الآلات الموسيقية في إيران بين التحريم والحظر و الخيانة

بويان خوشحال – إيران وير

منذ سنوات طويلة وهيئة الإذاعة والتلفزيون والعديد من المؤسسات الرسمية يفرضون الرقابة على بعض المطربين والقطع الموسيقية في العروض المباشرة، والمطربات، والعازفات وحتى صور الآلات الموسيقية دون أي سبب واضح، لكن فرض الرقابة على صور الآلات الموسيقية هو عجب العجاب، حينما يتم عزف مقطوعة ما على الهواء مباشرة، تحاول كاميرات هيئة الإذاعة والتلفزيون حجب صور الآلات عبر عرض الورود والمزهريات والحد من زوايا الكاميرات.

وبخلاف هيئة الإذاعة والتلفزيون، تظل الرقابة المفروضة على الآلات الموسيقية في العديد من المؤسسات الرسمية الأخرى مثل مجالس البلديات، لم يتضح سبب هذه الرقابة حتى الآن، ولا توجد أية تعليميات توجيهية بشأنها، فالأمر برمته يتعلق بالمدير المسؤول.
نظرة الفقه الشيعي للموسيقى غير واضح.

قال باحث في مجال الموسيقى وقد رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أنه اختبر جوانب مختلفة من الرقابة في إيران، حيث يقول في حوار أجراه مع “الصحافة ليست جريمة” إن القضية الرئيسية في مجال عرض الآلات الموسيقية هي أن الفقه الشيعي لم يوضح بعد مدى حرمانيتها من عدمه.

أشار هذا الباحث إلى أنه في السنوات الأولى للثورة، حظر مؤسس الجمهورية الإيرانية بث الموسيقى على التلفاز وحتى بيع وشراء الآلات الموسيقية، وقال: “وبالتدريج، ونظرًا للحاجة إلى الآلات الموسيقية لعزف الأغاني الثورية، وافق الخميني ضمنيًا على شراء وبيع الآلات الموسيقية، وفي الواقع، تم الإعلان عن استيفاء بعض الشروط ومعرفة أسباب العزف من أجل بث الموسيقى أو بيع الآلات الموسيقية، وقد قال المرشد الأعلى آنذاك إذا كانت الموسيقى دعوة للخطيئة وتحث الناس على الشرك بالله فهي حرام، وهذا هو السبب الذي جعل مساحة الموسيقى أكثر انفتاحًا مما كانت عليه عندما تم حظر الآلات الموسيقية تمامًا.”

وشدد على أنه لا يمكن إثبات حرمانية الآلات الموسيقية من عدمه من الناحية الدينية، ويقول: “لا يمكن أن تكون الموسيقى نفسها حلالًا وتكون الآلات الموسيقية حرام، أعتقد أنه ينبغي معرفة المدير المسؤول حينما يتعلق الأمر بعرض الآلات الموسيقية، فلا يهم في أي منظمة نحن، في الأساس، لدينا فئتان من المديرين في هيئة الإذاعة والتلفزيون، الأولى هي أعداء الدين ومن يرغبون في إظهار وجه قاسٍ له، وهو ما يجعل الناس يتهربون من الدين، والثانية هي المديرين الذين يمكن اعتبارهم “جهلة” رسميًا.

ليس هناك حظر رسمي على عرض الآلات الموسيقية

يمكن اعتبار دور مديري هيئة الإذاعة والتلفزيون في عرض الآلات الموسيقية في البرامج، هو العنصر الأكثر حسمًا في موضوع الرقابة على الآلات الموسيقية، بعض المدراء في القنوات التلفزيونية لا يترددون في عرض الآلات الموسيقية مثل العروض التي تُبث على القنوات “الرابعة” و “الوثائقية” و”جام جم”، وفي المقابل، هناك مدراء يفضلون عدم عرض الآلات الموسيقية، حتى أنهم يضعون خطًا على البرامج المسجلة منعًا لظهور الآلات الموسيقية.

“حميد رضا” والذي يحتفظ باسمه كاملًا لأسباب أمنية، هو أحد مديري شركة لتوزيع الموسيقى في إيران، وله تعاون مع الكثير من مطربي البوب، يقول رضا في حوار أجراه مع “الصحافة ليست جريمة”: “مثلما يوجد ألف سبب وسبب لفرض الرقابة على الآلات الموسيقية في هيئة الإذاعة والتليفزيون، هناك سبب لعرض هذه الآلات، نحن نشاهد المقطوعات المختلفة التي تُبث على التلفزيون ويظهر بها صور الآلات الموسيقية وحتى العزف المنفرد، أنا أعمل مع كبار مديري هيئة الإذاعة والتليفزيون، ولهذا أقول إنه الأمر منوط بمعرفة من هو المدير المسؤول وأي شخصية هو، وهذا هو السبب في وجود ازدواجية في هذا الأمر حيث تقوم قناة ما بعرض الآلات الموسيقية بينما لا تعرضها قناة أخرى.”

الآلات العاشورائية والآلات الطربية

لا شك أن من يتولى إدارة قطاع ما في هيئة مثل الإذاعة والتلفزيون، يكون قد مر بالعديد من مراحل التصفية، وهو يدرك جيدًا أن الزلات الأولى وعدم تقبل كبار المدراء له، يعني نهاية حياته العملية في الهيئة، ولا يحدث هذا الأمر في الهيئات الكبرى مثل الإذاعة والتلفزيون فحسب، بل يحدث أيضًا في مجالس البلديات وقاعات الاحتفالات والمعارض ودور السينما والعديد من الأماكن الأخرى.

يصف هذا الباحث الموسيقي ، مثل هذا الوضع قائلًا: “من المؤسف أن يقوم مدراء الهيئات المعنية بالشؤون الثقافية، بتجاوز ما جاء في كتاب الله وسنته، بينما لا توجد مشكلة في الفقه الشيعي مع الآلات الموسيقية، يفرضون هؤلاء المدراء رقابتهم الذاتية”، يسرد هذا الباحث الموسيقي ذكرى تتعلق بالرقابة على الموسيقى في أحد المعارض.

ويقول: “كان من المفترض أن يُقام معرض لصور وكتابات الأستاذ حسن كسائي عازف الناي بمناسبة ذكرى مولده، وبعد عدة أشهر، تمت الموافقة على إقامة هذا المعرض، وفي نهاية ذلك اليوم، عارضت الجهات الأمنية التابعة للمعرض، إقامة المعرض لأن الأستاذ كسائي فنان موسيقي، وكادت التكاليف التي دفعتها بشكل شخصي لطباعة الصورة وإقامة المعرض، أن تصبح بلا جدوى، وخلال استشارة بعض الأصدقاء، اضطررتُ إلى إبلاغ الجهات الأمنية بأن الآلة الموسيقية التي كان يعزفها الأستاذ كسائي، ليست آلة طربية تُستخدم في المقاهي والملاهي، بل هي آلة عاشورائية، وبالطبع حينما ذكرت اسم عاشوراء، تم إصدار التصريح على الفور.”

يشرح حميد رضا بصفته مدير شركة توزيع موسيقى في إيران، القيود المفروضة على الآلات والموسيقى من أجل الحصول على ترخيص من وزارة الإرشاد وهيئة الإذاعة والتلفزيون، ويقول: “إذا أردتُ أن أتحدث عن الرقابة المفروضة على الموسيقي، سيتعين على القول إنه مجرد عالم من الكلام، فعلى سبيل المثال، كيف نبدأ في الحصول على ترخيص لبث أغنية؟ أنت تعلم أن وزارة الإرشاد تمنح التراخيص بصعوبة بالغة، نحن نفسر الأغاني بآلاف الطرق لنحصل على التراخيص، لذلك لا داعي للقلق بشأن الحصول على ترخيص، حتى أنه لا يمكن لعظماء الأدب والشعر تفسير القصائد بهذه الطريقة.

ويتابع رضا: “ولكن بالنسبة للآلات الموسيقية، فليس لدينا مشكلة في إقامة الحفلات الموسيقية في القاعات العامة، لكن إذا كان العرض في قاعات أخرى أو حفل سيتم بثه عبر الإذاعة والتليفزيون، سيتعين علينا استخدام التشيلو بجانب الكمان، أو استخدام دف أو اثنين بجانب التُنبك المعروف على أنه آلة طربية، وهكذا حتى يتم الحصول على الترخيص.”

العزف الـخفيّ خيانة كبرى بحق الآلة الموسيقية

في هذه الأثناء، لا ينبغي تجاهل المهام الملقاة على كاهل الفنانين، لدى بعض الفنانين المبتدئين استعداد للعزف خفية من أجل الظهور على شاشات التلفزيون، يعتقد الباحث الموسيقي أنه لا ينبغي على الفنان العزف على هذا النحو إن كان على علم مسبق بالرقابة المفروضة على آلته الموسيقية،و يضيف “في مثل هذه المواقف، ينبغي على الفنان أن يعترض على الأمر وأن يتساءل عن سبب إظهاره وعدم إظهار آلته الموسيقية، فأمثال هؤلاء الفنانين ممن يسمحون بإخفاء آلاتهم الموسيقية خلف الورود والصور المختلفة، يرتكبون خيانة عظمى في حق الآلات الموسيقية بشكل خاص وفي حق الموسيقى بشكل عام.”

في الآونة الأخيرة، وفي حفل المطرب البارز في الموسيقى الإيرانية التقليدية “شهرام ناظري”، تم إظهار الآلات الموسيقية من منظور بعيد للغاية، واقتصرت الصور المقربة للموسيقيين على وجوههم فقط.

وفي هذا الصدد، يقول هذا الباحث: “فيما يتعلق بالسيد ناظري، فأنا أعرفه وأعرف مواقفه الواضحة، وفي مثل هذه المواقف التي لا يتم فيها إبلاغ الفنان بشروط وطريقة البث، يتعين على فريق الإعداد أو المديرين التنفيذيين، الإبلاغ والمتابعة”.

لقد أثارت الرقابة التي فُرضت على عرض الآلات الموسيقية في حفل شهرام ناظري، ردود فعل متعددة، فقد كتب الصحفي المسؤول عن مجال الموسيقى “بهمن بابا زاده” في تغريدة على تويتر أن هذه الرقابة تؤكد أن المنصات والفضاء الافتراضي قد انتهجت مسار مشابه لهيئة الإذاعة والتلفزيون في قمع الموسيقى.

إزالة الآلة الموسيقية من العالم الافتراضي ومن على جدران المدن

في العقد الماضي، ومع تدشين “ساترا” أو “منظمة تنظيم الصوت والفيديو الشامل في الفضاء الافتراضي”، باتت كل الأمور المتعلقة بتوزيع محتوى الفيديو سواء في التلفزيون أو في الفضاء الافتراضي، في أيدي مديري هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، حيث أصبحت الرقابة على الموسيقى أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لم يقتصر حذف الآلات الموسيقية على الوسائط المرئية كما ذُكر في عام 2019، تصدرت وسائل الإعلام، خبر حذف الآلات الموسيقية المحلية من على أحد الجداريات في محافظة هرمزغان، فقد أقدمت بلدية بندر عباس في إجراء غريب، على حذف الآلات الموسيقية التي كان الشباب يعزفون عليها من صورة جدارية على أحد جدران المدينة، ولم يتبق منها سوى صورة لبعض الشبان لا معنى لها، وقام مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بنشر هذه الصور، وذكروا أن حذف الآلات الموسيقية من هذه الصور، قد غيرت الصورة وجعلت الشبان يبدون وكأنهم يجلسون ويقتلون البعوض.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد