة التخريبي.

في السياق نفسه، يُشكّل التسجيل الصوتي المسرَّب لمحمد جواد ظريف حول تجربة وزارته في ثماني سنوات وثيقةً مهمة في قضية افتقاد الحكومة للصلاحيات في مسألة ضبط العلاقات الإقليمية وعدم الرضى عن سلوك الحرس الثوري وهيمنته على الفصائل الموالية، الأمر الذي عبّر عنه بـ “التضحية بالدبلوماسية لصالح ساحة المعركة”.

وفي ذات السياق ، كان رفسنجاني يطلق في الأشهر الأخيرة من عمره تصريحاتٍ أكثرَ صراحةً بشأن فيلق القدس والوكلاء، ففي مقابلة له حول إعداد كتاب عن سيرته الذاتية يَعتبر فيلقَ القدس مانعاً على طريق أعمال الحكومة، مع الإشارة إلى أن هذا الكلام لم يُدرَج في الكتاب لكنه جاء لاحقاً على لسان مؤلِّفه “جعفر شير علي نيا”، وكان رفسنجاني قد قال إن “للحرس الآن إشكالاً حقيقياً يَكمن في حرمان وزارة الخارجية من إعمال صلاحياتها والقيام بمسؤولياتها في أكثر القضايا حساسية وهي المتعلقة بالحكومة، حقاً نعاني من المشاكل في العراق وسوريا ولبنان وأفغانستان واليمن وفي كل مكان آخر يحدث مثل هذا الأمر، ولا يتسنى لأحد تعيين سفير في هذه الدول من دون موافقة الحرس الثوري”.

 حين انتهجت إدارة ترامب “سياسة الضغط القصوى” ضد النظام الإيراني وطبّقت عقوباتٍ غيرَ مسبوقة طالبته بتغيير سلوكه في الدول المشار إليها آنفاً، إن الوعد الذي فاز حسن روحاني على أساسه بالانتخابات وأهم إنجاز لإدارته، وهو الاتفاق النووي، تمت التضحية به، وكل ذلك كان إحدى نتائج دعم الحرس الثوري لوكلائه والفصائل الموالية له.

من الموضوعات التي كانت تتكرر دائماً في الاتصالات الهاتفية بين “إيمانويل ماكرون”، الرئيس الفرنسي، وبين روحاني هو المطالبة بإنهاء التدخل الأجنبي في لبنان الذي تقوم به إيران عن طريق حزب الله، وهو موضوع ليس للرئيس صلاحية فيه بل يُشرف عليه الحرس إشرافاً مستقلاً، الأمر الذي يَخلق مسؤوليات للحكومة إزاء قادة دول العالم.

خلافاً لخاتمي وأحمدي نجاد لم يسافر روحاني إلى لبنان، وإذا كان قد التقى بحسن نصر الله في طهران فلم تُنشَر قَطُّ صورٌ عن هذا اللقاء التي تَكون علامةً على الاعتناء بالضيف كما كان يفعل أسلافه الرؤساء.

لن يؤثّر تغيير الحكومات الإيرانية تأثيراً جوهرياً في درجة دعم الحرس الثوري لوكلاء إيران الإقليميين، لكن لا يمكن نفي ماهية الحكومة المسهِّلة في تعزيز هذه العلاقات، مثلما كان قاسم سليماني يقوم في عهد رئاسة أحمدي نجاد بإرسال الدعم المالي إلى الوكلاء في أفريقيا عن طريق شبكة حكومية، ولا تَحول قلةُ رغبة الحكومات الإيرانية دون إيصال الموارد المالية إلى أمثال حزب الله، لكن مجاراتها في الأدوار المنصرمة كانت قد سهّلت من إيصال هذا الدعم وجعلته أكثر تأثيراً، من هنا، يمكن فهمُ سعادة حسن نصر الله بفوز إبراهيم رئيسي بوصفه داعماً لأداء فيلق القدس.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد