خامنئي.. شرارة البارود تُنذِر بقصف الانتخابات الرئاسية

آيدا قجر – إيران وير

لم يكن قد مرّ وقت كثير على سلطنة “الشاه محمد علي القاجاري”، حتى بلغتِ الـخِلافاتُ ذروتها بين الحكومة من جهة وبين المطالبينَ بالدستورية من جهة أخرى، فنوّاب البرلمان كانوا يَسعَون إلى تقليص صلاحيات الشاه التامّة، فأَرسل الأخير إليهم برسالة فَحواها أنّ وظيفته تَكمن في إرشاد “رعاياه” والإشراف عليهم. 

ففكّر النوّاب بمراسلته وتحدثوا في ما بينهم عن عزله، لكن محاولة اغتيال الشاه في هذه الأثناء انتهت إلى انقلابه على البرلمان وإلى قصف البرلمان بالمدفعية، وكان بعد ذلك أنْ تَـمّ اعتقال عدد من النوّاب والمطالبينَ بالدستوريّة وإعدامهم ونفيهم وتشرّدهم في البلدان الأخرى، ثم بعد سنة من هذه الأحداث تمّ فتحُ طهران على أيدي المطالبين بالدستورية.

ها هي 113 سنة تمرّ على تلك الأحداث، وفي الأسبوع الأخير أطلّ خامنئي في خطابه ببعض الفتاوى، ثم أُعيد نشرها، ثم أُطلِق قسم جديد في موقعه الرسمي تحت عنوان “انتخابات 2021″، فشجّع على المشاركة في الانتخابات طوراً وهدَّد مَن لن يشارك تارَةً، إن انتشار نطاق الاحتجاجات والاستياء الشعبي العام من ناحية، وتشديد قمع الإعلاميين والناشطين السياسيين والمدنيين من ناحية ثانية، أَدخل الرعب في نفس خامنئي (83 عاماً) الذي بدأ يُدندن متحدثاً عن “الخطوة الثانية للثورة الإسلامية”، التي تُشير في ما يبدو إلى قصفه قلاعَ رئاسة الجمهورية هذه المرة.

و بعد الرفض الواسع لأهلية كثير من المرشَّحين للانتخابات الرئاسية في دورتها الحالية كان الكثيرون ينتظرون خطاب خامنئي لعلّه يُصدر “مرسوماً تنفيذياً” كي يعيد إلى مشهد الانتخابات على الأقل أحدَ أقرب المرشحين إليه وهو “علي لاريجاني”، مستشارُه والرئيس السابق للبرلمان الإيراني، لكن خامنئي خيّب توقعاتهم واكتفى بالقول إنّ “ظلماً” لحق بعض المرشحين.

في اليوم التالي لخطابه، شاعت فتواه القائلة: “التصويت بورقة بيضاء حرام”، وبالطبع كان قد أصدر فتاوى أخرى في أوقات سابقة، منها أن المرأة لا تحتاج إلى إذن زوجها للتصويت في الانتخابات، يأتي هذا في حين أن المرأة الإيرانية تحتاج وفقاً للقوانين السارية إلى إذن زوجها حتى للقيام بسفر، وفي مثال آخر اعتبر خامنئي أن التصويت “واجب عيني” كالصلاة لدى المسلمين.

تأتي هذه الإجراءات والتصريحات في وقت يبدو فيه أن المشاركة الشعبية في انتخابات 2021 ستكون في أدنى مستوياتها، ذلك أن مقتلة نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وقصف الحرس الثوري الطائرة الأوكرانية بالصواريخ، وعجز النظام عن إدارة ظروف تفشي فايروس كورونا وعدم شراء اللقاح، الأمر الذي جعل من إيران أحد مراكز الموت.

كل ذلك ما يزال حيّاً ومشتعلاً في ذاكرة الشعب، لذلك يقول بعض المحللين والمراقبين إن خامنئي سـمِع “صوت ثورة الشعب”، فبدأ يتحرك ويُقدِّم خططاً جديدة لعلّه يجعل من هذا النظام “نظاماً مستمراً”، صحيح أن أصوات المرشحين في المناظرات تملأ في الوقت الحالي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنها أصوات يَصفها حتى مؤيدو النظام الإيراني وداعمو خامنئي بأنها “استعراضية”، في الأثناء بقيت مُهمَّشةً باهتةَ اللونِ بعضُ تصريحات خامنئي في خطابه بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الخميني وقرب الانتخابات، وهي تصريحات قد تُحدد مسار التغيير في إيران في قابل الأيام.

بهذا الشأن يمكن الوقوف على تصريحات” رضا عليجاني”، الناشط السياسي، على المنصة الاجتماعية “كلاب هاوس”، إذْ وصف خامنئي بــ “الحاكم المطلق” و”الأناني” و”الدكتاتور” الأكثر تعقيداً من “فلاديمير بوتين” روسيا، و”معمر القذافي” ليبيا، و”صدام حسين” العراق، وبأنه يمتلك “الغصب” و”التزوير” معاً، وأردف قائلاً: “خامنئي يتحدث عن الشعب مثل دكتاتور أناني، لم يَذكر في خطابه كلمة واحدة عن إيران وعن الكادحين والحرية، كأنه يعيش في قوقعته ولا علم له بما يعانيه الشعب، ويَعتبر الفجوة بين طبقات المجتمع انحرافاً عن جادة الصواب”.

في قسم آخر من مداخلته، تَطرّق عليجاني إلى كلام خامنئي عن “الحكومة الشعبية” و”الحكومة الدينية” واصفاً الذين يدعمون الحكومة الدينية من دون وجود ديمقراطية بأنهم “داعش”، كان خامنئي قد أشار في خطابه إلى ضرورة وحاجة توفّر دعم شعبي للأنظمة، ذلك أنّ الشعب “إنْ لم يؤيِّد ولم يَدعم فسيضطر النظام إلى الحكم بالحديد والنار، ولن تكون هناك إمكانية لاستمرار النظام”، كما اعتبر المرشدُ الأعلى أن “سرّ دوام” هذا النظام السياسي يَكمن في “الجمهورية” و”الإسلامية”.

بالطبع ردّ عليجاني على تصريحات خامنئي هذه قائلاً: “إذا كان هناك ‘إسلامية’ بلا ‘جمهورية’ فسيكون النظام مثل تنظيم الدولة “داعش” الذي تُمثلونه أنتم، والدليل أن الخميني قال ذات يوم: “المعيار هو صوت الشعب”، ثم قال لاحقاً: “إذا قال الشعب كلمته وقال الإسلام كلمة أخرى مختلفة فسوف أقف في وجه الجميع”، وهذا يعني أن الشعب لا محل له من الإعراب، فإذا كان للإسلام أصالة بحذف الشعب فأنتم داعش إذاً”.

وأشار عليجاني إلى مذبحة نوفمبر 2019 أيضاً التي أدّت دور “الحديد والنار” الذي قصده خامنئي: “لا، لا يكمن سرّ البقاء في “الجمهورية” و”الإسلامية”، فأنتم لا جمهورية ولا إسلامية، وما سرُّ بقائكم إلا القمع وآبار النفط”.

كان حاضراً في كلاب هاوس باحث آخر هو “محمد جواد أكبرين” الذي تناول بالنقد والتحليل بعض تصريحات خامنئي، مشيراً بدوره إلى أربعة عقود من الإعدام والقتل، في هذا الصدد كان خامنئي قد قال إنّ بعضهم لا يرغب في المشاركة في الانتخابات لأنه “أخذ على خاطره”، فقال أكبرين في هذا السياق مخاطباً خامنئي: “هل تصف قتل مئات الناس في نوفمبر 2019 وقصف الطائرة الأوكرانية وتناقص القدرة الشرائية لدى الشعب ومذبحة 2017 وما جرى في ثمانينيات القرن المنصرم بأن “الشعب أخذ على خاطره”!؟”.

وأردف بالقول: “هذا كل وصفه لتعاسة الشعب الإيراني ومعاناته، فهو يتحدث عن السند الشعبي وعن الحديد والنار، نعم فأنتم حكمتم برأس الحربة حتى الآن”، كما ذكر أكبرين في جزء آخر من مداخلته “تناقضات كلام خامنئي” و” خداعه للمؤيدين”، واعتبر خامنئي المسؤولَ الأول عن جميع مشكلات إيران واصفاً إياه “أم فساد المفاسد”.

كذلك أشار إلى بعض تصريحات خامنئي الذي استشهد بكلام للإمام علي يقول: “تدخّلوا في أسلوبي ومنهجي وأبدوا عن آرائكم”، القوانين الناظمة تقول إن “إهانة المرشد” جريمة، ولذلك كثيرون ممن أبدوا عن رأيهم فيه قوبلوا بهذه التهمة وكان مصيرهم السجن والتصفية والنفي، وهناك أمثلة على ذلك، منها رسالة “أحمد زيد آبادي”، الإعلامي، المثيرة للجدل إلى خامنئي التي نُشرت في العام 2007، فانتهى به الأمر إلى السجن لستّ سنوات وإلى التعذيب على أيدي المحققين “ليعتذر للمرشد الأعلى”، ومنها البيان الصادر عن 14 ناشطاً مدنياً وسياسياً في العام 2019 مطالبينَ بتعديل الدستور الإيراني وباستقالة خامنئي، لكن مصير هؤلاء أيضاً كان السجن، ومنها رسالة 135 نائباً برلمانياً كانت بمنزلة تحذير من سوء الأوضاع، فأجابهم خامنئي برفض أهليتهم.

كما أشار أكبرين إلى مثال آخر كان هذه المرة بياناً موجهاً إلى “أكبر هاشمي رفسنجاني”، الرئيس الإيراني وقتها، لكن الردّ على الموقِّعين على البيان لم يكن سوى القمع والعنف: “في العام 1990 انتشر “بيان 90 مُوقِّعاً” الذي وقّعه كثيرون من الشخصيات الوطنية، فكانت النتيجة اعتقالهم وسَجنهم وإجبارهم على الاعتراف على شاشة التلفزيون بشأن “لماذا حذّرتم من مستقبل النظام؟”.

صحيح أن كل تصريح من تصريحات خامنئي يمكِن أن يُفسَّر بأنه “تناقض كلامي” أو “خداع” لكنّ في مستطاعنا إحالةَ آخر مواقف خامنئي إلى تصريحات “بهزاد نبوي” الذي يقول قد لا تكون هناك انتخابات أصلاً في المستقبل، إنّ نبوي، وهو مسؤول كبير في “منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية” ونائب برلماني سابق.

ويعتقد أن “أهم” جزء من تصريحات خامنئي لا يكمن في إعادة الاعتبار إلى المرشحين المرفوضين بل الأهم ما خرج عن حالة المسكوت عنه وأُعلِن لأول مرة مِن على منبر عام على لسان أرفع مسؤول إيراني، ولا بدّ من النظر إليه على أنه بداية رسمية لتغيير نظام الجمهورية الإيرانية بصيغته الجديدة.

وذلك إذْ قال خامنئي: “الجمهورية الإسلامية هي الديمقراطية الدينية التي تتجلى جمهوريتُها حالياً في الانتخابات، وقد لا تكون لدينا انتخابات في ما بعدُ، لكن تتجلى الديمقراطية والانتخابات في هيئة أخرى”، إذاً ها هو خامنئي، الذي يفكر كثيرون بالمستقبل وبالجمهورية الإسلامية بعد وفاته، يدير ظهره لعبارة “نهج البلاغة” للإمام علي القائلة: “فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ”، ويَقتدي بالشاه محمد علي القاجاري الذي اعتبر الشعبَ “رعايا”، وبذلك يَكون خامنئي قد قصف الجمهورية القائمة على الانتخابات.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد