هل سيَغدو عبد الناصر هـمّتي ظاهرةَ الرئاسيات الإيرانية؟

إحسان مهرابي – إيران وير

عبد الناصر هـمّتي، الرئيس السابق للمصرف المركزي وأحد مرشحي الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 2021، سرق الأضواء أكثر من المرشَّحين الآخرين في الأيام الأخيرة، فهل يُصبح ظاهرة انتخابات 2021 التي لا روح فيها؟

كان عبد الناصر همتي يتبوّأ منصب المستشار السياسي لهيئة الإذاعة والتلفزيون أثناء الانتخابات الرئاسية 1993، حينها وضع شريط فيلم الانتخابات الدعائي لـ “أحمد توكلي”، المرشَّح للانتخابات الرئاسية، في دُرجه وعاد إلى منزله، ومَرَدُّ ذلك إلى اتخاذ لجنة الدعايات الانتخابية قراراً بعدم إظهار الفيلم إلى العلن، إنّ هذا التصرف يدلّ على برودة أعصاب هذا المرشح للرئاسيات الذي قلّما أثار جدلاً مع تسلّمه مناصبَ مهمةً في المراحل السابقة والأخيرة، لكن الانتخابات قضية مختلفة وعليه أن يُبدي صورة أخرى عن نفسه في المدة القصيرة المتبقية، والآن بعد 28 سنة من امتناع عبد الناصر همتي عن نشر الفيلم الدعائي لأحمد توكلي ها هو نفسه يُقابَل بعدم نشر فيلمه الانتخابي على شاشة التلفزيون الرسمي.

في العقد الأول من الثورة “الإسلامية” تولّى همتي مناصبَ سياسيةً في هيئة الإذاعة والتلفزيون، لكنْ بدءاً من تسعينيات القرن المنصرم التفت إلى الاقتصاد فتسلّم مناصب اقتصادية، في الانتخابات الراهنة والتي سبقتْها هو المرشح الوحيد الذي كانت له مناصب اقتصادية رفيعة، ولم تكن لأي مرشح حتى الآن تلك المناصب بل تاريخهم جميعاً يَقوم على المناصب السياسية والعسكرية، وعليه يبذل همتي مساعيه ليصير ظاهرة الانتخابات الرئاسية.

مع ذلك، فقبل نحو أسبوعين من التصويت على الانتخابات الرئاسية بنسختها الثالثة عشرة، ما يزال الجو السياسي بارداً والرأي العام غير مبالٍ، وإنْ كانت الدعايات الرسمية للمرشحين، وبصورة خاصة وعودهم الغريبة العجيبة، قد حرّكت القضايا السياسية قليلاً، فخلقت موضوعات مناسبة للحديث وأحياناً للتهكم، لكنّ الحالة المهيمنة ما تزال الفوزَ المحتمل جداً لـ “إبراهيم رئيسي” بوصفه المرشح الرئيسي المقبول لدى النظام الإيراني الحاكم.

في السياق نفسه، خلط المرشحون الشكليون عن التيار المحافظ أوراق اللعبة في الانتخابات الرئاسية 2021 وخلقوا مشهداً من تنافس ذي اتجاه واحد إلى درجةٍ تَـحدو ببعض النقابات والشرائح أن تُلملم أمورها في الأشهر القادمة مع افتراض حتمي لفوز إبراهيم رئيسي، فتأتي الأخبار من سوق الكتاب ونشره على سبيل المثال لا الحصر بأن بعض الناشرين يتكهنون بإغلاق الفضاء السياسي-الثقافي أكثر من الماضي، ولذلك يُسارعون إلى الحصول على رُخص تُجيز لهم نشر ما بين أيديهم من كتب حتى لا تَـحول الحكومة القادمة دونَـهم ودون إصدارها.

في الأثناء تُشير بعض الوقائع إلى أن عبد الناصر همتي بدأ يتمايز على نحو تدريجي، وهو المرشح الذي قلّما توقع البعض حظوظاً له في الأيام الأولى من الإعلان الرسمي لأسماء المرشحين، بل أكثر من ذلك، كان البعض يُحلل المسألةَ بأن المحافظين المهيمنين على مجلس صيانة الدستور صادقوا على اسم همتي ومنحوه الأهلية لا لشيء إلا ليكون رمزاً للوضع “المالي والاقتصادي” السيئ لإدارة “حسن روحاني”، ليؤكدوا من خلال حصول همتي على أدنى نسبة من الأصوات رفْضَ الشعب واستياءه العام والعارم من إدارة روحاني المخذولة، لكن الأوضاع انقلبت رأساً على عقب قبل أيام قليلة، ففي بداية الأمر أطلت “سبيده شبستري”، زوجة عبد الناصر همتي، بوصفها ممثلةً لزوجها في خطوة غير متوقعة على شاشة التلفزيون بملابس مختلفة غيرَ مرتديةٍ الشادر (وهو الحجاب المرسوم لزوجات المسؤولين الإيرانيين)، وفضلاً عن محتوى تصريحات شبستري التي وُصِفت في بعض وسائل الإعلام بـ “الكلام المسكوت عنه”، فإن حضورَ زوجة أحد المرشحين نفسَه أثار ردود أفعال كثيرة، سواءٌ من قِبَل الداعمين للمشاركة في الانتخابات أم من قِبَل المقاطعين لها.

في الأثناء استرعت بعضُ آراء همتي والوقائع الدائرة حول دعاياته الانتخابية اهتماماً أكثر، من ذلك انتقاد رئيس المصرف المركزي السابق في خطاباته الانتخابية لبعض السياسات، منها إرسال الشرطة رسائلَ قصيرةً إلى المواطنين تُحذرهم فيها من وجوب مراعاة النساء للحجاب داخل السيارات، الأمر الذي استتبع ردة فعل “أحمد خاتمي”، أحد فقهاء مجلس صيانة الدستور،كما أطل همتي في البرنامج التلفزيوني”بعيداً عن المجاملة”، وزعم أنه “صوت الشعب الصامت”، قائلاً: إن منافسه ليس أحد المرشحين الستة الآخرين بل “مقاطعة الشعب لصناديق الاقتراع”.

كما غرّد عبد الناصر همتي على التويتر طالباً من إبراهيم رئيسي أن يأمر برفع الحظر عن هذه المنصة الاجتماعية بدءاً من صباح الغد، وفي تغريدة أخرى كشف عن خبر عدم بث فيلم دعاياته الانتخابية، وكتب أن بعض الفتيات الإيرانيات كُنَّ قد طرحن أفكارهن في هذا الفيلم “من غير وسيط”، وأنه رَفض مطلب التلفزيون القائم على حذف تلك المقاطع، الأمر الذي انتهى إلى الامتناع عن بثّه، يعتقد البعض أن المساعي جارية من أجل تقديم همتي بوصفه المرشح النهائي عن قسم من التيار الإصلاحي، بل حتى يمكن أن ينال صفة “ظاهرة انتخابات 2021” بالنظر إلى وقائع مشابهة لما يَحدث في الأيام الأخيرة، ولا سيما أن همتي كان في وقت سابق عضو اللجنة المركزية للحزب الإصلاحي “كوادر البناء”، وأن زوجته كشفت في ذلك البرنامج المتلفز المشار إليه أعلاه عن نصيحة “علي أكبر رفسنجاني” بتعيين همتي رئيساً للمصرف المركزي منذ سنة 2013.

مَهما يكن من أمر فما يزال قسم كبير من المراقبين يرَون أن الفضاء المهيمن على الانتخابات فضاء راكد لا روح فيه، الأمر الذي يُستبعد معه ظهورُ موجة خاصة تَستتبع إقبالاً كبيراً على التصويت، وبشكل خاص أن البعض يرَون أن همتي أحدُ رموز الوضع الاقتصادي الراهن السيئ، وأن هناك طريقاً وعرة أمام استقطاب الرأي العام في هذا المجال.

من ناحية أخرى تُشير تجارب الانتخابات الرئاسية الإيرانية طيلة الـ24 سنة الأخيرة إلى أن فوز أي مرشح كان خارج التوقعات يتطلب على الأقل دعم أحد الأجنحة الأصلية الداخلية أو رغبة النظام فوق القانونية، وبالتالي لن يتّضح وضع همتي ما لم يَصل الإصلاحيون إلى اتخاذ قرار واضح، يُشار إلى أن حظوظه أكبر بكثير قياساً إلى “محسن مهرعليزاده”، في اجتذاب دعم مجموعة من الإصلاحيين، أضف إلى ذلك أن بعض الإصلاحيين ما يزالون منزعجين من مهرعليزاده، مُعتبرين إياه سبباً في هزيمتهم في انتخابات 2005، ذلك أن ترشحه تسبّب في تقليص بعض أصواتهم، لكن الأحزاب الإصلاحية مختلفة اختلافاً جاداً في أساس تقديم الدعم لمرشح بعينه، فإذا كانت بعض الشخصيات مثل “مصطفى تاج زاده” يَعتبرون أن تقديم الدعم لـ “علي لاريجاني” بمنزلة الانتحار السياسي فإن دعم همتي سيكون بالنسبة لهم صعباً للغاية.

كما أن مناظرات الانتخابات الرئاسية ما تزال مؤثرة، فإذا تسنى لهمتي أن يَجعل الجو في المناظرات ذا قطبين ويقدّم نفسَه كمنافسٍ وحيد للمرشحينَ المحافظين فسيَرفع من مكانته، أما همتي نفسُه فيرى أن منافسه الرئيسي هو “مقاطعة الشعب لصناديق الاقتراع”، ويعتقد أن لا حظوظ له ما لم يَتغير جو الانتخابات الراكد.

اشترك في نشرتنا الإخبارية
اشترك هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات والعروض الخاصة التي يتم تسليمها مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت
قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد